عز الدين المناصرة في ذمة التاريخ: شعرية البساطة والعفوية

نعى الناعون أحد شعراء المقاومة الفلسطينيين وهو عز الدين المناصرة الذي ولد في 1946 ودرس في القاهرة وفي صوفيا، وحصل على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن ودرَّس في بعض الجامعات العربية في الجزائر، وفي كلية التربية التابعة للأنوروا في عمان، وفي جامعة فيلادلفيا وصدر له الكثير من الدواوين والكتب التي تناول فيها قضايا الأدب المقارن والنقد الثقافي وقصيدة النثر وحارس النص والتراث الشعبي الفلسطيني والفن التشكيلي، وكان قد عرف المناصرة منذ بداياته بما يطغى على شعره من بساطة في اللغة على مستوى اللفظة والتركيب، مع العناية بالموسيقى والإفادة من المواويل والأغاني الشعبية، والحداء وفنون الموسيقى والغناء الشرقي، لاهيا بعناصر التركيب النحوي تقديما وتأخيرا، ففي هذا المثال:
يتغبّرُ ظهرا شجرُ التين
ومساء تندلق العتمة فوق وسادَةِ تشرين
يتطلبُ القول حسب التركيب النمطي أن يكون: يتغبر شجر التين ظهرا، وتندلق العتمة مَساء. لكنه يخالف السائد مبسطا التعبير. وفي موضع آخر من القصيدة يقترب من العامية «في المشْمشِ قابلني» فقد سبَقَ ذكر الظرف في المشْمشِ الفعل العامل فيه، وهو قابلني. وهنا استعار الشاعر من المحكيّة طريقتها في التعبير عن المُحال بشبْه الجملة «في المشمش» التي تلفظ في العادة عند استحالة تحقيق المطلوب، فالنغمة التي تصاحبُ هذه العبارة نغمة تيئيس، ولولا المضمون العامي لها لما كانت دالة على هذا. وفي قصيدة بعنوان «أغنيات كنعانية» وَرد تركيب نحوي يقدم فيه الشاعر على عادة اللهجة المحكية المفعول به، والعناصر النحوية الأخرى، من جار ومجرور، ومضاف إليه، ليأتي بالفعل بعد ذلك وهذا – بلا ريب – من تأثير العامية في لغة الشاعر. وفي موقع آخر يبْني الاستفهام بأين، لكن التركيب لا يكتفي فيه بالتساؤل عن المكان بأين، وإنما يسأل عن شيء آخر وهو غضب المدائن: «أين المدائن غاضبات؟» وفي أسلوب النفي نجده يتشرَّبُ روح المثل الماثور الشعْبيّ «ما أكذبَ من شابّ.. يتغرّبُ في الأمصار إلا شيخ ماتتْ أجياله» ففي هذا التركيب يجمع الشاعر التركيب العامي إلى جانب المتين الفصيح الجزل «يتغرّب في الأمْصار» وهذا من أكثر النماذج التركيبية تمثيلا لبساطة وعفوية التركيب. وقد ينحو في تركيبه منحى عبارة مشهورة في التراث الشعبي، وهي قولهم في بعض الأغاني «فالدار تنعى من بناها» وقد نظم الشاعر هذا في قصيدة «الردّ على الأحبة»:
تركتُ الدارَ تنْعى مَنْ بناها
رأيت الحزنَ في صمْتِ الخرائبِ
يلعب الديكُ عليْها
ويصيح الشجرُ الملتفُّ في الليل الصموتْ
والتراكيبُ العاميّة تتوافر في شعره توافرا لافتا، فهو يصفُ أحد القادة الذين فرَّطوا بالوطن، وأكثروا من الخُطبِ ببَيْت يقول فيه «يا وَجْه المَصائب» وهو في العامية «يا وجه المَصايب». والأكثر من هذا أنّ المناصرة يجمع تراكيب شبه عامية في نسق عروضي يذكرنا ببعض الأغاني الفولكلورية، حتى عنوان أحد دواوينه «يا عنب الخليل» قريب جدا من:
يا بائعَ التفّاح
وردُ الصبا غنّى
لا تقتربْ منّا
أحبُابُنا مَرّوا
لمْ يَسْألوا عنّا
فمثلُ هذا الأداء العروضيّ يُذكِّرُنا بأغنية قريبة من هذا الوزن (أحبابنا ياعين // ما هُمْ معانا) وفي قصيدة «قراءة أوليّة لطريق العين» نجده يُحاكي، سواءٌ من حيث التراكيب، أو الوزن، أغنية شعبية تعتمدُ تكرار الفعل (مرَّتْ) كثيرا، وتذكُر المِرْوَد الذي تتكحَّلُ به النساء، مع العين:
مرَّتْ ما مَرّتْ.. مرَّتْ ما مَرَّتْ
مِرْوادُ الكُحْلِ في العينِ جرّتْ
ومن قبيل التأثر بالتركيب العامي وضع الصيغة الصرفية في موقع لا يتناسب مع دلالة البنية ، فالفعل يسْتعجلُ دلالته في الفصحى: طلب التعْجيل، أما إذا أراد المتكلم أن يطللب من المخاطب التريُّثَ، والإبطاءَ، فإنّه بالفصحى يقول لا تعْجلْ، ولا يقال لا تسْتَعْجل، أما في التراكيب العاميّة، فإنهم يستبدلون تعجَلُ من تستعجلُ، فلا يقولون مثلما قال الشاعر:
أبا هند فلا تعْجلْ علينا
وأنظرنا نخبِّرْكَ اليقينا
ومن هذا القبيل تكرارهُ للتركيب «تأتي.. لا تأتي» يقول ذلك، وهو ينتفُ أوراقَ الوَرْدة. لكنه يلْجَأ كذلك للطريقة العاميّة في التركيب «سأحبك بسْ تيجي يا عمّتنا النخلة» و»حين أمَرْمغُكِ مع الرمْل» و»سأفرفك أنحاءَك في عتم الزمن الكحلي… وسأخربش خجلي» إلخ.. فجلُّ الأفعال في الأبيات المذكورة صيغتْ صياغة عاميّة أفرْفِكُ، أخربش، أمرْمغ، فهي بصرف النظر عن أصولها جاءَتْ على وزن لا قياس له وهو (أفعْـفِلُ) لتتّسق مع بنية العبارة الرامية للتعبير عن التكرير، والتكثير، في إنجاز الفعل على وَفْق المَغزى من هذا التركيب.
ومن مظاهر التأثر بالعامية والاقتراب منها استغناءُ الشاعر عن الرابط الذي يربط بين الجملة، والتي قبلها، فعلى سبيل المثال إذا كانَ يُقال في الفصحى ظلت تنظر إلى وتتأملني وتلاحقني، فإنّ العامية تعطف بلا واو، فيقال ظل فلان يتبعني، يلاحقني، يمشي خلفي، إلخ.. وقد تجلّى هذا النمط من التركيب في قصيدة مبكرة للمناصرة، وهي قصيدة «مَقهى ريش» التي يقول فيها على لسان المتكلم:
ظلت تجْحَرني، تفترسُ ضلوعي،
تمْعَسُني بيْنَ يديْها،
تدهَسُني بصَهيل وهديلٍ فتّان
غير أنّ الوزن اضطره للرجوع لأسلوب الفصحى في الربط، فأضافَ في واحدٍ من الأبيات «وتفتتني كالرمّان» فامتزج في هذا الشاهد ما ينم عن الخلط بين مستويين من الفصحى والعامية، هما: المستوى اللفظي الدلالي باستعمال تجْحَرُ، وهي النظر في نوع من القِحَة، وقلة الحياء، وهي من العامّي؛ وتمعَسُني وهي من العامّي، إلى جانب التركيب النحوي الذي ذكرناهُ. وإذا كانتْ العربية تضع الناسخ مثل كان، وصار، وأصْبح، وما شاكله، في مقدمة العبارة، وقبل الاسم، فإنّ العامية تنحو كثيرا لما هو شائع من تقديم الاسْم على الناسخ، فيقال مثلا: الصغير صار كبيرا، بدلا من صار الصغير كبيرا. والمناصرة في «وداع لغرناطة» يُكرّرُ هذا التركيب العامي الذي لا ترفضُه الفصحى، ولا تأباه:
القبائلُ صارتْ تحتَ أقدامها
علفا وبُذورْ
القبائلُ صارتْ فروعا تقاتلُ أغْصانَها وَالجُذور
وإذا كانت (لمّا) في العربية الفصحى أداة جزم للفعل المضارع الدال على الاستقبال، على نحو ما نرى في قوله تعإلى (ولمّا يَعْلم اللهُ الذينَ جاهدوا مِنْكم) فإنّ العاميّة وجدتْ لها استعمالا آخر، فهي لا تلتزم المضارعَ حسْب، بل تتقدم الفعل الماضي، وفي هذه الحال تصبحُ شبيهة بالظرف (حين) أو (عندما) وأورد المبرد في الكامل جواز استعمالها مع الماضي فيقال «لما أنْ جاء زيد» مؤكدا أنّ (أنْ) – ها هنا- زائدة. وهذا شائعٌ في العامِيّة شيوعا كبيرا، فيقالُ لمّا جيت، ولما قلت، وغيْره. ويقول المناصرة في قصيدة عن خان الخليلي واصفا أحد الرواة الذين يفدون للمقهى، ويتغنّون ببطولاتِ أبي زيْد الهلالي:
هبَط عليْنا كالحَرَقَة
لمّا راحَ يُغني
عنْ برْق خليليّ يلمَعُ في صَخَبِ الحاراتْ
قرْبَ رواقِ الشامْ
وهذا التركيبُ «لما راحَ» هو البديل العامي للقول عندما راحَ يغني، فالشاعر، بلا ريب، لصيق بالطريقة العامية في هذا، لا بما شذ من أقوال العرب، وقلّ اطراده. والتحذير بالعربية أسلوبٌ له قياسٌ معيَّنٌ، إما باستخدام اسم الفعل حَذارِ، أو الفعل احْذر، أو ما يعرف باسم ضمير النصب الظاهر( إيّاكَ) بشرط التكرار، ويجوزُ التحذيرُ بها من غير تكرار بشرْط أنْ يعطف عليها المُحذّرُ منْه، فيقالُ: إياك والتغيّب عن المحاضرة. أو: إياك والكذِبَ. وإذا لم تكرر إياك، ولا العاطف، يجبُ أن تذكر (منْ) قبل المُحذَّر منهُ، فيقال: إياك من الكذب، مثلا، أو أن يقع بعدها ما يجوز أنْ تقدر فيه منْ، نحو: إياك أن تفعل كذا، أي: منْ فعْل كذا. والمناصرة في القصيدة «عاصفة هندية» لجأ لما يلجأ له عامة الناس من التحذير بإياك من غير تكرار، ولا بيان المَحذور منه بواو النَسْق، ولا بمِنْ، يقول في القصيدة المذكورة ما يأتي:
إياكَ تكرارَ التردّدِ في المُباحْ
إياك تجريحَ القطوفْ
إياك فاتنة لهوفْ
إياك إيقاظ القرنْفل في الصباح
صفوة القول إنَّ شعر المناصرة، ولاسيما بواكيره ، فيه الكثير مما ينمُّ على البساطة، والعفوية، في اللغة، والاقتراب من العامي والمتداول على أكثر من مستوى، كالذي يتجلى في اختياراته للبنى القائمَة على التغيير، والاشتقاق، وهذا كلّه يؤثر تأثيرا جليا في المُسْتوى البلاغي، والأسْلوبيّ، الذي يُعد مُحصِّلة نهائية لتفاعل المُسْتويات المذكورة في لُغَةِ القصيدة. ويُذكر أن المناصرة نشر ما بين 1968 و2009 اثني عشر ديوانا كان الأول منها بعنوان «يا عنب الخليل» والأخير بعنوان «لا سقف للسماء» (2009). ونشر بين عامي 1976 و 2007 سبعة كتب في النقد الأدبي، وفاز بعدد من الجوائز، منها جائزة الدولة التقديرية عن الشعر 1995 وجائزة القدس 2011.

ناقد وأكاديمي من الأردن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية