عندما يتبخر حلم 134 سنة!

حلت الصدمة والحزن في الايام الأخيرة في كل أنحاء مدينة بري الانكليزية الصغيرة، الواقعة شمال مدينة مانشستر، بعدما أعلن الاتحاد الانكليزي طرد نادي هذه المدينة من عضويته بعدما أخفق في تقديم ضمانات مادية لقدرته على الالتزام بدفع ديونه ورواتب موظفيه، لتنطفئ شمعة ظلت مشتعلة على مدى 134 سنة.

المدهش ان بري، الذي تأسس في العام 1885، وحتى قبل البدء بأول مسابقة دوري في 1888، نجح في الصعود من الثالثة الى الثانية الموسم الماضي، وصدى الاحتفالات ما زال مسموعا بين أزقة أحياء المدينة الصغيرة، لكن أنصاره النادي وسكان المدينة بدون استثناء، اعتبروا قرار الاتحاد بشطبه، نزع الروح من المدينة، حيث ان نادي كرة القدم هو المركز والأساس ومن أجله يفتخر أهالي المدينة، التي تحيطها العديد من المدن والقرى بفرق كروية عنيدة، على غرار قطبي مدينة مانشستر وبلاكبيرن وبيرنلي وأولدهام وروتشديل، وأيضاً بولتون الذي أنقذ في اللحظات الاخيرة من مصير مشابه لبري. لكن بري سمح لرجل يدعى ستيف ديل يتملكه في ديسمبر الماضي بدون مراجعة ماضيه ونيته، لانه كان ينوي البيع الفوري بربح مقبول، لكن العروض لم تأته، وليست لديه نية بناء فريق او ادارة نادي، فقاد بري الى الانهيار.

في عالم الكرة الانكليزية، هناك دائما الحزن والافراح، فعلى بعد أمتار قليلة من بري، وقبلها بأسابيع انتشر أكثر من 200 ألف مشجع في الشق الأزرق من مدينة مانشستر يحتفلون بنجومهم الذين ساروا بحافلة يرفعون ثلاثة ألقاب، أو أربعة، هي كل الالقاب المحلية الممكنة (الدوري والكأس وكأس المحترفين والدرع الاجتماعية)، وهم لا يصدقون انه بعد سنوات من التهميش والعيش في ظل الجار القوي مانشستر يونايتد أصبحوا هم على القمة، بل تخطوا تحديات أندية أكثر عراقة وتاريخا، والفضل يعود الى حسن الادارة للنادي المملوك لأبوظبي، على عكس ادارات أجنبية أهلكت وأنهكت أنديتها.

في السنوات الثلاثين الماضية بدأ الاهتمام الاجنبي بتملك الأندية الانكليزية، رغم ان الهدف الأساسي لم يتعد حد التسلية، او “البريستيج”، فسرعان ما يمل المالك الاجنبي ويهدم كل ما بناه من دون ان يأسف على ملايينه التي استثمرها، لكن الأمر تحول في السنوات الاخيرة، خصوصاً مع المداخيل الهائلة التي تحققها الاندية الانكليزية، وأصبحت الفكرة من التملك تحقيق أرباح وتطبيق مشاريع وأفكار تسويقية وترويجية ضمن خطط محكمة ومدروسة، ورغم ذلك يأتي مستثمر أجنبي ويطالب بأرباحه منذ اليوم الأول، ولا ينتظر حتى مرور سنة على نضوج استثماره.

اليوم هناك 15 نادياً بين العشرين في الدرجة الممتازة مملوكة لأجانب، فعاث غالبية الملاك الامريكيين في العقدين الاخيرين، عبثا بسبب طمع وجشع وفكر غير مفهوم، فعائلة غليزر ما زالت مبغوضة في الشق الاحمر لمانشستر، ويعتبر عشاق يونايتد ان ديون هذه العائلة، وسوء ادارتها أنهكت النادي الأثرى في البلاد، بل انه لولا وجود مدرب محنك مثل السير أليكس فيرغسون لانهار النادي منذ سنوات، واليوم نرى التخبط مثالا بعد رحيله. مالك أستون فيلا السابق راندي ليرنر باع ناديه بعد عشر سنوات من التخبط والاخفاق والصراع من أجل البقاء في ناد كان بين النخبة في غابر الزمان. في حين أحكم ستان كرونكي على ملكية أسهم أرسنال، ليخفض سقف طموح مشجعيه، وفشل في البناء على نجاحات آرسين فينغر الهائلة في سنواته الأولى. في حين أخفق ايليس شورت في استغلال مقومات سندرلاند الكبيرة الذي عانى مكافحاً دائما من أجل البقاء لينهار النادي ويتدحرج الى الدرجة الثانية. أما شاهد خان، الامريكي من أصل باكستاني، فانه أهبط فولهام الى الدرجة الاولى في الموسم الاول الذي تملك فيه النادي خلفاً للمصري محمد الفايد واعاده الى الممتازة، لكن بفكر ضيق عاد به الى الأولى. وربما يكون الاستثناء الوحيد حالياً في التملكات الامريكية، ليفربول الذي قدم موسماً استثنائياً، في ظل تملك جون هنري، لكن بعد معاناة عصيبة وسامة من الامريكيين جيليت وهيكس. الملاك الأجانب الآخرون، نجد الروسي رومان أبراموفيتش نجح في جعل تشلسي قوة في عالم الكرة الاوروبية، لكنه دائماً ما يكون مصاحباً للأزمات والجدل والتخبطات والاقالات، وبسبب خلافاته السياسية في العامين الاخيرين، بدأ يفقد شهيته في استثمار المزيد من المال في مشروع النادي والاستاد.

فرق الدرجة الممتازة تظل معصومة من الغرق في مآزق فورية، بفضل المبالغ الهائلة التي يتقاضاها كل ناد من حقوق النقل التليفزيوني والمكافآت، لكن عندما يأتي صاحب النية السيئة على الاندية الصغيرة، فان خطر الابادة والشطب يكون حاضراً بقوة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية