وقّع 36 نائباً مستقلاً ومدنياً على وثيقة تطالب بسحب القانون لإجراء تعديلات عليه، مشددين على وجوب أن يتوافق مع مبادئ حقوق الإنسان والحريات المنصوص عليها في الدستور.
بغداد-»القدس العربي»: أزمة جديدة بدأت بوادرها تلوح في الأفق العراقي، عقب توجّه برلماني لتشريع قانون «حرية التعبير عن الرأي والتظاهر» المثير للجدل، والمطروح في أروقة مجلس النواب منذ سنوات غير إنه لم ير النور بسبب جمّلة من الاعتراضات أطلقها نواب مستقلون وناشطون وخبراء في مجال حقوق الإنسان، يرون في مسودّة القانون «قمّعاً» لحرية الرأي والتعبير، في بل تعوّد على دكتاتورية السلطة.
القصّة بدأت منذ عام 2010 عندما طُرح مشروع القانون في البرلمان بغرض التشريع، غير أنه واجه انتقادات عدّة أسهمت في ترحيله إلى الدورات المقبلة- أسّوة بجمّلة من القوانين الأخرى، قبل أن يُفتح هذا الملف مجدّداً عام 2016 غير أنه واجه العقبات ذاته.
المعارضون للقانون يتفقون أن المسودّة الحالية- تمّت قراءتها في البرلمان مطلع الأسبوع الماضي- تفرض قيوداً صارمة على الناشطين والمحتجين، وتحديداً على من لا يمتلك تمثيلاً سياسياً.
«مركز ميترو» الحقوقي وصف القانون المطروح حالياً للنقاش، بأنه «سيف يخترق قلّب حريّ التعبير».
وأعلن في بيان صحافي الأسبوع الماضي، رفضه مشروع قانون «حرية التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي» مطالباً مجلس النواب العراقي بـ»طرحه للرأي العام والمختصين لمناقشته وإجراء التعديلات عليه قبل طرحه مجددا في البرلمان».
ودعا المرصد أيضاً منظمات المجتمع المدني- حقوقية وغير حكومية- إلى «إنشاء تحالف واسع للوقوف أمام محاولات إعادة البلد إلى عهود القمع وتكميم الأفواه» معبّراً صيغة القانون الحالية بأنها «مناقضة لحرية الرأي والتعبير لما تضمنه من نصوص وفقرات عقابية صارمة، بل ويمكن القول انها انتقامية ضد الصحافيين والمدونين والناشطين، وهذا ما يتعارض مع نص وروح المادة 38 من الدستور العراقي، التي ضمنت حرية الرأي والتعبير، كما ان مشروع القانون المقترح يتعارض كلياً مع المواثيق والقوانين والمعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، والتي وقع عليها العراق».
وطبقاً للمركز الحقوقي فإن مجلس النواب العراقي عاد لطرح مشروع «حرية التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي» وهي المرة الثانية التي تطرح فيها رئاسة مجلس النواب «قوانين متعلقة بالتضييق على المدونين والصحافيين والناشطين على حد سواء، بعد طرح مشروع (جرائم المعلوماتية) منتصف الشهر الماضي، والذي قوبل بالاحتجاج والاعتراض والرفض من قبل المجتمع المدني، ما أجبر رئاسة المجلس إلى سحبه بحجة المزيد من الدراسة والتنقيح».
واستغرب المركز «إصرار الحكومة الفيدرالية، على السعي لإصدار قوانين تحد من حرية الرأي والتعبير، وتبذل قصارى جهدها للتضييق على الصحافيين والناشطين المدنيين، ما أثار حفيظة الدول والمنظمات المهتمة بحرية الرأي والتعبير، لذلك تصدر العراق بما فيه إقليم كردستان قائمة الدول التي لا تتوفر بها بيئة مناسبة لحرية العمل الصحافي، وذلك ما أثار تلك المنظمات وقدمت تقارير انتقدت فيها وبشدة حكومتي المركز والإقليم، وأصدرت تقارير تدين ممارسات كلا الحكومتين».
ومن المعلوم ان هذا القانون قد تم اقتراح مناقشته في الدورات البرلمانية السابقة، إلا انه رحل إلى الدورة الحالية بعد ان تم الاعتراض عليه بشكل واسع من قبل الناشطين والصحافيين ومنظمات المجتمع المدني، وفي عز الاحتقان الاجتماعي والمظاهرات، طلب البرلمان إشراك منظمات المجتمع المدني والمختصين في دراسة القانون وإجراء التعديلات عليه، لكي لا يتقاطع مع الدستور ومع المواثيق الدولية، وبالفعل تم ادخال الكثير من التعديلات عليه، ليفاجئ الجميع بأن النسخة المقدمة هي النسخة القديمة مع إهمال كل الاقتراحات التي قدمتها منظمات المجتمع المدني والمختصون القانونيون.
وختم المركز الحقوقي بيانه بالقول: «كأن السلطة بمختلف مؤسساتها لم تكتف بالتهديدات والاعتداءات والاغتيالات وكواتم الصوت التي أزهقت أرواح خيرة أبناء هذا الشعب من الصحافيين والناشطين المدنيين، لتزهق أرواحهم هذه المرة بقوانين جائرة ينافس ما سنها النظام الدكتاتوري قمعا وكتما».
ويستند القضاء العراقي حالياً على جمّلة قوانين تعود إلى زمن النظام السابق، فضلاً عن أوامر أصدرتها سلطة الائتلاف المؤقّت، عند احتلالها العراق، في التعاطي مع القضايا المتعلقة بالحريّات والتعبير عن الرأي.
العضو السابق في مفوضية حقوق الإنسان، الدكتور علي البياتي يقول لـ»القدس العربي» إن «المسودة التي سبق وأن تم طرحها في البرلمان وتم تأجيلها بسبب ردود الفعل المثارة حولها، فهي تقريباً ترجمة لأمر سلطة الائتلاف والحاكم المدني السابق (بول بريمر) وللأوامر رقم 14 و19 التي تحظر التجمع العام والتظاهر إلا بموافقات صادرة عن الجهات الرسمية، مع وجود لجان تُعلن عن مسؤوليتها في تنظيم هذه الاجتماعات أو التظاهرات وبتوقيتات وأسباب وغايات مُعلنة، أما غير ذلك فلا يمكن القيام بمثل هكذا تجمعات أو تظاهرات».
وأشار إلى أن «المسوّدة نفسها لا تزال تستند إلى فقرات قانون العقوبات العراقي الذي يتضمّن الكثير من المواد التي تتنافى ومبادئ حقوق الإنسان والحريات المنصوص عليها في الدستور العراقي» مستغرباً من إن «المسوّدة ذاتها تقول إنه (لا يمكن تقييد الحقوق والحريات الواردة في هذا القانون إلا من أجل المصلحة العامة)!».
وطبقاً للبياتي فإن «هناك استغلالا لهذا الحق (التعبير عن الرأي) والإتيان بقيود واضحة من أجل منع أيّ تظاهرات لمجموعة غير مدعومة سياسياً» مؤكداً أنه «لا يمكن تطبيق مثل هكذا قوانين على الجهات السياسية النافذة والتي لها وجود في السلطة والبرلمان وتمتلك أجنحة مسلحة، في حين إن الأمر عكس ذلك تجاه المجاميع الثقافية أو الناشطين أو منظمات المجتمع المدني».
ويُدّرج ضمن البنّد 38 من الدستور الاتحادي لسنة 2005 (النافذ)، إنه «تكفل الدولة، بما ﻻ يخل بالنظام العام واﻵداب حرية اﻻجتماع والتظاهر السلمي، وتنظم بقانون».
ومع إدراج القانون المثير للجدل، على جدول أعمال البرلمان، وقّع 36 نائباً مستقلاً و»مدنياً» على وثيقة تطالب بسحب القانون لإجراء تعديلات عليه، مشددين على وجوب أن يتوافق القانون «مع مبادئ حقوق الإنسان والحريات العامة المنصوص عليها في الدستور».
أول الجهات السياسية المعترضة على الصيغة الحالية للقانون، هي حراك «الجيل الجديد» الذي وصفته رئيسة كتلته البرلمانية، سروة عبد الواحد بأنه «ديكتاتوري ويكمم الأفواه» داعيةً الصحافيين والناشطين العراقيين إلى «منع تمريره» ومعتبرةً أن تشريع هذا القانون يجعل «من المستحيل أن يسمح للصحافيين والناشطين أن يعبّروا عن رأيهم بحرية تامة».
وذكرت عبد الواحد في بيان صحافي أن العراق «لا يحتاج لتشريع قانون لحرية التعبير، لأنه مكفول بالدستور ضمن المادة 38 ولا توجد أي إشارة إلى أن ينظم بقانون، ونحن نعمل حالياً على جمع التواقيع لسحب القانون لغرض التعديل، كما على الصحافيين والإعلاميين والناشطين ومنظمات المجتمع المدني والشارع الشعبي العراقي بكل أطيافه الوقوف ضد هذا القانون، وأن لا يسمحوا للبرلمان بتشريعه».
وحول سبب الاعتراض قالت النائبة إن «القانون يتضمن عقوبات وفقرات جزائية كثيرة في موضوع حق التظاهر والاجتماع السلمي وأخذ الإذن للتظاهر قبل فترة معينة، وهناك مصطلحات وعبارات مطاطية يمكن لأي أحد أن يستخدمها ضد كل من يريد التظاهر والتعبير عن رأيه».
أما الخبير في مجال حقوق الإنسان، علي البياني، فرأى أن «مسألة الحصول على المعلومة من الحقوق الأساسية» مؤكداً وجوب أن «يكون القانون منظّماً لملف التظاهر وحرية التعبير عن الرأي وليس مقيّداً لها. من الضروري إلغاء أمر الحاكم المدني الذي وضع قيوداً واضحة على وسائل الإعلام والتجمّع والتظاهر السلمي».
ووفقاً للبياتي فإن هناك أهمية لـ»إلغاء بعض فقرات قانون العقوبات العراقي التي تخصّ قضايا التشهير والقذف، وأيضاً بعض المصطلحات التي تتعلق بإهانة الدولة وما إلى ذلك».
ومع زيادة الضغط الشعبي تجاه القانون، تعهّدت لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب العراقي بإجراء تعديلات عليه، بشكل قالت بأنه «يضمن الحق الدستوري لإبداء الرأي ويضمن سلامة المواطنين وقوات الأمن، في الوقت عينه».
في مقابل ذلك رأى البياتي وجود «ضرورة لتنظيم منصّات التواصل الاجتماعي والإعلام لمنع بثّ خطاب الكراهية، لكن حتى هذا الأمر يحتاج إلى تدرّج، على اعتبار أن القانون لا يمكن أن يكون عادلاً وقابلاً للتطبيق بشكل مباشر، خصوصاً إن الأمر يتعلق بفئات الشباب، فلا يمكن زجّهم في السجون بمجرد إنهم كتبوا منشوراً أو تغريدة بسبب تهوّر أو جهل».
وأضاف: «لا بد أن يكون القانون محافظاً على هذه الحقوق ومنظّماً لها لا أن يقيّدها».
وبشأن عدد القضايا المتعلقة المتضمّنة انتهاكا لحقوق الرأي والتعبير والتظاهر السلمي، أفاد البياتي بأن «الشكاوى التي قُدّمت إلى اللجان التي تشكلت بعد تظاهرات تشرين الأول/أكتوبر في 2019 والمتعلقة بقضايا الرأي وحرية التعبير، بلغت نحو 8 آلاف دعوى وشكوى، تخصّ ظروف التظاهرات والتجمّع وقضايا التعذيب والاختطاف والقتل وغيرها» مؤكداً في الوقت عينه إن «عدد القضايا التي تم التحقيق فيها وإدانة مرتكبيها فهي محدودة جداً لا تتجاوز الـ13 قضيّة».