البعض يعتقد أنه في ظل الأوضاع الحالية في الشرق الأوسط من الأفضل تأجيل كتابة المواضيع التحليلية ـ التاريخية عن أوضاع إيران خصوصاً بسبب التطورات اليومية الحساسة والمتغيرة في المنطقة وفي إيران وعلاقتها بالمنطقة عموماً.
والبعض الآخر يرى عكس ذلك لأن برأي هؤلاء فإن فهم الحاضر يرتبط بالضرورة بالتعمق في دراسة العوامل المرتبطة بالجذور التاريخية للماضي وخصوصاً الماضي القريب وتطوراته في العقود الأخيرة في القرن العشرين.
الدكتور علي أنصاري أستاذ تاريخ إيران ومؤسس معهد الدراسات الإيرانية في جامعة سانت آندرو البريطانية الاسكتلندية والزميل الباحث السابق في معهد «تشاتهام هاوس» في لندن، كتبَ مؤخراً كتاباً بعنوان «إيران» فسر فيه الكثير من الأمور التي ربما أُسيء فهمها حول ذلك البلد في عهد الشاه رضا بهلوي (الأب) الذي حكمَ البلد بين عامي (1940 ـ 1914) والابن محمد رضا شاه الذي قاد إيران بين عامي (1977 ـ 1954) ومرحلة (الثورة الإسلامية الإيرانية) التي وصلت إلى القيادة وسلمت الحكم عام (1979) ومازالت في الموقع الأول في السلطة حتى الساعة.
برأي المؤلف، بالغَ الشاه الابن محمد رضا بهلوي في الثقة بشعبيته وقدرته على إدارة البلد في منتصف سبعينيات القرن الماضي، فاتخذ قراراً بإنشاء دولة الحزب الواحد المؤيد له ولسلطته في إيران، وقضى على تعدد الأحزاب وتصورَ أن أكثرية الإيرانيين سينضمون إلى ذلك الحزب «حزب قيامة إيران» وإلا فانهم «أعداء للدولة». ولكن تلك الخطوة أدت إلى «تهميش كبار الأثرياء النافذين في إيران من الاقطاعيين الملاكين للأراضي الواسعة في البلد بالإضافة إلى اقلاق أبناء الطبقة الوسطى. كما أغضب قراره المتسرع السلطات الدينية إلى درجة فاقمت مشاعرهم السلبية نحوه التي تواجدت في السابق فيما ربما كان مال كثيرون منهم نحو مواقف أقل تشدداً لولا تلك الخطوة». وبالتالي، توجه رجال الدين الصغار سناً عموماً نحو تأييد آية الله روح الله الخميني الذي بشّرَ في مواقفه وفتاويه بأن: «سلطة الشاه الملكية لم تكن شرعية لكونها لم تخضع لسلطة الإمام المغيّب المهدي المنتظر، حسب تعاليم الإسلام الشيعي الجعفري». (ص106 ـ 105).
وبما ان الشاه محمد رضا بهلوي خشي قبل أي شيء آخر من إمكان حدوث تحالف بين رجال الدين وحزب «توده» الإيراني الشيوعي والعلمانيين قد يؤدي في النهاية إلى سيطرة المجموعات اليسارية الشيوعية على السلطة في البلد أو من عودة تحالف العلمانيين والشيوعيين إلى الموقع الأمامي في إيران، كما حدث خلال قيادة رئيس الحكومة محمد مُصدّق في عام (1953) فإن: «السلطة التنفيذية في عهد الشاه الثاني تشددت ضد اليساريين والعلمانيين أكثر من تشددها ضد رجال الدين مع أنها مارست القمع بهدف ضبط الجهتين، ولكنها حاولت في الوقت عينه استقطاب بعض المحافظين الكبار سناً من رجال الدين». (ص 107).
وبين القادة الذين تحفّظ الشاه تجاههم بشدة (برأي المؤلف) وبشكل خاص كان الدكتور علي شريعتي الذي: «حاول نشر أفكار تؤدي إلى التقارب بين الماركسية الشيوعية ـ اليسارية والشيعية الإسلامية الثورية». (ص 108).
ومن جهتهم، فإن اليساريين والعلمانيين في إيران خلال تلك الفترة من منتصف وأواخر سبعينيات القرن الماضي اعتبروا أن قيادة آية الله الخميني للمعارضة «شكلت وسيلة فعالة لوصولهم إلى السلطة وليست غاية بحد ذاتها» حسب قول المؤلف في الفصل الخامس من الكتاب.
وفي تلك المرحلة يقول أنصاري إن الشاه محمد رضا بهلوي كان على علاقة مهادنة وطبيعية مع الرئيس العراقي صدام حسين بحيث: «عرض عليه صدام حسين المساعدة في التخلص من معارضيه بمن فيهم الخميني الذي كان منفياً في النجف الأشرف في العراق. ولكن الشاه فضّل أن يتم نفي الخميني من العراق، فانتفل الخميني إلى باريس حيث أسس حوله حركة سياسية دينية فعالة إعلامياً ساهمت في عودته عام (1979) إلى إيران كقائد للثورة». (ص 117).
وبعد توصل الخميني إلى الموقع القيادي في إيران في شباط (فبراير) 1979 تصاعدت حدة التوتر بين العراق وإيران، ما دفع الرئيس العراقي صدام لدعم تحركات معارضة لسلطته في خوزستان الإيرانية ـ العربية الأثنية في إيران. وتبع ذلك غزو عراقي لإيران في أيلول (سبتمبر) 1980 فردّ الخميني على ذلك بإعلان الحرب على العراق في عام 1982. (ص 126).
واستمرت الحرب العراقية ـ الإيرانية حتى عام 1988 عندما قبلَ الخميني (على مرارة) بإعلان وقف إطلاق النار ووصفه بانه كان «أشبه باجتراع السم». وخلال فترة الحرب العراقية الإيرانية يقول المؤلف، «فرضت السلطات الإيرانية الإسلامية التوجه معايير متشددة في التصرفات عموماً وفي المظاهر الخارجية للملبس ولأمور أخرى خصوصاً فيما يتعلق بالملبس والتصرف الأنثوي ما سبب مشاكل مع القوى الليبرالية العلمانية».
وقبل وفاة الخميني في عام 1989 أوصى الإمام باستمرار الإيرانيين في الالتزام بمبادئ الحكم الثوروي الإسلامي التي ما يزال يلتزمها المرشد الحالي للثورة والحكم الإسلامي في إيران آية الله علي خامنئي، بنظر الكاتب.
ويوضح أنصاري أن وصول الهاشمي رفسنجاني إلى رئاسة جمهورية إيران ساهم في استمرار مرجعية مرشد الثورة بالنسبة لرئاسة الجمهورية هناك. كما ألغى رفسنجاني بالتنسيق مع المرشد منصب رئاسة الوزراء، ولكنه في الوقت عينه كان منفتحاً على العلاقة الاقتصادية مع العالم وإمكان التبادل والتعامل الاقتصادي مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول الغربية بالإضافة إلى مع بعض الدول الخليجية العربية. (ص 138 ـ 139).
وتزامنت رئاسة رفسنجاني لإيران مع تصاعد دور «الحرس الثوري الإيراني». ودعم الحرس مرشد الثورة خامنئي ما أدى إلى تعزيز دوره الثوري السياسي والاقتصادي، حسب قول المؤلف. ومن جهة أخرى فقد أعاد فوز محمد خاتمي بالرئاسة الإيرانية في دورتين متتاليتين حسب قول المؤلف، فترة المزيد من الانفتاح على العالم التي بدأها رفسنجاني، غير أن ذلك التطور أقلق في الوقت عينه جهات سلبية تجاه إيران في قيادات المجتمعات الغربية التي خشيت من عودة إيران إلى فترة محمد مصدّق في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، فلم تتعاون مع نظامه اقتصادياً ما ساهم في وصول المحافظ محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة عام 2005 الذي قاد توجهاً مختلفاً ساهم في تعزيز متزايد للدورين السياسي والاقتصادي للحرس الثوري الإيراني.
