عميد هيئة المحامين التونسيين إبراهيم بودربالة: الأزمة في تونس سياسية واقتصادية ومجتمعية وبدون معالجة هذه المسارات بالتوازي لا يمكن أن نجد الخلاص

حاورته: روعة قاسم
حجم الخط
0

تطرق عميد الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين إبراهيم بودربالة في هذا الحوار لـ«القدس العربي» إلى التحولات التي تشهدها البلاد في خضم المرحلة الاستثنائية الصعبة. واعتبر ان أهم الاستحقاقات في تونس اليوم تتعلق بالإصلاح السياسي والاقتصادي والقضائي. وقال إن الوضع في البلاد يحتاج إلى إعادة تقييم بصورة موضوعية لاكتشاف مواطن الخطأ التي حصلت وذلك من أجل محاولة إعادة بناء ما تهدّم من خلال خطة تشارك بها كل القوى الوطنية سواء كانت شخصيات وطنية مستقلة ومنظمات وطنية لها رصيد نضالي معترف به، وكذلك كل الأحزاب السياسية التي تؤمن بالرؤية الوطنية وإصلاح الوضع بحسب قوله. كما تطرق إلى ملف القضاء واستقلاليته ووضع الحريات والحقوق العامة. وفي ما يأتي نص الحوار.
○ ما هي رؤيتكم للوضع الراهن في تونس قانونيا وسياسيا في خضم كل هذه التحولات الصعبة؟
•بالنسبة للوضع القانوني، في الحقيقة منذ إعلان رئيس الجمهورية تفعيل الفصل 80 من الدستور يوم 25 تموز/يوليو وذلك لاعتباره بأن هناك خطرا داهما يهدد البلاد، وتبعه باتخاذ إجراءات استثنائية، والجدل لم يتوقف بين رجال القانون ورجال القانون الدستوري ورجال العلوم السياسية حول هذه الخطوة واختلفوا حولها. فمنهم من رأى انه إجراء سليم تمّ وفق نصوص قانونية ومنهم من رأى خلاف ذلك. على أية حال استمر هذا الوضع حتى شهر أيلول/سبتمبر الماضي عندما أصدر رئيس الجمهورية أمرا أسند لشخصه سلطة التشريع من خلال مراسيم وأوامر يصدرها. وفعلا قام بإصدار عدة مراسيم وأوامر ثم أعلن عن خريطة طريق تبدأ بالاستشارة الشعبية الإلكترونية أولا ثم لاحقا يتبعها إجراء استفتاء ثم إجراء انتخابات تشريعية.
أما بالنسبة للوضع السياسي، فمن الطبيعي أن البلاد منذ 14 كانون الثاني/يناير2011 تشهد انتقالا ديمقراطيا وإصلاحا سياسيا. واليوم نحن ننتظر نتائج ما ستسفر عنه الأحداث الراهنة من الناحيتين القانونية والسياسية.
○ أنتم كهيئة وطنية للمحامين وكمنظمة لها دور وطني هام دعوتم مع منظمات وطنية أخرى وازنة مثل اتحاد الشغل عديد المرات رئيس الجمهورية إلى وضع خريطة طريق واضحة، وكنتم تشددون على الدعوة لاحترام المسار الديمقراطي، فكيف تنظرون اليوم لخريطة الطريق التي أعلن عنها رئيس الجمهورية مؤخرا والبدء بتنفيذ الاستشارة الإلكترونية وهل تعتبرون انه تجاهل مطالب ودعوات كل هذه المنظمات الوطنية أم استجاب لها؟
•نحن قبل 25 تموز/يوليو وحتى بعده كان لنا موقف واضح واعتبرنا أن الوضع في البلاد يحتاج إلى إعادة تقييم بصورة موضوعية لاكتشاف مواطن الخطأ التي حصلت وذلك من أجل محاولة إعادة بناء ما تهدم من خلال خطة تشارك بها كل القوى الوطنية سواء كانت شخصيات وطنية مستقلة ومنظمات وطنية لها رصيد نضالي معترف به، وكذلك كل الأحزاب السياسية التي تؤمن بالرؤية الوطنية وإصلاح الوضع. وإلى حد الآن نكرّر هذه الطلبات. والرئيس قدم رؤية هي عبارة عن «اجتهاد» منه وسوف نتفاعل مع هذه الرؤية أو المقاربة بصورة إيجابية، فإذا ما حقق المبتغى فإننا سنسانده وإذا رأينا ان النظام يحتاج إلى تصويب فإننا سندلي برأينا في الوقت المناسب.
○ هناك جدل كبير بخصوص استقلالية القضاء في تونس والبعض يعتبر ان هناك محاولة لإخضاع القضاء من قبل الرئيس فكيف ترون ذلك خاصة بعد صدور المرسوم الرئاسي الذي أعلن خلاله عن تقييد امتيازات مجلس القضاء الأعلى؟
•أعتقد أنه لا مبرر لهذه الامتيازات ولا مبرر لأي كان أن يستحق أجرا مضاعفا، فكل أعضاء مجلس القضاء لهم مرتباتهم وامتيازاتهم ولا يمكن ان تُضاف لهم امتيازات أخرى من شأنها إثقال كاهل ميزانية الدولة. أعتقد انه من باب الحوكمة الرشيدة حذف هذه الامتيازات وهذه الخطوة لا تدخل أبدا في باب استقلالية القضاء، لأن مسألة استقلالية القضاء تخضع للقضاة أنفسهم، لانهم عندما يصدرون أحكاما فهم خاضعون فقط لسلطان ضمائرهم لا أكثر ولا أقل. أما فيما يتعلق بانتقادات رئيس الدولة لوضع القضاء، فهو ينطلق من عديد التقارير التي هي الآن بين يديه، وتؤكد بأن بعض القضاة هم تحت تأثيرات سياسية وتحت تأثير لوبيات مالية فاسدة وبالتالي هو يحاول ان يصلح الوضع من وجهة نظره. وعلى أية حال فالمعادلة النهائية تذهب للسادة القضاة وأعتقد ان فيهم قضاة شرفاء يستطيعون من خلال مواقفهم الصلبة المحافظة على استقلاليتهم.
○ في رأيك إصلاح القضاء هل يكون من الداخل أو من الخارج؟
•أعتقد ان إصلاح القضاء يجب ان يكون عملا تشاوريا من قبل كل مكونات الأسرة القضائية من قضاة ومحامين وكافة مساعدي القضاء بالإضافة إلى السلطة القائمة التي لها رأي بهذا الموضوع والسلطة القضائية هي جزء من السلطات الحيوية في الدولة، وبالتالي يجب ان تتفاعل كل هذه الجهات لإصلاح المؤسسة القضائية.
○ أثارت مسألة وضع القيادي في حركة النهضة نور الدين البحيري قيد الإقامة الجبرية جدلا قانونيا وحقوقيا فكيف تنظرون إلى هذه المسألة؟
•في الحقيقة موقف مجلس الهيئة الوطنية للمحامين كان واضحا منذ البداية، وهو أدان الإقامة الجبرية واعتبر القرار مخالفا لأحكام الدستور وهو موقف واضح للهيئة ومنذ صدور الأمر عدد 50 لسنة 78 الذي نظمّ حالة الطوارئ والفصل الخامس منه الذي نظّم مسألة الإقامة الجبرية وأعطى لوزير الداخلية الحق في فرض الإقامة الجبرية على أي شخص يشكل تهديدا للمجموع. ولذلك كل مجالس الهيئة المتعاقبة اعتبرت ان هذا الأمر يحتوي على أحكام لا تتوافق مع أحكام الدستور سواء كان دستور 1959 أو دستور 2014. لذلك من حيث المبدأ نحن ضد قرار الإقامة الجبرية ونلاحظ بان هناك خللا ما في الإجراءات. فوزارة الداخلية باعتبارها مسؤولة عن الأمن العام في البلاد ترى أنها مسؤولة عن اتخاذ هذا القرار نظرا لأن القضاء لم يبادر في الحسم في المسائل المعروضة عليه ويؤكد القضاة بأن الملفات المعروضة عليهم لا تبرر اتخاذ قرارات في التقييد من حرية هؤلاء الأشخاص. وبالتالي هناك خلل إجرائي لا بد ان يتدخل المشّرع ليحسم الموضوع. ومع الأسف الشديد ان المجلس التأسيسي أو مجلس النواب في دورتيه الأولى والثانية لم يتفطن لهذه المسألة ولم يقم بتنقيح هذا الأمر وبالتالي تواصل العمل به، وبطبيعة الحال فإن استمرار العمل به فيه مسّ بأحكام الدستور الذي ينصّ على حرية التنقل واحترام الحريات العامة والفردية.
○ كيف تنظرون إلى قانون منع التظاهر الذي اعتبر مسّا للحريات العامة؟
•أعتقد انه حتى الآن ليس هناك مسّ واضح بالحريات العامة، وخلال لقاءاتنا مع رئيس الدولة كان دائما يشدد على احترام الحريات العامة والحقوق الأساسية. ولاحظنا بأن موجة الاحتجاجات متواصلة والتعبير عن الرأي موجود، ولذلك أنا لا أقول بان الوضع على أحسن ما يرام، ولكن هناك مبالغة بالتوصيف عندما نقول إن هناك اعتداءات كبيرة على الحقوق والحريات.
○ بالعودة إلى الإشكال الدستوري البعض يعتبر ان الأزمة التي تعيشها تونس حاليا سببها الرئيسي هو هذا الدستور الذي فيه تصارع بين السلط التنفيذية والرئاسية وشكل النظام برمته فكيف ترون ذلك؟
•في الواقع ان المشكلة ترجع إلى الدستور نفسه لأننا لم نحسم الأمر بخصوص اختيار شكل النظام فاخترنا نظاما رئاسيا معدلا وبرلمانيا معدلا وكان المفروض ان نختار نظاما برلمانيا أو رئاسيا. إضافة إلى ذلك فإن نظام الاقتراع أيضا سبب مشكلة كبيرة لأن الانتخاب على القوائم والأخذ بعين الاعتبار أكبر البقايا شرذم مجلس النواب بحيث ان هناك فسيفساء في مجلس النواب ولا تستطيع أية قوة سياسية الحصول على الأغلبية حتى تحكم وتتحمل مسؤولية حكمها. لان ما شاهدنا ان الأحزاب السياسية تشارك في الحكم ثم انها تقول إنها غير مسؤولة على النتائج باعتبار أنه ليست لها السلطة المطلقة في اتخاذ القرارات.
○ في خضم المستجدات والتحولات التي تشهدها البلاد، ما توقعاتكم لمآل الدستور وهل سيتم تعديله أم إلغاؤه كليا؟
•أعتقد انه سيتم تعديله، وحسب النتائج الأولية للاستشارة الإلكترونية فهناك توجه نحو النظام الرئاسي وتنقيح القانون الانتخابي والدستور لن يبقى على شاكلته الأولى. ومن المتوقع ان يتم العدول عن كل الفصول التي سببت الإشكاليات وسيتم تنقيحها.
ومما لا شك فيه ان الدستور يتضمن عدة أحكام إيجابية ولكن هناك عدة سلبيات وتناقضات لا بد العدول عنها وتنقيحها.
○ ما مصير دعوة الغنوشي للحوار وكيف تقرأونها؟
•أعتبر ان الحوار هو أمر ضروري، لكن صدور الدعوة عن الغنوشي بالذات في الوقت الحاضر سوف لن يجد آذانا صاغية من السلطة الحالية بحسب ما أرى. ولكن أعتقد انه في المستقبل يمكن للأطراف والمنظمات والشخصيات الوطنية التي لها مصداقية ومعروفة بنظافة الكف ان تفتح حوارا وطنيا شاملا.
○ هناك موضوع آخر هام وهو مطلب تونسي شعبي منذ الثورة يتعلق بمكافحة الفساد فإلى أين وصلت هذه المعركة؟
•المعركة لا تزال في بدايتها ونحن كمجلس هيئة وطنية للمحامين أصدرنا لائحة يوم 26 تموز/يوليو وأعلنا مساندتنا المطلقة لكل مبادرة ترمي إلى القضاء على دابر الفساد الذي أفسد الأرض والزرع.
○ وموضوع الصلح الجزائي مع رجال الأعمال هل يمكن ان يقضي على هذا الفساد برأيكم؟
•نحن ننتظر صدور المرسوم لكي ندرسه كما يجب، ونتبين النقاط الإيجابية فيه. وعلى أي حال كل صلح الغاية منه إصلاح، ما وقع من إخلالات ومن تصرفات مشينة بالأموال العامة اعتبر انه سيكون إيجابيا.
○ وكيف تنظرون إلى التحركات الاحتجاجية الأخيرة لأعضاء وموظفي هيئة مكافحة الفساد؟
•هي هيئة إدارية تابعة للحكومة وما على السلطة الحالية إلا إيجاد الحلول المناسبة لهؤلاء الموظفين حتى يقع إنصافهم سواء من خلال تفعيل هذه الهيئة أو من خلال ادماجهم.
○ المأزق السياسي في تونس أثرّ كثيرا على الوضع المجتمعي والاقتصادي والمالي، وهناك استحقاقات هامة تنتظر البلاد مع صندوق النقد، هل تعتقد ان الأزمة الحالية ستؤثر سلبيا على كل هذه الاستحقاقات؟
•في الواقع أعتقد ان الأزمة متشابكة فهي أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية، وكنت قد بينت في العديد من المناسبات قبل 25 تموز/يوليو وبعده بأنه لا بد من معالجة المسارات الثلاثة السياسي والاقتصادي والاجتماعي معا. فمن دون معالجة هذه المسارات بالتوازي فإنه لا يمكن ان يقع الخلاص للوضع الحالي. على أية حال، هناك عدة إشكاليات موجودة ونعيشها يوميا أهمها عدم الايمان بقدسية العمل وكذلك عدم تقديم رؤية واضحة وعميقة لإصلاح الوضع. ولعل الأيام المقبلة ستنبئ لنا بمخرجات هامة من شأنها إصلاح الوضع في البلاد.
○ عاشت تونس منذ الثورة لليوم عشرية صعبة ولا يزال التونسيون يعيشون صعوبات وتجارب سياسية عديدة، وفي كل محطة هامة يعوّلون على دور المنظمات الوطنية، فأي دور يمكن ان تضطلع به هيئة المحامين للخروج بالبلاد من هذا المأزق العام السياسي والدستوري والمجتمعي؟
•نحن مستعدون للعب دورنا الوطني من أجل المصلحة العليا للوطن ونحن نمد أيدينا لكل المنظمات والشخصيات الوطنية التي تريد لعب دور من شأنه انقاذ البلاد. ونحن مستعدون للتعامل بروح إيجابية مع كل المبادرات التي تصدر لغاية إصلاح الوضع الاقتصادي والسياسي في البلاد.
○ ما توقعاتكم للمرحلة المقبلة وأهم الاستحقاقات؟
•أهم الاستحقاقات اليوم هي إخراج البلد من عنق الزجاجة وهي الإصلاحات السياسية والإصلاحات الاقتصادية وتعافي الاقتصاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية