فلما كان يوم عرفة، كان لا بد من شد الرحال إلى القناة الأولى المصرية، حيث نقل وقائع هذا اليوم من الأراضي المقدسة، الأمر الذي يذكرني بسيرتي الأولى، وليس بالمرحلة الوسيطة في القاهرة!
كانت البيوت ينطلق منها هذا النقل المباشر، وكان ميكروفون المسجد ينقل الخطبة، وما إلى ذلك من المذياع، ولعله كان نقلاً مشتركاً عبر هذه القناة والإذاعات؛ فلم تكن هناك سوى محطتين تلفزيونيتين، الأولى والثانية، وذلك قبل مرحلة “العدد في الليمون”. وكان للتلفزيون موعد لبدء الإرسال، وموعد لإنهائه، يختلف بين القناتين، وكذلك كان الراديو، إلا في المناسبات، ومن بينها يوم عرفة وأيام العيدين!
وكان للتلفزيون يوم في الأسبوع يبدأ الإرسال مبكراً، يسمى “اليوم المفتوح”. كنت أحرص في الصيف على حضوره في المقهى، فلم تكن التلفزيونات قد دخلت البيوت، لما يقدمه من منوعات. وأعتذر عن أي زيارات عائلية في هذا اليوم، وكنت حينئذ في مرحلة الطفولة. وتذكرني بها قناة “ماسبيرو زمان”، وهذا سر شغفي بهذه القناة، بجانب كفاءة ما كان يقدم في الماضي من برامج، تؤكد الفرق الهائل عند المقارنة بـ”عجين الفلاحة” الذي يقدم الآن.
وعندما شاهدت إعادة المسلسل الفكاهي “حكاية ميزو”، بطولة سمير غانم، لم أجد فيه ما كان يغري بالمتابعة صغيراً (1977)، أما مسلسل “أديب”، الذي شاهدته في زمن الشباب (1982)، بطولة نور الشريف، فقد اكتشفت كم هو بائس. لكن، مع أن الدراما في هذه الفترة كانت بسيطة، وليست دراما الحشد كما هو الحال الآن؛ حشود الشخصيات، والأحداث، والمواقف، فالرأي الحالي في “حكاية ميزو” و”أديب”، وربما غيرهما، يمثلان الاستثناء لا القاعدة!
الشعراوي الوفدي والنمر الإخواني
“ماسبيرو زمان” تقدم، في مثل هذا اليوم من كل عام، هذه الخطبة التاريخية للشيخ محمد متولي الشعراوي، لعلها أهم، لا من أهم، خطبة في هذه المناسبة منذ نقل يوم عرفة من الحجاز عبر الأثير. وفي كل عام، فإن الوعاظ السعوديين، الذين يحتكرون زعامة المشهد، يلقون الخطبة تأدية واجب، فلا يشغلنا النص، بقدر تعبيره عن هذا الجو الروحاني. ومثلي، لا يفهم مثلاً الحرص على هذه الركاكة، وأن يكون من بين الحجاج أعلام الدعوة، ومع ذلك، فالركاكة تتصدر المشهد، وتتخطى الرقاب، وهي التي تدعو الله، ومن يقول: “آمين”، قد يكون العلامة يوسف القرضاوي، أو أسد المنابر، الشيخ عبد الحميد كشك!
عندما ألقى الشيخ الشعراوي هذه الخطبة، كان عمري عشر سنوات. لكني سمعت عنها بعد ذلك، ولم أسمعها إلا بواسطة “ماسبيرو زمان”، وفي السنة الأولى لتوليه وظيفة وزير الأوقاف (1976 – 1978). وهو ضمن أربعة تولوا هذا المنصب في عهد السادات، الذي بدأ بالشيخ عبد الرحمن بيصار (شيخ الأزهر بعد ذلك) والشيخ الذهبي، وجاء الشيخ عبد المنعم النمر بعد الشعراوي.
وقد قرأت، قبل أيام، كتاباً للمؤرخ الدكتور محمد الجوادي، عرفت منه أن النمر كان إخوانياً من زمن الشيخ حسن البنا، وأنه شارك الإخوان محنة الاعتقال في عهد عبد الناصر، لكنه قطع صلته بالتنظيم مع حفظ الود، وبدأ ترقيه الوظيفي منذ عبد الناصر أيضاً؛ فقد كانت الحالة تسمح. وعبد الناصر عيّن معتقلاً سابقاً بذات الاتهام في المنصب، هو عبد العزيز كامل.
فالحالة السياسية ليست كما هو الحال الآن. لكن، بالمقابل، انظر إلى من تركوا الإخوان سابقاً، ومن يحاورهم ضياء رشوان في برنامجه “مراجعات” على قناة “العربية”: فهم شخصيات باهتة، وبعضها بائسة… فماذا جرى؟!
وكان قد سبق عبد العزيز كامل في الموقع، الشيخ أحمد حسن الباقوري، الوكيل السابق لجماعة الإخوان المسلمين. ولم يُعرف بيصار والذهبي بأي خلفية سياسية. لكن، الشعراوي كان وفدياً متحمساً في شبابه، يقبل يد النحاس باشا، ككل الوفديين. وروي أنه، عندما حصل على شهادة العالمية من الأزهر، امتنع عن ذلك، فصافح النحاس دون تقبيل يده، والذي انتبه لذلك، وهتف في وجهه، بحنان الأب الذي عرف عنه، ربما لأنه لم ينجب: “بوس يا ولد!”
أزمة من لا يُسأل عما يفعل
وهي خلفية قد تدهش من شاهدوا الشعراوي كبيراً، ليتساءل من يراه: كيف لهذا الأزهري المحافظ أن يبدأ سياسياً، أو وفدياً؟ بل، كيف لهذا الصوفي الكبير أن يكون هذا الشاعر الوفدي، الممتلئ بحماس السياسة؟
ولعل كثيرين لا يعرفون أن هذه النزعة الصوفية لم تلازمه منذ شبابه؛ فقد تصوف كبيراً، لعل ذلك بعد مرحلة الإعارة في المملكة العربية السعودية. فهل، لسابقة العمل هذه، قدمه علماء المملكة لصعود منبر يحتكرونه، رغم تواضعهم كخطباء؟! وربما كانت هدية منهم له، بمناسبة توليه منصب وزير الأوقاف في مصر؟!
وإذا كنت لا أتذكر هذه الخطبة في وقتها، في مرحلة “اليوم المفتوح”، فقد سمعت الكبار بعد ذلك يقولون، على ذات نسكهم عند تفسير الأحداث، إن إمام الحرم تأخر، فصعد الشيخ الشعراوي خطيباً. إنهم يفسرون الموقف في حدود خبرتهم، وقد كان الشيخ فتحي العمرجي يتأخر أحياناً، أو يحدث له مانع من الحضور، فيقع الخيار على غريب، تبدو فيه هيئة الوجهاء، وكثيراً ما يكون الاختيار ورطة!
فالأمور لا تترك، في يوم كهذا، لظروف الخطيب. والمؤكد أن هذا تم باتفاق مسبق مع الشيخ الشعراوي، لا نعرف ملابساته. ولا أعرف لماذا لم تكن المقابلات الصحافية تتناول كل ما له علاقة بتاريخ الشعراوي من موضوعات الجدل السياسي، سواء في زمن الوفد، أو في فترة الوزارة، التي بدا كما لو كان لا يريد أن يتذكرها.
وفي مرحلة الشباب المبكر، قرأت حواراً له في مجلة لا أتذكرها، وبسؤاله إن كان يفكر في العودة للوزارة، فقال: “يكفيني من الدست مغرفة”. وفي مرحلة تالية، قال: “تجربة أرجو لها ألا تتكرر”. وفي الحالتين، فإن الصحافي يكتفي بهذا القدر، ولا يسأل: لماذا؟!
وددت لو سئل عن ملابسات موقفه في مجلس الشعب، في أزمة النائب الشيخ عاشور، الذي هتف في المجلس: “يسقط السادات!”، فدافع هو قائلاً: “لو كان بيدي شيء من الأمر، لرفعت هذا الحاكم لدرجة من لا يُسأل عما يفعل!”، وفي خطبة الجمعة، كان الشيخ عبد الحميد كشك من يتصدى له من منبر مسجد “عين الحياة”، ويؤلب عليه الجماهير، فيقول: “من الذي لا يُسأل عما يفعل يا شعراوي؟!”، فيكون الرد المزلزل من المصلين: “الله!”. والشيخ كشك، بحكم الوظيفة، إمام مسجد يتبع للأوقاف، أي مرؤوس له. فهل وصله هذا الهجوم؟ وماذا فعل مع من يتبع له وظيفياً؟! يبدو لي أن الأمر مرّ بدون استدعاء أو تحقيق!
إعادة اكتشاف الشيخ الشعراوي
“ماسبيرو زمان” تقدم حواراً قديماً أجراه المذيع طارق حبيب مع الشيخ الشعراوي. ومع أنه تم التطرق لمرحلة الطفولة، وما بعدها، وعدم رغبته في التعلم، والعمل بالفلاحة، إلا أنه لم يذهب به إلى هذه المراحل التاريخية المهمة. والشيخ الشعراوي لم يكتب مذكراته، ربما لأنه كان متحدثاً بارعاً، لكنه لم يكن كاتباً.
وفي هذه الخطبة التاريخية، يوم عرفة، اكتشفنا أنه، بجانب ذلك، خطيب فوق الرائع. ومن شاهدوا خواطره حول القرآن الكريم في التلفزيون، لم يلمسوا هذا الدور، لطبيعة البرنامج. ولم يشاهد الناس في مصر الشيخ الشعراوي خطيباً على منبر، فليس كالشيخ الغزالي، الذي عُيّن خطيباً للجامع الأزهر، وجامع عمرو بن العاص، وليس كالقرضاوي، الذي شاهده الناس، عبر تلفزيون قطر، خطيباً في مساجد الدوحة، قبل خطبته التاريخية في ميدان التحرير. وشاهده الجيل السابق في القاهرة خطيباً للعيد، في ميدان عابدين!
لقد كان ذهابي إلى القناة الأولى المصرية صباحاً، وفي وقت مبكر، قبل الانتقال لإذاعة خارجية، وانضمام الإذاعات، كما تلاها سعيد صالح في “مدرسة المشاغبين”. لكن، هذا الانضمام، في حالته، كان إلى الـ “بي بي سي”، التي أعلنت: “مرسي ابن المعلم الزناتي اتهزم يا رجالة!”.. “يا رجالة” بالإنجليزي!.. أو كما قال!
وكانت فرصة لمشاهدة يوم من برنامج “صباح الخير يا مصر”، الذي بدأ قوياً ثم ترنّح. مع أن نجاحه يؤكد أن المهنية تنجح، ولو بعيداً عن السياسة، فلا تستخدم سياسة التضييق على الحريات في الإعفاء من المسؤولية عن الفشل الإعلامي.
ولم يكن هذا البرنامج يقدم سياسة منذ إطلاقه، فقد كان برنامج منوعات، لكن من الوزن الثقيل. ورغم الحالة التي وصل إليها، فقد كان، في هذا الصباح، متنوعاً وجيداً، وعادت إليه بعض حيويته القديمة. وعندما انطلق، كان كطلقة، أكدت أن هناك فراغاً لم يكن يلفت انتباه التلفزيونيين، ويحتاج لمن يشغله. وإن كان كفكرة، جاءت لأن مبارك يستيقظ مبكراً، ولا يجد ما يفعله، فاهتم به صفوت الشريف اهتماماً خاصاً. وكان عهده الذهبي في عهد رئيس قطاع الأخبار، محمد الوكيل.
يثاب المرء رغم أنفه!
كل عام وأنتم بخير.
صحافي من مصر