عمر الشريف الزاهد في الشهرة والأضواء والباحث عن الحقيقة

ربما حققت مقاطع الفيديو المنشورة على السوشيال ميديا للنجم العالمي عمر الشريف ملايين المُشاهدات، وبرز من بينها كأهم محتوى مُسجلاً بالصوت والصورة، حديث الفنان وهو يتحدث بإكبار وانبهار عن فضيلة الشيخ الجليل محمد متولي الشعراوي، ذاكراً من بين ما ذكر تجليات الرجل الإيمانية وخصاله الحسنة، فضلاً عن تمكنه الشديد من تفسير آيات القرآن الكريم بأبسط العبارات والدلالات على حد قوله، بالإضافة إلى قدرته الفائقة على الإقناع بالمنطق والحُجة والوصول بالعقل إلى غاية التصديق والإيمان بالله وبأقداره.
لم تكن شهادة نجم كبير في حجم عمر الشريف مجرد كلام مُرسل، وإنما مثلت نزعة إنسانية وشهادة تاريخية في حق الداعية الإسلامي المُختلف عليه من بعض المُثقفين، غير أن المقاطع المُسجلة والمُتداولة كشفت في غمار الأزمة الفكرية والحرب الإعلامية، التي دارت رحاها طوال الفترة الماضية ضد الشعراوي عن الوجه الآخر لعمر الشريف، بعيداً عن إنجازاته الفنية وأفلامه العالمية وتاريخه الإبداعي، حيث تبين للقطاعات الجماهيرية العريضة التي أحبته وتابعت بشغف أفلامه، أنه كان حريصاً على مشاهدة حلقات الدرس والتفسير. كما كان قريباً من الشيخ ومُهتماً بعلومه وأفكاره وتحليلاته الدينية في دروب الاجتهاد والخواطر ومع ذلك لم يتراجع يوماً ما عن فنه، ولم يتبرأ من تاريخه، وإنما فقط أراد أن يُصحح من مساره الفكري على أساس ديني عميق، يثبته على اليقين المُطلق ويدفعه إلى التأمل والتدقيق في أمور الدنيا وأحكام البشر. وقد تزامن ارتباط الفنان عمر الشريف بحلقات الشيخ الشعراوي التلفزيونية، التي اجتهد خلالها في تفسير القرآن قدر استطاعته، وحسب علمه، مع الفترة التي مرّ فيها الشريف بأزمة ثقة في جدوى ما قدمه، وأهمية ما أفنى فيه زهرة شبابه من أفلام ومُسلسلات ومُقابلات وأحاديث صحافية وإذاعية وتلفزيونية، كل هذه الدلالات للشهرة والنجاح والمجد، وضعها الفنان في لحظة مُراجعة مع النفس في سلة واحدة ولم يعتبرها شيئاً يُذكر.

الحقيقة المؤكدة التي أشارت لها كل تصرفات عمر الشريف هي أنه كان بالفعل رجلاً زاهداً متواضعاً بسيطاً، لاسيما في أواخر أيامه ووصوله إلى قمة النضج واعتناقه فلسفة الصدق مع النفس كأهم أسباب السعادة الحقيقية في دنيا لا يقنع فيها المرء بشيء، فيظل يركض حتى إذا ما تعب مات وانتهت رحلته وانطوت سيرته فصار بعد حضوره وانطلاقه نسياً منسياً.

فبعد مرور سنوات طويلة من السفر والترحال والوقوف الطويل أمام الكاميرات وعدسات المصورين وتأييد المُعجبين ووله المُعجبات يعود النجم ليرى صفحة حياته الفنية وكأنها بيضاء لم يخُط فيها قلماً، ويعترف قبل وفاته أن أسمى أمانيه كانت الاستقرار والجلوس بين أفراد عائلته سعيداً ناعماً بالهدوء بعيداً عن صخب الشهرة وحرارة الأضواء. إنه الزهد عبر عنه صاحب المسيرة الإبداعية الطويلة بأبسط الكلمات وأصدقها، وهو تحول مفاجئ ربما كان سببه الرئيسي الترف الشديد والإحساس بقمة الشبع من ملذات الحياة، والمُثير في الأمر أن الممثل الشهير لم يربط زهده بماهية فنه وقيمته، فلم يُنكر على السينما تميزها وضرورتها في طرح صور الواقع وعرض قضاياه، ولم يذهب إلى تسفيه ما قدمه الآخرون من ألوان الفن في كل أشكاله. لقد ظل الفنان الراحل على ثقافته ووعيه بقيمة الإبداع، حتى آخر لحظة، دون أن يقطع بفساد المضامين أو هزليتها فهو من قدم شخصية الأراجوز برؤية جد ساخرة، وهو أيضاً بطل فيلم «أيوب» الذي يُشير إلى وحدة رجل الأعمال الذي جمع الملايين لكنه بات يشعر بالاغتراب والعُزلة وقسوة المرض ومرارة الجحود من أقرب الأقربين إليه. وليس مُصادفة أن يأتي فيلم «المُسافر» ختاماً لرحلة البطل الذي طاف العالم وملّ التنقل وجرب كل أشكال الرفاهية وخرج من ذلك بحكمة، القناعة كنز لا يفنى، تلك كانت موضوعات وقصص أفلام عمر الشريف الأخيرة، فهل كان لها صدى في حياته الشخصية؟ أي أنه انفعل بها فصار بدوره زاهداً كزهد الشخصيات التي جسدها؟ أم أنه اكتفى بالفعل بما حقق طوال مشواره فعمد إلى المًصارحة والمُكاشفة والوقوف على حقائق الأشياء بشكلها النهائي وطبيعتها الإنسانية، فوجد في دروس الشيخ الشعراوي ما كان يبحث عنه، حيث الإدراك لما بعد حياة الرغد ومتاهات السهر والسمر واللهو.
الحقيقة المؤكدة التي أشارت لها كل تصرفات عمر الشريف هي أنه كان بالفعل رجلاً زاهداً متواضعاً بسيطاً، لاسيما في أواخر أيامه ووصوله إلى قمة النضج واعتناقه فلسفة الصدق مع النفس كأهم أسباب السعادة الحقيقية في دنيا لا يقنع فيها المرء بشيء، فيظل يركض حتى إذا ما تعب مات وانتهت رحلته وانطوت سيرته فصار بعد حضوره وانطلاقه نسياً منسياً.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية