عندما أصبحت الرياضة ألعوبة في أيدي السياسيين!

لم ننس منظر تلك الفتاة وهي تحمل علم فلسطين في احدى المدرجات الأمريكية عندما لوحقت وأخرجت عنوة من المكان، مثلما لم ننس نجوم كرة القدم في الدوري الانكليزي الذين تعرضوا للتوبيخ والتأنيب لحمل العلم الفلسطيني في الملاعب، لكن أيضاً لم ننس بعد كل المحاولات لملء الاستادات الرياضية اليوم بالاعلام الأوكرانية دعماً لها في حربها مع روسيا، في تناقض صارخ لمعنى عدالة الروح الانسانية عند صناع القرار في العالم الغربي.
النجوم العرب والمسلمون كرياض محرز ومحمد النني وبول بوغبا، الذين حملوا العلم الفلسطيني في نهاية الموسم الماضي عقب الحرب الاسرائيلية الوحشية على قطاع غزة وفي كل فلسطين التاريخية في الربيع الماضي، اليوم هم مطالبون برؤية التأييد الكبير للشعب الأوكراني برفع الاعلام في ملاعب فرقهم، رغم انهم أبلغوا أن رفع أعلام الدول وتسييس الملاعب ينافي القوانين الرياضية.
هذا التناقض الفاضح أكدته كل الاتحادات الرياضية العالمية في الأيام الأخيرة التي خنعت لمطالبات القوى الكبرى من الدول الغربية والقرارات السياسية بعزل روسيا بالكامل عن عالمه الرياضي لشيطنة نظامه السياسي بمعاقبة جماعية لرياضييه في صورة غير مسبوقة، بل منافية للقوانين والقيم الرياضية، في محاولة لوضع ضغوطات هائلة على النظام الروسي وربما السعي الى احداث نقمة داخلية قد تقود الى ثورة ضد حكم بوتين.
ومع أن الهدف سياسي واضح، الا انه لم يخل من عنصرية مقيتة لاحظها الكثيرون حول العالم وشاركوها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي تعتبر الخط الاعلامي ومصدر المعلومات الموثق للشعوب، والتي أخفقت القوى العظمى في السيطرة عليها لتأليب الأراء وتشكيل الافكار العامة، فنشر الآلاف وتشاركوا في عقد المقارنات بين الحروب في الوطن العربي والشرق الاوسط، وما يحدث اليوم في أوكرانيا، بل ساعدهم على ذلك بعض مراسلي القنوات الغربية الذي تباكوا على رؤية أطفال بشعر أصفر وعيون زرقاء «مثلنا» يسقطون ضحايا، وان هذه ليست «العراق أو افغانستان»، لتتضح الطبقية في قيم الانسان، بل ذهب مراسل «بي بي سي» البريطانية العريقة، في سرد أسباب اصرار الاوكرانيين على الدفاع عن بلدهم الى تدينهم وعقديتهم القوية داخل الكنيسة التي يستمدون منها قوتهم، في حين قبل سنوات كانت تعتبر الكثير من المجاهدين المسلمين ارهابيين والمساجد بؤراً مشبوهة.
التناقض الرياضي الكبير جاء عبر تخلي اللجنة الاولمبية الدولية، الراعية لأقدم الألعاب الرياضية في العالم، عن مبدأها الأساسي وهو فصل الرياضة عن السياسة، وتحييد الرياضيين عن أي نزاعات ومشاكل بين الدول، بل لطالما اشتهر القول «الرياضة تصلح ما يفسده السياسيون»، فعاقبت كل الرياضيين الروس والبيلاروس من المشاركة في أي ألعاب، عبر تجميد عضوية الاتحاد الروسي، بل بعد ضغوطات سياسية عادت عن قرار السماح للرياضيين الروس المشاركة بعلم محايد ومن دون عزف النشيد الروسي، بحرمانهم من دون أي اعتبار لدورهم في الحرب الدائرة ولمبدأها الأساسي.
ومثلها فعل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، الذي تردد بداية في أخذ قرار الحرمان، لكن أيضاً بعد ضغوطات سياسية هائلة على رئيسه جاني انفانتينو، قرر حرمان روسيا من المشاركة في مونديال 2022 في قطر، بمنعها من خوض الملحق المؤهل للنهائيات الشهر الجاري. وأيضا كسر الفيفا قانونه الرئيسي القائم على ضرورة فصل كرة القدم عن السياسة، خصوصاً أنه عاقب مراراً وتكراراً اتحادات وطنية عدة حول العالم، وبينها عربية مثل الكويت ومصر، بتجميد عضويتها لأن حكوماتها السياسية تدخلت في شؤون الاتحاد الكروي. ربما يكون مقبولاً أن تسحب استضافة مدينة سان بيترسبورغ الروسية لنهائي دوري أبطال أوروبا منها مثلما فعل الاتحاد الاوروبي لكرة القدم (يويفا)، أو الغاء عقد الشراكة والرعاية بين عملاق الغاز الروسي «غازبروم» واليويفا، لكن لماذا تعاقب الرياضيين؟
كل الاتحادات الرياضية خطت هذه الخطوة في عزل روسيا، ما عدا اتحادي محترفي ومحترفات التنس، الذي كان أكثر منطقية من معاقبة نجوم مثل ميدفيديف وروبلوف. لكن مثلما كانت وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة سباقة لشجب الاعتداء الروسي، كانت أيضاً سباقة في الكشف عن الوجه القبيح للعنصرية الأوكرانية في تعاملها مع الأقليات والجاليات من ذوي البشرة السمراء والسوداء، بحرمانهم من ركوب القطارات ووسائل النقل للراغبين في الرحيل من جحيم الحرب، وأعطت البشرة البيضاء والعيون الملونة الاولوية للهروب من موت محتمل، ولهذا تهاوت المساندة الشعبية للاوكرانيين في بعض البلدان الغربية، كبريطانيا، وخلد كثير منهم الى النوم مرتاحي البال، كونهم أدركوا أن الرغبة السياسية الجامحة لشيطنة النظام الروسي لن تمر فوق الضمير الانساني، فنبذ العنصريين حتى لو كانوا ضحية خصلة أساسية، والعدالة يجب أن تشمل الجميع حول العالم، بغض النظر ان كنت أشقراً بعينين زرقاوين من مدينة خاركيف، أو أسمر اللون بعينين عسليتين من خان يونس.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية