عودة اغتيالات الناشطين في العراق: موجة إدانات محلية ودولية وانتقادات للتقصير الحكومي في ملاحقة الجناة

مشرق ريسان
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: قال «المرصد الأورومتوسطي» لحقوق الإنسان، أمس الخميس، إنّ استمرار سياسة الإفلات من العقاب في العراق شجّع على تصاعد حوادث الاغتيال الممنهجة خارج نطاق القانون، وأحدثها اغتيال الناشطة البارزة في الاحتجاجات ريهام يعقوب أول أمس الأربعاء، في حادثة جددت المخاوف من عودة عمليات التصفية التي تطال الناشطين وقيادات الحراك الاحتجاجي، من جديد.
وأدان المرصد، ومقره جنيف، في بيان صحافي، اغتيال يعقوب وصديقة لها على يد مسلحين مجهولين أطلقوا النار عليهما بشكل مباشر داخل مركبتهما في مدينة البصرة جنوبي العراق.
وبين أن العامل المشترك فيما يشهده العراق على مدار الأشهر الأخيرة من عمليات اغتيال وقتل خارج نطاق القانون بشكل ممنهج لنشطاء وإعلاميين، هو تجاهل السلطات المحلية إجراء تحقيقات جدية للوصول إلى الجناة.
وحسب إفادات أولية تلقاها المرصد الحقوقي الدولي، فإن مسلحيّن على دراجة نارية أطلقا النار على سيارة تقل 4 نساء وسط البصرة، ما أدى إلى مقتل «يعقوب» وصديقتها، فيما أصيبت ناشطتان أخريان بجروح.
وتعد يعقوب، ناشطة بارزة في البصرة، وكانت شاركت لعدة أشهر عامي 2017 و2018 في دورات تدريبية تشرف عليها القنصلية الأمريكية في البصرة، ما عرضها لانتقادات وصلت حد تلقيها تهديدات بالاستهداف، حسب ما أعلنت سابقًا.

تحريض على يعقوب

وأطلع المرصد على منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحرض على الدكتورة يعقوب وزملاء لها بتهمة «العمل على تأجيج الوضع في العراق تحت عناوين محافل وجمعيات خيرية وعقد ندوات ومؤتمرات بدعم أمريكي».
وجاءت حادثة الاغتيال بعد يومين فقط من تعرض الناشطين لوديا ريمون وعباس صبحي لهجوم مسلح في البصرة، ما أدى إلى إصاباتهما بجروح بليغة.
كما سبق ذلك بأيام اغتيال مسلحين الناشط المدني تحسين أسامة في البصرة بعد استهدافه بوابل من الرصاص داخل مقر شركة إنترنت محلية، وذلك على إثر الحراك الاحتجاجي المتصاعد في المحافظة والمطالب بالخدمات.
وفي 6 من يوليو/ تموز 2020، اغتال مجهولون الباحث الأمني البارز هشام الهاشمي وسط العاصمة بغداد، عقب مقابلة صحافية انتقد فيها سلوك أحد الفصائل المسلحة في البلاد.
وأكد المرصد أن العامل المشترك فيما يشهده العراق على مدار الأشهر الأخيرة من عمليات اغتيال وقتل خارج نطاق القانون بشكل ممنهج لنشطاء وإعلاميين هو تجاهل السلطات المحلية إجراء تحقيقات جدية للوصول إلى الجناة، والامتناع عن اتخاذ إجراءات جادة لضمان المساءلة والعدالة. وأقال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي قادة الشرطة والأمن الوطني في البصرة يوم الإثنين الماضي، وأمر بفتح تحقيق في أعمال العنف، لكن الأمر، وفق المرصد «يتطلب تحركًا أكثر جدية بمسائلة قيادات القوى الأمنية في المحافظة وعلاقتهم المحتملة بأحداث العنف».
وقال إن «التقصير الحكومي الجسيم عن ملاحقة مرتكبي حوادث الاغتيال كما حصل مع الصحافي أحمد عبد الصمد والمصور صفاء غالي، اللذين قتلا في العاشر من كانون الثاني- يناير 2020، والباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية هشام الهاشمي وغيرهم، أدى لغياب أي رادع يمنع تكرار هذه الجرائم».
وجدد التأكيد على أن «إدراك الجناة لإفلاتهم من العقاب في جرائم الاغتيال لن يقودهم سوى إلى ارتكاب مزيد منها في المستقبل، ما يتطلب من السلطات العراقية التحرك الجاد والعملي بعدم التساهل مع مثل هذا النوع مع الجرائم ضد الأفراد على خلفية مواقفهم السياسية وتعبيرهم السلمي عن آرائهم».
وأبرز أن المادتين الثالثة والخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 تدينان بوضوح أي شكل من أشكال القتل أو المعاقبة بالقتل خارج القضاء.

تصفية ريهام يعقوب وصديقتها في البصرة… ورئيس الوزراء يرفض التواطؤ مع القتلة والخضوع لتهديداتهم

كما شدد على أنّ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي وقعّت عليه العراق، نصّ في المادة (6) على أنّ «الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى القانون أن يحمى هذا الحق، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفًا. وعليه «يتعيّن على الدولة حماية الأشخاص من فقدان حقهم المقدس في الحياة، وتجريم أفعال القتل بشكل مغلّظ في القوانين والتشريعات المحلية، والتحرك الفعّال لمعاقبة الجناة وردع غيرهم عن ارتكاب مثل هذا النوع من الجرائم».

التصدي للظاهرة

في الأثناء، طالبت «مفوضية حقوق الإنسان» الكاظمي، بالتصدي بحزم لظاهرة اغتيال الناشطين المدنيين.
وعبرت المفوضية في بيان صحافي أمس، عن «أسفها وقلقها البالغ من تزايد حالات ومحاولات الاغتيال للناشطين المدنيين والتي بلغت (9) حالات في محافظات (البصرة وذي قار وميسان) خلال شهر آب/ أغسطس الجاري، ما أدت إلى استشهاد وإصابة عدد منهم والتي تعدها المفوضية انتهاكا صارخاً لحق الحياة والأمن والأمان للمواطن».
وأشارت إلى أن «تقاعس الأجهزة الامنية في ممارسة دورها الدستوري في حماية المواطنين والناشطين يضع علامات استفهام كبيرة على دورها وتخليها عن واجباتها تجاه أمن المجتمع والمواطن وهو ما يجعلنا أمام هاجس انهيار السلم المجتمعي في أي لحظة».
وأكدت أن «ما يجري من تكرار لحوادث الاغتيالات يجعلنا نجدد مطالباتنا للقائد العام للقوات المسلحة والوزارات والأجهزة الأمنية بتحمل مسؤولياتهم للحفاظ على حياة الناشطين والمتظاهرين السلميين وحقهم بالأمن والأمان وضرورة العمل بشكل مكثف للكشف عن العصابات المنفلتة التي تقوم بهذه الانتهاكات والجرائم وبث الرعب والخوف وتكميم الافواه وتقديمهم للعدالة لينالوا جزاءهم العادل».
وعلى إثر اغتيال الناشطة الطبيبة رهام يعقوب ورفيقتها على يد مسلحين مجهولين، أعلن قائد شرطة البصرة، اللواء عباس ناجي، فتح تحقيق بالواقعة.
وأكد في بيان مقتضب إنه «كلفنا فريقاً من ضباط أكفاء للتحقيق بجريمة اغتيال امرأتين في الشارع التجاري وسنعلن النتائج خلال اليوميين المقبلين».
وأعلن الكاظمي، أسباب إقالة قائد عمليات البصرة، فيما أكد القيام بما يلزم لحماية أمن المجتمع.
وقال في تدوينة له من واشنطن التي يزورها حالياً، «أقلنا قائد شرطة البصرة وعدداً من مدراء الأمن بسبب عمليات الاغتيال الأخيرة، وسنقوم بكل ما يلزم لتضطلع القوى الأمنية بواجباتها».
وأضاف: «التواطؤ مع القتلة أو الخضوع لتهديداتهم مرفوض، وسنقوم بكل ما يلزم لتقوم أجهزة وزارة الداخلية والأمن بمهمة حماية أمن المجتمع من تهديدات الخارجين على القانون».
وفي تطورٍ لاحق، أعلنت وزارة الداخلية، أمس، النتائج الأولية لزيارة وزير الداخلية عثمان الغانمي إلى محافظة البصرة، على خلفية سلسلة عمليات اغتيال طالت ناشطين.
وقال مدير العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية اللواء سعد معن بيان مصور، إن «وزير الداخلية وصل على رأس وفد أمني رفيع إلى محافظة البصرة بتوجيه من القائد العام للقوات المسلحة مصطفى الكاظمي».
وأضاف، أن «الوفد ضم رئيس جهاز الأمن الوطني عبد الغني الأسدي، ونائب القائد العام للعمليات ووكلاء في وزارة الداخلية، فضلاً عن قادة وضباط» مشيراً إلى أن «الوفد بدأ أعماله باجتماع في مركز العمليات بحضور محافظ البصرة أسعد العيداني وممثلين عن الادعاء العام والقضاء».

نصائح أمنية

وأوضح أن «الاجتماع خلص إلى جملة من الأمور والتعليمات والتوجيهات، وشهد تقديم نصائح أمنية من قبل وزير الداخلية» مبيناً أن «الملفات التي ناقشها الاجتماع تضمنت، السلاح المنفلت والنزاعات العشائرية وحركة العجلات المجهولة التي لا تحمل لوحات تسجيل، والمخدرات والمنافذ الحدودية، فضلاً عن الملف الأبرز وهو عمليات اغتيال بعض الناشطين والمواطنين».
وأشار، إلى أن «الاجتماع شهد التركيز على كشف اللثام عن من يقوم بهذه الجرائم والعصابات التي تقوم بالاغتيال والخطف، وفرض هيبة الدولة هو واحد من أهم المتطلبات التي نعمل عليها» لافتاً إلى أن «سياقات العمل التي ستتبع ومن خلال التنسيق ستثمر عن الوصول إلى نتائج مضية للشارع البصري».
وقال معن أيضاً، إن «هناك توجيهات بتوحيد الجهد الاستخباري ومواجهة الفساد وعدم الرضوخ لأي جهة كانت» مؤكداً أن الجهات الأمنية تلقت أوامر بـ«منع تحرك السيارات التي لا تحمل لوحات مرورية والسيارات المظللة، خاصة بعد المعلومات التي أشارت إلى أن تنفيذ عمليات الاغتيال جرى عبر سيارات لا تحمل لوحات تسجيل» مشيراً إلى أن «الحساب سيطال المفارز الأمنية التي لن تنفذ أوامر حجز تلك المركبات ومحاسبة أصحابها».
كما بيّن، أن «وزارة الداخلية سترسل لجنة تتابع وضع ضباط برتب عميد وعقيد في مراكز الشرطة لضمان إنفاذ القانون، كما ستتابع تنفيذ أوامر الاعتقال الصادرة من القضاء».
وخلّف تزايد حالات الاغتيال التي تطال ناشطين، موجة من ردود الفعل السياسية، من بينها ما اعتبره زعيم ائتلاف «الوطنية» إياد علاوي، أن أبناء محافظة البصرة يتعرضون لحملة إعدامات غير مسبوقة.
وقال، في «تغريدة» له على «تويتر» إن «البصرة تُذبح وابناؤها يتعرضون لحملة إعدامات غير مسبوقة على مرأى ومسمع من الحكومة واجهزتها الأمنية دون رقابةٍ او حساب».
في حين، دعا رجل الدين والقيادي السابق في التيار الصدري، أسعد الناصري، إلى حمل السلاح والتدرب عليه لتفويت الفرصة على «أهل الغدر والقتلة».
وكتب في تغريدة على «تويتر» أن «الخطوة الأولى حمل السلاح والتدرب عليه بشكل جيد من قبل الجميع. واتخاذ كافة التدابير في أي تحرك بما يفوت الفرصة على أهل الغدر والقتلة».
وأضاف قائلا: «وأن تكون هناك لجان أمنية ومعلوماتية تعمل على تأمين سلامة الثوار والناشطين».
كذلك، حذر رئيس تحالف «عراقيون» عمار الحكيم، من تداعيات اغتيال الناشطين في محافظة البصرة.
وقال، في تغريدة على «تويتر»: «اغتيال الناشطين في البصرة، يؤشر تراجعا أمنيا خطيرا ويثبت قدرة الفاعلين على ارتكاب فعلتهم وعدم مقدرة الأجهزة الأمنية على ردعِهم، بدورنا نحذر من تداعيات الانفلات الأمني».
وطالب «القيادات الاجتماعية والسياسية وشيوخ العشائر بالتعاون مع الأجهزة الأمنية لضمان أمن المحافظة».
موجة الإدانة لم تقف عند هذا الحدّ، بل شملت تعليقاً للسفارة الأمريكية في بغداد، حثّت فيه الحكومة العراقية على «محاسبة المتورطين بموجب القانون».
وذكرت السفارة في بيان، «تدين الولايات المتحدة بأشد العبارات الاعتداءات الأخيرة التي طالت ناشطي المجتمع المدني ومُحتجين في البصرة، بمن في ذلك عددٌ من الاغتيالات المستهدفة».
وعدت، الاعتداءات تلك أنها «انتهاك صارخ لحقوق الإنسان» فيما عبرت عن تأييدها «التزام الحكومة العراقية بمحاسبة أولئك المسؤولين بموجب القانون».
وأضاف البيان: «تُؤكد الولايات المتحدة مجدداً على دعوتها أن يتمكن الناشطون المدنيون من العيش والعمل بسلام وأمان دونما خوفٍ من أعمال انتقامية عنيفة ضد نشاطاتهم».
فيما عبّر سفير الاتحاد الأوروبي في بغداد، مارتن هوث، عن حزنه الشديد لرؤية المزيد من الاغتيالات التي تستهدف الناشطين في محافظة البصرة.
وقال هوث في تدوينة له بـ«تويتر» «أشعر بالحزن الشديد، في عشية السنة الهجرية الجديدة، لرؤية المزيد من الاغتيالات التي تستهدف الناشطين الشباب في البصرة».
وأضاف أن «إخضاع الميليشيات وجميع العصابات المسلحة للسيطرة وتقديم الجناة للعدالة هو أمر حاسم لأجل مستقبل العراق».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية