عن الجدل المحتدم حول مشروع دستور تونس الجديد

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-«القدس العربي»:  يتواصل الجدل في تونس حول مشروع الدستور الجديد الذي سيطرح على الاستفتاء يوم 25 تموز/يوليو بين رافض ومؤيد ومتحفظ لم يحسم موقفه بعد، والكل يدلي بدلوه ويعبر عن رأيه، سواء تعلق الأمر بالنخب أو برجل الشارع العادي. فمستقبل البلاد للسنوات والعقود المقبلة بات على المحك، والأيام والأشهر القليلة المقبلة ستكون حاسمة ومفصلية في تاريخ تونس، ومحددة لمصير البلاد التي تبحث عن توازنها منذ أكثر من عقد من الزمان.
لقد اختلف التونسيون حول تحديد شكل النظام السياسي الذي أقره مشروع الدستور الجديد، فأنصار الرئيس قيس سعيد من النخبة يرونه رئاسيا ديمقراطيا، فيما يراه آخرون رئاسويا يكرس الاستبداد من جديد في تونس.
وتجدر الإشارة إلى أن في هذا الدستور إيجابيات تفاعلت معها أطياف عديدة، ولم تلق انتقادات حتى من المعارضين، فالوطنيون، على سبيل المثال، والذين يؤمنون بالذاتية التونسية رأوا في الإشارة إلى قرطاج ودستورها العريق في الديباجة أمرا إيجابيا يجذر تونس في تربتها وتاريخها العريق الضارب في القدم. ورأى القوميون والعروبيون في دسترة مساندة تونس للقضية الفلسطينية ولحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وعاصمتها القدس الشريف في ديباجة مشروع الدستور التونسي الجديد وفاء لثوابت تونس وتطلعات شعبها على الدوام لدعم قضية العرب الأولى.
بالمقابل يؤكد الرافضون لمشروع دستور تونس الجديد على وجود مساوئ كثيرة  من بينها تأسيسه للديكتاتورية، فرئيس الجمهورية وحسب هذا المشروع وخلافا لما هو معمول في النظامين الرئاسيين الأمريكي والفرنسي، لا يراقب ولا يحاسب من قبل البرلمان والمحكمة الدستورية العليا. كما أنه تم إقرار منصب رئيس للحكومة خلافا للأنظمة الرئاسية الديمقراطية في العالم، وقد تم ذلك على ما يبدو لجعل الحكومة ورئيسها يحاسبون وتوجه إليهم لائحة لوم رغم أن عملهم بالأساس هو تنفيذ سياسات رئيس الجمهورية الذي يبقى فوق المحاسبة.
وبالتالي فقد تم مجددا إقرار نظام سياسي هجين في تونس، لا هو رئاسي ولا هو برلماني، حيث أخذ كاتب النص الدستوري من النظام الرئاسي ما يدعم صلاحيات رئيس الجمهورية، ومن آليات النظام البرلماني ما يجعله فوق المحاسبة والرقابة التي تسلط على رئيس الحكومة، رغم أنه سينفذ أوامر رئيس الجمهورية تماما كوزير أول في نظام رئاسي. وبالتالي فإن أعوان التنفيذ أو أعضاء الحكومة، هم الذين سيحاسبون وستسلط الرقابة على أعمالهم، فيما رئيس الجمهورية، صاحب القرار الفعلي وصاحب صلاحية حل البرلمان، منزه تماما في تعارض تام مع النظام الرئاسي.
كما تعرضت تركيبة المحكمة الدستورية العليا في مشروع الدستور إلى انتقادات واسعة بعد أن اقتصرت تركيبتها على القضاة دون سواهم، وتم إقصاء المحامين وأساتذة القانون، رغم أن هذه المحكمة هي هيئة قانونية مهمتها التثبت من دستورية القوانين وفض النزاعات بين مؤسسات الدولة، وهي بذلك بحاجة إلى تعدد القراءات والتأويلات للنص القانوني. ويدرك أهل الاختصاص أن تأويل القاضي للنص القانوني يختلف عن تأويل المحامي وعن تأويل أستاذ القانون، بالإضافة إلى أن أغلب محاميي تونس هم من حملة شهادتي الماجستير والدكتوراه في القانون ويتواصل عملهم البحثي الأكاديمي خلال ممارسة مهنة المحاماة للارتقاء فيها من درجة إلى درجة بعد إعداد البحوث والدراسات وعرضها على اللجان.
كما أن اختيار رئيس الجمهورية لأعضاء المحكمة الدستورية العليا طبق مشروع الدستور الجديد يجعلها غير مستقلة في تركيبتها ويجعل قضاتها العدليين والإداريين والماليين موالين لرئيس السلطة التنفيذية ويخشون سطوته ويعترفون بجميله وفضله عليهم. فهو الذي اختارهم دون سواهم من بين زملائهم وفضلهم على غيرهم دون اعتماد معيار الكفاءة الذي كان من المفروض أنه أساس الاختيار، لا الأقدمية الوظيفية المعتمدة في هذا المشروع الدستوري.

ضرورة التعديل

ويأمل كثير من التونسيين بأن يشهد مشروع الدستور هذا بعض التعديلات التي تطال أساسا شكل النظام السياسي والعلاقة بين مختلف السلط ليصبح نظاما رئاسيا ديمقراطيا وذلك قبل عرضه على الاستفتاء يوم 25 تموز/يوليو المقبل. لكن جميع المؤشرات توحي بأن ذلك غير ممكن وأن الرئيس ماض في عرض مشروع الدستور على الاستفتاء بدون تعديله، وأن القوى الحية والديمقراطية في تونس ستناضل من أجل إرساء نظام رئاسي حقيقي والقطع نهائيا مع الأنظمة الهجينة التي ميزت البلاد.
فهناك خيبة أمل كبرى أصيب بها كثير من التونسيين، من أبناء التيارات الديمقراطية نتيجة لعدم خضوع رئيس الجمهورية للرقابة والمساءلة من قبل البرلمان والمحكمة الدستورية العليا وهو ما يكرس برأيهم الاستبداد من جديد. لذلك تساءل البعض ما ضر رئيس الجمهورية لو وضع نفسه تحت الرقابة والمساءلة على غرار ما هو حاصل في الأنظمة الرئاسية الحقيقية، لا الهجينة، ما دام ديمقراطيا ولا رغبة له في التفرد بالسلطة؟
إن مشكلة التونسيين من النخبة السياسية مع دستور سنة 2014 الذي علق قيس سعيد العمل به، تقتصر على الباب المتعلق بشكل النظام السياسي دون سواه وهم الراضون عن باقي الأبواب وخصوصا الباب المتعلق بالحقوق والحريات. وبالتالي فإن ما يعنيهم بالدرجة الأولى في مشروع الدستور الجديد هو شكل النظام السياسي والعلاقة بين السلط والتوازن فيما بينها وهو ما لم يحققه مشروع الدستور الجديد الذي لم يستجب لتطلعاتهم وجاء مخيبا لآمالهم.
ويرى البعض أن هذا النقاش حول مشروع الدستور هو نقاش نخبوي بالأساس، ولا يهم في شيء رجل الشارع العادي البسيط الباحث عن قوت يومه وعلى ظروف اقتصادية واجتماعية مرفهة عجز عن تحقيقها من حكموا تونس خلال السنوات الماضية. كما لا يهم كثيرا شريحة هامة من المثقفين من أبناء الطبقة الوسطى ترى أن هيبة تونس تراجعت في السنوات الأخيرة وأصبح يتجرأ عليها من هب ودب حتى أقرب الأقربين وذلك بسبب عدم استقرارها السياسي الذي تسبب في أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة جعلت الحاجة إلى نظام قوي ومستقر أمرا بديهيا.
ويبدو أن ساكن قرطاج يراهن على هؤلاء لتمرير مشروع الدستور بعد التصويت عليه بنعم في الاستفتاء المقرر يوم 25 تموز/يوليو، ويبدو أيضا أن قدر التونسيين هو مواصلة النضال لتعديل هذا الدستور الهجين من قبل البرلمان المقبل الذي سينتخب أعضاؤه يوم 17 كانون الأول/ديسمبر. وفي كل الأحوال فإن هناك تنقيحا للقانون الانتخابي وقانون الأحزاب يخشى معهما أن يستفرد مجددا الرئيس قيس سعيد بالقرار وأن لا يستمع لآراء لجانه الاستشارية مثلما حصل مع مشروع الدستور.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية