كثرة الشعراء في مدينة النجف، بالعراق تستدعي كثيراً من العجب والتساؤل. وهذا ما يذكّرني بحادثة طريفة أستميح القارئ عذراً عن تكرارها في عدد من المناسبات السابقة. ففي أحد مؤتمرات المربد الشعرية ببغداد جاءني مصري أديب، صحافي معروف يطلب عوني في ترتيب سفرة له إلى النجف، قائلاً إنه سمع أن تلك المدينة فيها أكثر من “تلتميت” شاعر. وتم له ما أراد. فلمّا عاد مساء وجدته في غاية المرح، مكرراً “يا خواتي أنا حاتجنّن”.
فلما سألناه قال: مرَرتُ بالسوق القديم في المدينة فوجدت رجلاً متقدما في السن وأمامه سلة من التمر ينادي عليها. فأحببت أن أكلمه سائلاً: “يا عم فين مقام سيدنا علي؟” فابتسم ساخراً فأدركتُ أن هذا سؤال لا يُسأل في النجف لأن المنائر والأضواء تدلّك على مقام الإمام علي. لكنه أجابني وهو يشير بيديه قائلاً:
أمامكَ فاختَر أي نهجيكَ تنهج/ طريقان شتى مستقيم وأعوجُ. ولا تسَل عن دهشتي وذهولي من طريقة هذا الجواب. فقلتُ في نفسي: إذا كان هذا النجفي بائع التمر في السوق القديم يجيبك شعراً، فلا شك أن في هذه المدينة ألف شاعر ويزيد.
في مثل هذا المحيط ولد شاعر من بين ألف من شعراء النجف، اسمه أحمد الصافي، وبدا تعليمه في الكُتّاب مثل غيره، يقرأ كتب العلوم الدينية، ومثل غيره من طلبة العلم في النجف يبدأ ثقافته اللغوية الشعرية بكتاب “نهج البلاغة” المنسوب للإمام علي. لكن الفتى أحمد الصافي أرهقته كتب علوم الدين فأصابه الوهن قبيل الحرب العالمية الأولى، فكفّ عن دراسة علوم الأقدمين. وأدركته حرفة السياسة، ولم يلبث أن هاجر إلى إيران بما يشبه اللجوء السياسي. وهناك صار يكسب عيشه بتدريس اللغة العربية، ثم انكب على دراسة اللغة الفارسية حتى أتقنها واستطاع لاحقاً ان يترجم إلى شعر عربي رباعيات عمر الخيام، مما يعدّه العارفون أنها أدق وأفضل الترجمات العربية.
ومن سيرة هذا الشاعر يبدو أن التشرّد صار طبيعة لازمة له. فلم يلبث أن أدركته موهبة الشعر، فحمله حب التشرّد أن يقصد إلى دمشق في أوائل الثلاثينات من القرن الماضي، واستطاع ان يقيم في مدرسة، كما أقام في مسجد في إيران. كان في تلك المدرسة الدمشقية غرفة مظلمة فيها مصباح زيت ضئيل يعينه على القراءة ليلاً. أما تسجيل القصائد، وقد غلب عليه سلطان الشعر، فلا سبيل للكتابة سوى استعمال عيدان الكبريت المحترقة، يجمعها من أراضي غرف المدرسة ويكتب بها “أفضل شعره” كما قال. لكنه بعد فترة استطاع الحصول على قلم وورق يكتب بها ما يلحّ عليه من الشعر.
لكن مزاج هذا الشاعر وطبيعة التشرّد النابتة لديه جعلته يتنقل بين دمشق وبيروت وحماة والمصايف، لا يقيم من مكان إلا ليغادره إلى آخر. أما كيف يكسب قوته إذا كان سكنُه ميسوراً من جانب محبي الشعر والأدب فهو ما لا سبيل لمعرفته، لكن نُحول جسمه الشديد لا يدل على أن الرجل كان معنيّا بالطعام إلا القليل. فاذا سألته كيف ينفق على الفلافل، طعامه الوحيد، ومن أين له بالقروش القليلة لشرائها، أجاب:
يا حائر الفكر في معيشته لا تضطرب، فالإله رازقكا
حتى الهوام الضعاف عائشةٌ خالقُها كافلٌ وخالقكا
قابلتُ الشاعر مرة واحدة في دمشق في صيف 1965 بعد أن سمعتُ أنه في دمشق يقضي ساعات طويلة في “مقهى السلوان” أو قد ينتقل إلى مقهى “الكمال الصيفي” أو “مقهى الكمال الجديد”. ففي هذه المقاهي روّاد من محبي الشعر والأدب، لا أحسب أنهم كانوا يسمحون له أن يدفع ثمن القهوة والشاي، إذ كانوا يجدون في صحبته وأحاديثه متعة تفوق ما يدفعون عنه من قروش. لكن الشاعر لم يكن سعيداً بهذا التشرد فهو يقول:
طال الثواء بأرضِ جلّق فاختفى ما قد عهدتُ بها من الآثار
أنا في الشآمِ أحسّ غُربة أوجهٍ ماذا أقول إذا رجعتُ لداري
فيمَ الرجوع لموطن منه اختفى ما فيه من دارٍ ومن ديّار
يكثر الشاعر في الحديث عن ماضيه بما يوحي اليك أنه يحس بكثير من التميّز عن أبناء جيله. فهو قد عمل مع قادة ثورة العشرين في النجف، وعرف الهرب والسجن واللجوء السياسي. ومثلما أدركته حرفة السياسة في العشرينات أدركته حرفة الأدب في الثلاثينات في دمشق إذ وجد نفسه شاعراً “بالصدفة” كما قال لي وقرّر أن يبقى شاعراً. فمعرفته الواثقة باللغة الفارسية وتعمقه في دراسة الخيام ورباعياته جعلاه يزهو بأن ترجمته الرباعيات قد طبعت خمس مرات خلال ثلاث سنوات مع طبعة سادسة “مقرصَنة”. وقد عرضت عليه دار نشر لبنانية في بيروت عشرة آلاف ليرة لبنانية (وهو مبلغ ضخم في تلك الأيام) عن حقوق طبع ونشر الرباعيات، لكنه رفض رغم حاجته الشديدة إلى المال. قال لي الشاعر في جلستنا في مقهى السلوان “الهافانا” ما نصه “إنني الآن أجد الرباعيات تدعو إلى الإلحاد والخمر والتشكيك والثورة، ورسالتي في شعري هي ضد رسالة الخيام”.
ساقتنا أحاديث المقهى إلى مسألة ترجمة شعر الصافي إلى لغات أوروبية، اعترافاً بشاعريته. أخرج الصافي من جيبه بعيد الغور محفظة نقود مهترئة وأخرج منها رسالة من ناشر فرنسي يطلب موافقة الشاعر على ترجمة مختارات من شعره لكتاب بثلاثة أجزاء. فأرسل الصافي إلى الناشر “دواوينه العَشرة” ليختار منها ما يريد. ثم أراني الشاعر ورقة أخرى فيها ترجمة إلى الإنكليزية لقصيدة “يا ساعة أتعبَها النظام” من ديوانه الخامس “ألحان اللهيب” بقلم المستشرق الإنكليزي البروفسور آربري. كما أخبرني أن بعض شعره قد تُرجم إلى الألمانية. يكثر الصافي النجفي في الحديث عن تميزه في الشعر. فقد أراني رسالة من الشاعر القروي يقول فيها للصافي: “أنتَ أروع من نحتَ تماثيل الشعر من صخرة الواقع”. كما أخبرني أن محمد مهدي الجواهري، النجفي الكبير الآخر، كان في دمشق مرّة وجمعه بالصافي مجلس صرّح فيه الجواهري للحضور بقوله “هذا يجول في ميادين لا يجرؤ أحدنا أن يجول فيها”.
ومن تفاخر الصافي “المتواضع” بشعره يقول:
بإبداعي الاشعار لا أتكلّف متى رمتُ إبداعاً من البحر أغرفُ
نأيتُ بشعري عن قديم ومُحدَثٍ فشعري كروحي: جاهليّ مثقف
كانت بداية كتابة الشعر عند الصافي في ثلاثينات القرن الماضي بعيدان الكبريت المحترقة في غرفة مظلمة بمدرسة بدمشق، ما لبثت أن تطورت إلى الكتابة بقلم على ورق، سرعان ما برِم بهما فأهدى القلم والورق إلى فرّاش المدرسة، وعاد للكتابة بعيدان الكبريت المحروقة، لأن الشعر انقطع بغياب العيدان المحروقة:
متى هيأتُ أوراقاً لشعري لغير الشعر مصطحباً شعوري.
كأن ملاك شعري ربّ ذوق فيهرب من مراسيم الحضور
كان ملاك الوحي عند الصافي مزاجياً، يزور إن شاء، فيتدفق الشعر دواوين عشراً، وينقطع إن شاء فتحل فترة يأس انتهت عام 1941. وهنا يعاود الشاعر حنينه إلى مراقي البطولة، فتدفعه رياح السياسة إلى السجن في بيروت ويكون شيطان الشعر بين زواره على مدى شهر ونصف خرج بعدها بديوان سابع هو “حصاد السجن” وفي عام 1958 أيام حوادث لبنان، وجد الصافي نفسه في ضيافة فندق في صيدا، يُحب صاحبُه الشعرَ، لكنه يخاف الحرب، فهرب إلى الجبل، تاركا الشاعر ليكون مدير الفندق وحارسه وضيفه الوحيد. وهنا تدفق الشعر بعد يأس، فجاء ديوانه العاشر “الشلال”. وانقطع الشعر ليعود في صيف 1964 والشاعر قد بلغ السبعين، ليقدم الديوان الحادي عشر: غزل. نعم وفي السبعين وروح التحدّي للزمن مع علوّ الهمة والثقة بالنفس هي من مصاحبات الشباب. سألوه يومها عن عمره إذ يتحدث عن الحب. قال:
سنّي بشعري، لا بعدِّ سنين فلأسخرنّ غدا من التسعين
عمري إلى السبعين يركض مسرعاً والروح ثابتة على العشرين.
لكن الصافي لم يبلغ التسعين لكي يسخر منها، فقد توفي في الثمانين عام 1977.