وكان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن ونظام المحافظين الجدد الذي قاده في أمريكا قد ساهم في المزيد من عدم الدعم للنظام الإيراني إذ «قرر بوش الابن بناء لنصائح معاونيه إدراج الجمهورية الإسلامية في محور الشر الذي أعلن بأن أمريكا ستقاومه في منطقة الشرق الأوسط بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن في عام 2001» (ص 151). وهذا الأمر ساهم في تأخير التوجه نحو الإصلاح الذي بدأه رفسنجاني وعززه خاتمي بالتعاون مع المرشد وارشاداته.
ويبدو حالياً، وبعد فوز المرشح الإصلاحي مسعود بزشكيان بالرئاسة في إيران، يُعاد طرح هذا الموضوع على صعيد مواقف إيران وعلاقتها الاقتصادية بدول العالم بما في ذلك الدول الغربية وإعادة بحث اتفاقاتها الدولية وإلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. كما يعتبر أنصاري أن دور «الحرس الثوري الإيراني» في القرارات المصيرية لإيران لم يأت فقط بسبب «توجه هذا الرئيس الإيراني وذاك» بل لأن الحرس الثوري «قد لعب دوراً مقاوماً أساسياً في الحرب العراقية ـ الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي في وقت لم تكن خلاله إيران مجهزة عسكريا وتكنولوجياً لمواجهة نظام صدام الأكثر تجهيزاً في ذلك المجال في تلك المرحلة».
ويُذكر أيضاً أن رئيس إيران الحالي مسعود بزشكيان المنتخب مؤخراً، هو في اختصاصه طبيب لعب دوراً مقاوماً في تلك الحرب الطاحنة إذ خاض المعارك على الجبهة القتالية وساهم في معالجة الجنود الإيرانيين المصابين ولعله لهذا السبب وافقت لجنة رعاية وصيانة الثورة على ترشيحه للرئاسة. وقد فاز في الانتخابات الرئاسية على المرشحين المحافظين سعيد جليلي ورئيس المجلس محمد باقر قاليباف من مرشحي التيار المحافظ في إيران.
القضية الأساسية برأي المؤلف، الذي هو من مؤيدي التوجه الليبرالي عموماً هي العودة إلى دستور إيران لعام 1906 الذي أُنشئ في عهد الثورة الدستورية التي شكلت الهيكل الأساسي للنظام السياسي الإيراني منذ البداية والتي سعى النظام السياسي برئاسة محمود أحمدي نجاد لتعديله فيما دعمته الجهات السياسية الإيرانية الليبرالية التوجه. علماً أن الرئيس أحمدي نجاد انتُخب رئيساً في عام 2005 بعد فوزه على خصمه المرشح لولاية ثانية الهاشمي رفسنجاني الذي تم اتهامه بالفساد والذي «خسر بسبب عدم اكتراثه باستقطاب الناخبين لمعسكره ولاعتقاده بانه سيفوز في الانتخابات الرئاسية من دون أي مجهود». وقد فاز أحمدي نجاد في الدورة الثانية و«من أول قراراته كان تحويل أجزاء من المردودات المالية للنفط الإيراني إلى قيادات حرس الثورة ما ساهم في تعزيز قدرتهم على المشاركة الاقتصادية الفاعلة في البلد وقراراته بالإضافة إلى دورهم العسكري». (ص 155).
ويؤكد المؤلف بأن انتخاب باراك أوباما رئيساً للجمهورية الأمريكية في عام 2009 رافقه محاولة من الرئيس الأمريكي الجديد للانفتاح باتجاه إيران وفتح صفحة جديدة معها ومع المرشد الأعلى علي خامنئي. وقد أثمر ذلك الانفتاح إيجابياً إذ توصل ذلك التوجه إلى الاتفاق النووي في عام 2015.
ولكن انتخاب دونالد ترامب رئيساً بعد أوباما أدى إلى إلغاء الاتفاق النووي الإيراني ـ الدولي، وخصوصاً لكون الاتفاقية الإيرانية مع الولايات المتحدة «لم تتحول إلى معاهدة» إذ أن الكونغرس الأمريكي لم يصوت لكي يحولها إلى معاهدة مبرمة، وبعد ذلك كان المجال متاحاً أمام الرئيس جو بايدن الأمريكي لمتابعة هذا الموضوع بفعالية لكن بايدن كان منشغلاً في حرب أوكرانيا ومشاكل الشرق الأوسط الأخرى، ولم يتخذ الإجراءات المطلوبة.
بعد انتخاب حسن روحاني رئيساً للجمهورية في إيران، تعززت الآمال بإبرام الاتفاقية النووية وخصوصاً انه كان وما زال ضالعاً في الشؤون النووية في مناصبه السابقة. ولكن قرار دونالد ترامب في عام 2018 بتجميد أو إلغاء تلك الاتفاقية ساهم في دفع مرشد الثورة خامنئي إلى المزيد من التحفظ على المواقف الأمريكية المتبدلة حسب المؤلف، وتعميق اقتناعه بأنه «لا يمكن الاعتماد على أي قرارات من الجهة الأمريكية». وموقف ترامب أضعفَ خطة روحاني السياسية والاقتصادية وأمله في إزالة العقوبات الأمريكية عن إيران وإمكان تركيز طهران على موضوع النمو الاقتصادي. وبرغم ذلك أُعيد انتخاب روحاني رئيساً في عام 2017 ولكنه واجه بعد ذلك مصيراً مشابهاً لمصير سلفه محمد خاتمي إذ ان المواقف الأمريكية غير الداعمة لمواقفه أعادت إلى رأس السلطة الرئاسية شخصيات محافظة غير قادرة على تحقيق الاختراقات السياسية والاقتصادية. (ص 185).
فانتُخب إبراهيم رئيسي رئيساً للجمهورية في عام 2021. وعندما أُعيد طرح موضوع الاتفاقية النووية، طالبت السلطة الإيرانية بتعهدات من بايدن في شؤون هامة جداً في الاتفاقية لم يستطع بايدن تأمينها أو تحقيقها وخصوصاً فيما يتعلق بإزالة العقوبات عن إيران بشكل واضح وإعادة الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج. غير أن الأمل ما زال معقوداً على امكان عودة المفاوضات النووية برأي الكاتب، إلى الانعقاد وإمكان تحقيق تقدم في هذا المجال بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة إذا تغيرت وجهة القرارات الأمريكية السلبية باتجاه إيران.
ويعتبر المؤلف أن إيران كانت منذ بداية القرن العشرين دولة تعتمد على تثقيف شعبها بالعلوم الطبيعية كالفيزياء والبيولوجيا والكيمياء والعلوم الحسابية بالإضافة إلى انفتاحها في المجالات الأخرى، كما يرى بأن الثورة الإسلامية أكملت هذا المنهج بعد تسلمها السلطة في عام 1979 بالإضافة إلى تركيزها أيضاً على التدين والعلوم الدينية. فيقول في مقدمة كتابه (في الصفحة 16): «الثورة الإسلامية أزالت الحكم الملكي في إيران (نظام الشاه) ولكنها ورثت أيضاً دولة بنيت في القرن الماضي حسب نصوص ومبادئ الثورة الدستورية، فالإنجازات العلمية والاقتصادية ـ الاجتماعية والتكنولوجية التي حققتها إيران بعد ثورة عام 1979 قد أكملت إنجازات الثورة التي انطلقت في مطلع القرن الماضي».
فلا عجب إذن أن إيران تقدمت وتطورت في الحقول الطبية والتكنولوجية والعلمية وحتى التسلحية برغم الصعوبات التي فرضتها عليها الحروب والمشاكل السياسية وعلاقتها المضطربة مع الغرب.
Ali Ansari: «Iran»
Polity Press, Cambridge 2024
214 pages.