«على خطى همنغواي في كوبا»

هذا هو عنوان الكتاب الثاني في أدب الرحلات، الذي أقرأه للكاتبة هايدي عبد اللطيف، بعد كتابها «أيام في المكسيك.. بصحبة دييغو ريفيرا». هذا الكتاب الصادر عن دار آفاق المصرية في مئتين وثمانين صفحة، سبق في الصدور الكتاب الثاني الذي صدر عن دار» ذات السلاسل» في الكويت، والاثنان كانا بعد رحلة لها إلى المكسيك وكوبا. هايدي عبد اللطيف الكاتبة والمترجمة منذ قرأت لها وأنا في إعجاب فائق، ليس بكم المعلومات في كل كتاب فقط، لكن بلغة الكاتبة التي تجسد كل شيء فترى ما تقرأه، وتمشي معها في رحلتها لحظة بلحظة.
تبدأ هايدي بـإبداء عرفانها لسوسن بشير الإعلامية الرائعة التي لا تغيب عنها، رغم بعدها الآن عن مصر، وكيف حين قابلتها شجعتها على تدوين رحلتها في أثر همنغواي. هايدي متخصصة باللغة الإسبانية وتجيد الإنكليزية، وكانت الإسبانية وراء رحلاتها لتعثر على كنز الحكايات في الجزيرة الكاريبية أو كوبا. كما تشكر زوجها الكاتب إبراهيم فرغلي الذي تعمل وتعيش معه في الكويت، على رعايته لبناتهما في غيابها وتشجيعها على تحقيق أحلامها.
ينتهي الكتاب بمحفل رائع لصور الأماكن التي زارتها من شوارع ومواصلات ومتاحف وفنادق وغير ذلك. صور تشغل حوالي خمسين صفحة أقامت بها متحفا رائعا، ونشرتها الدار مشكورة كما هي ملونة.. كيف لم تكن رحلتها في البداية لاقتفاء أثر همنغواي، لكن لزيارة هذه الجزيرة. كوبا التي كانت بالنسبة لجيلها من مواليد السبعينيات بلدا مثيرا باعتبارها آخر النماذج الشيوعية، وسط أحداث الحرب الباردة. كيف تشكل وعيها في التسعينيات وعرفت مواقف الرئيس الكوبي فيديل كاسترو في مواجهة الولايات المتحدة، أو الثائر العالمي تشي جيفارا التي كانت صورته تزين غرفة شقيقها الأكبر الذي يشبهه قليلا. جاءت كوبا على قائمة البلاد التي تود زيارتها لتفردها في انصهار الثقافتين، الإسبانية التي جاءت مع المستعمر، والافريقية التي حملها العبيد إليها. قراءتها قبل السفر عن كوبا والثورة، وعن همنغواي، جعلتها تضع برنامجا يشمل أنشطة من بينها التمتع بأحد شواطئ الكاريبي، وزيارة مصنع السيجار الكوبي الشهير، الذي يقولون إنهم يصنعونه على أفخاذ النساء! وبيت همنغواي، وغير ذلك مما سأقف عند بعضه، وأترك لك متعة قراءة الكتاب كاملا. كيف وصلت واستقرت في إحدى الشقق، وبداية وصف المكان وتجسيده مرئيا ومسموعا بما تراه أو تسمعه في الطريق. الموسيقى والمقاهي وممرات المشاة والفنانين الهواة وبائعات الورد في هافانا العاصمة الكوبية. كيف استقبلت هافانا همنغواي الذي وصل إلى كوبا في أبريل/نيسان عام 1928 وإن اختلفت الحكايات عن يوم الوصول. ما كتبه غابرييل ماركيز عنه، أنه توغل في روح كوبا أكثر مما قدره الكوبيون، كيف أمضى فيها أكثر من عشرين سنة أو ثلث عمره، حتى إنه حين اضطر لمغادرتها أصابه الاكتئاب وانتحر بعد مغادرته أياها بأيام.
صار همنغواي نصف كوبي فهو أمريكي وفيها فاز بجائزة نوبل، وعرفت السينما طريقها إلى أفلامه. حين نال جائزة نوبل عام 1954 عن روايته «العجوز والبحر» أهداها للكوبيين قائلا، «هذه الجائزة تنتمي إلى كوبا لأن هذا العمل تشكل وخُلق في كوبا وسط أهالي كوهيمر، الذين أعدني واحدا منهم»، مشاعره وتأييده للثورة الكوبية وبلدة كوهيمر، التي عاش فيها وكان ينطلق منها في رحلات الصيد، وعلاقاته بالأطفال والكبار والكتاب والفنانين التشكيليين، لندخل في حديث مفصل عن أماكن وجوده، وكيف كتب أهم رواياته. تقول كيف أن حب الكاتب يجعلك تراه حتى بعد رحيله يمشي في رفقتك، وهكذا كانت ترى همنغواي في رفقتها نهارا وأحلامها ليلا. عن هافانا التي حرصت الحكومة الكوبية، على أن تحتفظ فيها وكل الجزيرة بملامحها القديمة، ربما لانشغال الحكومة بتطبيق الاشتراكية، ومنع مظاهر التميز والثراء، أو لحصار الولايات المتحدة لها، لكن أيضا حرصها مع مطلع القرن الواحد والعشرين على السياحة كمصدر للدخل. المدينة لم تتغير عن أيام همنغواي فيها، وظهر ذلك كله في رحلتها ترافقها روحه.
الحديث متسع عن المقاهي والثقافة وارتباط همنغواي بالحانة، ليس لأنه سكير، لكن لتجمع الكتّاب فيها، وتذكر أسماء كثير منهم. ذهبت إلى أشهر الحانات التي ارتبط بها اسم همنغواي وهي حانة» لابوديجيتا دِل ميديو»، التي تعني حانة منتصف الشارع وحانة «فلوريديتا».. وقد ذاع عنه قوله: « أشرب الموهيتو في لابوديجيتا والدايكيري في فلوريديتا» فصارت الحانتان مكانين جاذبين للسياح. تصف «لابوديجيتا» التي لا تزيد مساحتها عن عشرة أمتار طولا وعرضا، بينما يتوافد إليها آلاف السياح يوميا فلا يجدون إلا الشارع للاستمتاع بالمشروب. تصف الحانة بتفصيل رائع ومتأنٍ وباهر. تصف الساقي وغيره وتستمع للموسيقى. كيف نُسبت عبارة همنغواي إليه بينما هي من تأليف مالك لابوديجيتا أنخل مارتينيث، وصارت موجودة على الجدار! يأخذها الأمر إلى الفندق الذي كان ينزل فيه قبل أن يشتري بيته. الفندق المسمى «إمبوس موندوس»، أي» كلا العالمين» في إشارة إلى العالم القديم» أوروبا وآسيا وافريقيا» والعالم الجديد «الأمريكتين». كيف تحولت الغرفة إلى متحف. تصف كالعادة الغرفة وكل ما فيها. كيف يختار الفندق كل عام جانبا من جوانب همنغواي لتسليط الضوء عليه، فالعام السابق كان عن فوزه بنوبل، وعام زيارتها تم فيه اختيار جزء من مجموعته الفنية هو المغرم بالفن التشكيلي، وعرضها على الحائط تعكس غرامه بالمدرسة التأثيرية، أو الانطباعية. لم تترك شيئا دون وصف وحديث وتاريخ. يستمر الأمر مع زيارتها لبيت همنغواي، الذي صار متحفا وهو المسمى «فينكا بيهيا» أي نقطة المراقبة، فهو على أعلى تلة تتوسط حديقة حافلة بالأشجار. تاريخ البيت الذي صممه المعماري ميغيل باسكوال، وكيف صار مؤجرا لهمنغواي قبل أن يشتريه عام 1940. رحلة داخل البيت ومن عاش معه فيه من زوجاته، ومن قابله والكتب الموجودة، واللوحات ومنها عن مصارعة الثيران فهو كان مولعا بها، وقال عنها: «هناك ثلاث رياضات فقط: مصارعة الثيران وسباق السيارات وتسلق الجبال. كل ما تبقى مجرد ألعاب». تاريخه مع الفن التشكيلي واقتناء اللوحات والكتب التي تعج بها الغرف، وكيف كان لديه سبعة من الخدم يصرف عليهم مما جاءت به إليه عوائد بيع رواياته لتكون أفلاما. محبته الفائقة لفنانين مثل بيكاسو، أو كتاب مثل عزرا باوند. طقوس الكتابة وكيف كان يكتب كل يوم ما بين 400 و700 كلمة، أو ألف في الصباح الباكر. الصباح رائع عند همنغواي، وهي أيضا رأته رائعا. قصص حبه وولعه بالنساء إلى جانب زيجاته المتعددة.
تتجول في بلدة كوهيمر نفسها وكيف كانت منبع رواية «العجوز والبحر»، وتفاصيل ذلك مع من قابلهم. البلدة تبعد عن البيت عشر دقائق بالسيارة أو أقل، وكالعادة وصف الشوارع والمطاعم وكل شيء وتجسيده لنصل إلى حانة فلوريديتا ملتقى الأصحاب. المكان وتاريخه قبل همنغواي وبعده وكل تفاصيله. صور همنغواي على الجدران، حتى الموسيقى التي كان لها تأثير كبير عليه. الموسيقى الكوبية التي صارت سفيرا لكوبا لؤلؤة الكاريبي، ذاعت شهرتها بها وبلغت السماء، رسائله التي تم اكتشافها عام 2002 تؤرخ لكل حياته مع المكان. حديث عن حانة أخرى هي «سلوب جوز» ومنها اثنتان تحملان العنوان نفسه إحداهما في أمريكا وهي الأكثر شهرة، والثانية في هافانا. الأمريكية مشهورة بمسابقة سنوية لشبيه همنغواي.
هكذا تمشي مع الكتاب الذي يقترب من النهاية وتتوقف معها عند مارينا همنغواي، أي الميناء الذي صار يحمل اسمه. حديث موسع عن الصيد ورحلاته والمسابقة السنوية التي اشترك فيها الرئيس فيدل كاسترو، وسلمه همنغواي درع الفوز الفضي لمركزه الثاني عام 1960 الذي كانت مسابقته أشهرها. كيف تلقى همنغواي تحذيرا أمريكيا أن لا يفعل هذا لكنه فعله. هكذا تنتهي من التحفة الفنية التي كتبتها وصورتها هايدي عبد اللطيف عقلا وروحا، وبقدر المعرفة تكون رأيت وشاهدت كل شيء في متعة باهرة.
كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية