عصر التفاهة لكن…

كتاب غاضبون من صفحات مدفوعة الأجر على السوشيال ميديا تروِّج لكتاب غير موهوبين. وكتاب غاضبون ممن سبقهم من الأكبر سنا ويرونهم عائقا لهم، بينما هم على مشارف الموت. وللجميع الذين ينسون تاريخ الآداب والفنون أذكرهم بالغائب أو الحاضر الذي ينسونه أو يتجاهلونه، مؤكدا لهم أن السوشيال ميديا قد تصنع حقيقة من الأوهام، لكن تأتي الحقائق، حتى لو متأخرة، بعيدا عن التفاهات.
رسم الإنسان البدائي آماله ومخاوفه على جدران المغارات والمعابد، لكننا الآن صارت لدينا مذاهب فنية من الكلاسيكية والرومانتيكية والتأثيرية والتكعيبية وغيرها. الشعراء العرب في العصر الجاهلي لم يعرفوا أوزان وبحور الشعر، ومشوا عليها قبل أن يأتي الخليل بن أحمد الفراهيدي في القرن الثاني الهجري، ليستنبطها من الشعر ويحدد بحورها. لم يستقر الشعر العربي على ذلك، شهد تنويعات وخروجا عن المألوف عبر التاريخ، نعرف منه ما صار أكثر شهرة مثل جهود مدرسة الديوان للعقاد والمازني وعبد الرحمن شكري، التي جعلت القصيدة وحدة متماسكة في موضوع واحد، فلا تتعدد الأغراض مما اعتادت عليه القصائد القديمة، من وقوف على الأطلال، ثم مدح الحاكم أو غيره، قبل موضوع القصيدة. ثم تواصل الخروج على البحور الشعرية نفسها، فجاء الشعر الحر ثم قصيدة النثر.
الأمر نفسه في القصة القصيرة، التي كانت حكايات ومعاني واضحة، ولغة المقامات القديمة وبلاغتها، حتى صفت وصارت فنا بذاته لا تتحمل تعدد الشخصيات، ولا البلاغة اللغوية، وتدور حول مركزية حدث أو إحساس واحد، سواء مع يحيى حقي وجماعة الأدباء التي كونها مع عيسى وشحاتة عبيد، أو مع يوسف الشاروني ويوسف إدريس في ما بعد، ثم مع الستينيات وحتى الآن. أوافق بعيدا عن الأشخاص أنه من أخطاء السوشيال ميديا وإغراءاتها ظهور ما يسمى بقصص سريعة جدا، أو قصة في سطرين أو ثلاثة أسطر، وغير ذلك مما سيصبح في التاريخ خواطر وأفكارا بعيدة عن معنى الفن الحقيقي.
هناك الآن مئات يكتبون الرواية متجاهلين تطورها، فلا يعرفون من الرواية غير أنها حكاية، بينما الرواية اتجهت من زمان، إلى أن تكون للحكاية طرق مختلفة في الحكي، وبأفعال مختلفة بين الماضي والحاضر في اللغة، وبجمل وعبارت مختلفة تتوحد مع مكانها وزمانها ولغة قائليها من الشخصيات. على سبيل المثال تجد لهذا النوع من الكتاب المندفعين في كتابة الرواية سيلا من الحديث في العمل الأدبي نفسه، كمن يصف مثلا عداوة بين بطل الرواية وصديق له، أو أبيه، أو أمه، ويستغرق صفحات في حكي سبب ذلك، بينما كانت تكفي لمحة واحدة، كأن يقابله مثلا في الطريق فيشيح بوجهه عنه إلى الناحية الأخرى، وتظهر على وجهه ملامح الغضب أو حتى القرف! وبالمناسبة قصيدة النثر يحدث فيها مثل ما يحدث في الرواية. يدخلها الكثيرون شاعرين بالحرية من قيود البحور والتفعيلة، ويبدأون في الحكي، فتطول منهم القصائد كأنها حكايات، غافلين عن أنه، حتى لو صار الشعر غير موزون وغير مقفى، فلن يتخلى عن الصورة الفنية. لو أن الفن مثل حكايات تحكيها على المقهى، أو في البيت، عن شيء سمعت به أو رأيته في الطريق، فلا معنى لوجوده، لأن الطريق مفتوح لكل الناس وحكاياته لا تنتهي. كيف تصبح الحكاية أسطورة أو أشبه بها، هو الفن. أما الأحداث فحين تُروَى بالشكل التقريري فهو أمر جدير بمحاضر البوليس للوصول إلى الجاني أو الحقيقة.

رسم لياسين

هكذا أتحدث بعيدا عن تفاهة الاتهامات أو الانحيازات النفعية أو المدفوعة الأجر، مؤمنا بأن من يسمون عصرنا بعصر التفاهة قد يكونون على حق، لكن سيحفظ التاريخ ماهو غير تافه وجدير بالإنسان والإنسانية، كما أن الغائب من فَهْم عصر التفاهة، هو ما تفعله النظم الشمولية التي تروج لأفكارها الرجعية المتخلفة، ومن نزوع إلى تسليع كل شيء بدءا من الطعام إلى الفكر. إذا ابتعدنا أيضا إلى جانب آخر من جدية الحديث، فسنجد مئات الدراسات النقدية عن شكل القصة أو الرواية، أو كل الفنون عموما، وكلها مستقاة من الإنتاج المتاح، ولم تُكتب قبله، وإن بشَّرت بعضها به عند النقاد أصحاب الرؤى الأعمق. تقرأ دراسات عن المرأة عند فلان، أو عن الزمن أو المكان، أو المدينة أو الريف أو الثورة، وكلها قائمة على الأعمال الأدبية، ويمكن جدا أن تفتح الطريق لفهم الكاتب، لكن الأهم هو أنها تفتح الطريق لتجاوزها عند الكاتب الموهوب، بقدر ما تثير الفكر عند القارئ العادي، الذي عليه أن يعرف أن هذا ليس آخر المطاف، بل يمكن تجاوزه، فالآداب ليست علوما لها قواعد صارمة دائمة، بل هي أيضا مثل العلوم تقبل الكذب، كما تقبل النظريات العلمية الكذب، ولا تصبح نهائية، وإلا أين ذهبت قوانين نيوتن أمام نسبية إينشتاين مثلا، كل فكر أو إبداع إنساني قابل للمغايرة.
انتقل إلى حقيقة تأخذني إلى ما حولي رغم الآلام، فالأحداث الكبيرة تكون دائما مادة للأديب، حتى لو احتاج ذلك إلى سنين. لقد كانت ثورة 1919 طفرة كبيرة في الأدب بما أتاحته من التفكير في الحرية، فضلا عن الحرية نفسها، لكن في الوقت نفسه مع ظهور الثورة في أعمال لكتاب مثل توفيق الحكيم أو نجيب محفوظ، ظهرت أعمال كثيرة عن مواجع الشعب في الريف والمدينة، وأحلام المثقفين والظلم الطبقي والقانوني أيضا. الأمر نفسه بعد ثورة 1952. قليلة جدا الروايات التي تحدثت عن الثورة نفسها مثل «رد قلبي» أو «نادية» ليوسف السباعي، لكن ما أكثر القصص والروايات عن حرية الصحافة، أو حرية المرأة، أو السجون، أو قضايا الوجود الإنساني. هزيمة 1967 أفسحت الطريق للتجديد في شكل الكتابة، لكن القصص والروايات عن الحرب قليلة قياسا إلى غيرها، والسبب طبعا أنه ليس كل الأدباء ساهموا في الحرب، لكن كلهم يعيشون التغيرات السالبة أمامهم في المجتمع. تستطيع أن تمد الخيط إلى ثورة 25 يناير/كانون الثاني، فما أقل الروايات التي كتبت عن الثورة نفسها، لكن ما أكثر ما كتب عن الحياة بعدها، وما قفز إليها من وسائل الاتصال الحديثة التي راحت تتسلل إلى الأعمال، فتجد فيسبوك وتويتر وغيره حاضرة في السرد.
الآن حدثت جريمة كبرى في غزة من الصهيونية، أو النازية في ثوبها الجديد. أكثر من أربعين يوما من الإبادة الجماعية للفلسطينيين من الجيش الصهيوني، رغم انتفاضات الشعوب في العالم من أجلهم. سيقفز ذلك بقوة في أعمال مقبلة كثيرة، لكن سيكون لمن عاشها من الفلسطينيين، شعراء وروائيين ومسرحيين وفنانين تشكيليين وغيرهم الوجود الأكبر، رغم الآلام فمثل هذه الأحداث ستصنع بسرعة في السينما بالذات والفن التشكيلي ما يفوق ما يحدث الآن من تصوير ومن حوارات. ولو كانت مصر بصحتها لشهدت السنوات المقبلة أفلاما ومسلسلات تهز الدنيا. مؤكد سنرى ذلك أسرع في الفن التشكيلي، بل بدأنا نراه. وهنا أحب أن أبدي إعجابي وتقديري لشاب صغير هو محمد ياسين، أو: «Yassin» كما هو على فيسبوك، أو ياسين يرسم: «yassindraws»
كما هو على تويتر. لا يمر يوم إلا ويمتعنا ويشجينا ويبكينا بلوحة تجسد مشهدا لمقتل طفل فلسطيني أو إخراج جثة من تحت الركام، أو احتفال بالحياة بين الدمار، فيتسع الخيال بالمشهد، ويدخل به منطقة الخلود. في الحقيقة يستحق ياسين كل تقدير هو الشاب الذي تم القبض عليه يوما مثل الآلاف من شباب ثورة يناير ثم أُفرج عنه. لقد تعلم في السجن ومنه ما لم يتعلمه في الحياة.
تاريخ الفنون مهما جرى على المجتمعات لا يكون تاريخا للتفاهة.

روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية