تونس ـ «القدس العربي»: عرفت الخضراء كعادتها عديد الأحداث الثقافية الهامة خلال عام 2022 الذي كان عنوانه الأبرز «استئناف النشاط بعد أزمة الكوفيد» حيث عادت بالفعل التظاهرات والمواعيد الثقافية الكبرى إلى التواجد على الأجندة الثقافية وعادت معها الحياة إلى تونس التي تعرف بأنها قطب الثقافة ومركز الحضارة في منطقة المغرب العربي. فبالإضافة إلى المواعيد الكبرى السنوية المعتادة والمدرجة في أجندة وزارة الإشراف، شهد البلد أحداثا ثقافية وتظاهرات جديدة زادت في إثراء المشهد الثقافي وخلقت حركة هامة على مدار العام ووجد التونسيون فيها ملاذهم لإشباع نهمهم وتوقهم لمختلف العروض الفنية والمعارض والتظاهرات.
بين الإلغاء والعودة
لكن بالمقابل يؤكد جل المهتمين بالشأن الثقافي في تونس على أن سنة 2022 شهدت نكبتين، أولاهما عدم تنظيم معرض تونس الدولي للكتاب وهو حدث ثقافي رئيسي ينتظره الناشرون والكتاب وهواة المطالعة بشغف كبير سنويا ومنذ عقود. ولا يوجد تفسير مقنع لهذا الشطب لحدث ثقافي بمثل هذه الأهمية من رزنامة وزارة الثقافة، ولا لهذا الإضرار بقطاع يشهد صعوبات كبرى وهو قطاع النشر. ومن المرجح، ونتيجة لهذا القرار، أن تقاطع كثير من دور النشر الأجنبية معرض تونس الدولي للكتاب بالنظر إلى عدم الانتظام في المواعيد بعد أن قررت الوزارة تنظيم دورة السنة المقبلة من المعرض في موعد مختلف عن الدورة السابقة.
أما ثاني القرارات المفاجئة التي اتخذتها وزارة الثقافة التونسية، فيتمثل في إعادة تنظيم مهرجان أيام قرطاج السينمائية ومهرجان أيام قرطاج المسرحية، أعرق المهرجانات السينمائية والمسرحية العربية والأفريقية على الإطلاق، مرة كل سنتين مثلما كان عليه الحال قبل الثورة، أي يتم تنظيمهما بالتداول سنة لهذا وسنة لذاك. وقد أثار هذا القرار موجة استياء لدى أهل الثقافة والفن وحتى لدى عشاق السينما والمسرح خشية من اندثار هذين المهرجانين العريقين من الخريطة السينمائية والمسرحية العالمية ويتم السطو على موعدهما من قبل مهرجانات أخرى حديثة شبيهة بهما تعنى بسينما المؤلف ودول الجنوب وبالمسرح الهادف والراقي.
لقد شهد الصيف الماضي عودة مهرجان قرطاج الدولي الذي شهد برمجة هامة كانت وفية لعالمية هذا المهرجان وصيته الدولي الممتاز وتحوله مع الوقت إلى مصدر فخر لفنانين تونسيين وعرب وعالميين في أحاديثهم. حيث أصبح الغناء في قرطاج أو عرض مسرحية أو مسرحية غنائية فيه بمثابة شهادة للفنان يرتقي من خلالها من درجة إلى درجة، وكم من فنان تونسي أو عربي أو عالمي ولد في قرطاج ومنها كانت شهرته وانطلاقته الحقيقية في رحاب الفن وعالم الغناء.
ومن السهرات التي نجحت جماهيريا في قرطاج هذا العام سهرة الفنان السوري نور مهنا وسهرة الفنان العراقي عازف العود نصير شما، وسهرة الفنان اللبناني راغب علامة بالإضافة إلى عرض الفنانة الجنوب أفريقية نومسيبو زيكودي صاحبة أغنية القدس أو «جيروساليما» الشهيرة التي نجحت بشكل لافت في خلق حالة من التفاعل الاستثنائي مع جمهور المسرح الأثري بقرطاج. كما شد الأنظار حفل نجمة الأغنية الفرنسية إيزابيل جيفروي المعروفة اختصارا بإسم زاز، وكذلك حفل الأخوين جاكسون من الولايات المتحدة الأمريكية.
كما شهدت السنة عودة مهرجان الجم الدولي للموسيقى السيمفونية في دورته الخامسة والثلاثين بعد غياب سنتين بسبب جائحة كورونا. وتشرف على هذا المهرجان وزارة الثقافة التونسية وتساهم في تنظيمه وزارة السياحة والديوان الوطني للسياحة ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية. ويقام المهرجان في مدينة الجم التابعة لولاية المهدية بالوسط الشرقي للبلاد التونسية وتحديدا بمسرحها الأثري والتاريخي الكبير.
وتحيي حفلات هذا المهرجان العريق فرق موسيقية سيمفونية محترفة من مختلف دول العالم وخصوصا من أوروبا، تتبع في أغلبها وزارات الثقافة في بلدانها والتي تنتقي أمهر العازفين والمنشدين أصحاب الخامات الصوتية الأوبرالية من أهم أساتذة أكاديمياتها الموسيقية. واشتمل برنامج هذا العام على عروض هامة تونسية وأجنبية لعل أهمها عرض الأوركسترا السيمفوني بفيينا النمسا وعرض الأوبرا الإيطالية وعرض الأوركسترا السيمفوني التونسي الذي افتتح المهرجان.
المناسبات الدينية
وقبل ذلك شهد الربيع عودة مهرجان المدينة الذي ينتظم في شهر رمضان المعظم في أزقة المدينة القديمة للعاصمة وخارجها وتطغى عليه الموسيقى الهادفة بما في ذلك الفن الصوفي. وقد تم افتتاح المهرجان بعرض موسيقي للفرقة الرشيدية، وهي الفرقة العريقة التابعة للمعهد الرشيدي للموسيقى التونسية أو المدرسة الرشيدية التي تأسست سنة 1934 بغاية إحياء وتطوير الإرث الموسيقي للبلاد.
ومن بين العروض التي شهدها مهرجان المدينة عرض للفنان الموسيقي العراقي محمد العطار الذي أمتع الجمهور التونسي بالتراث الموسيقي العراقي العتيق الذي يعبق أصالة وتاريخا ضاربا في القدم. كما تضمن المهرجان حفلا فنيا هاما للفنان التونسي لطفي بوشناق كتكريم لهذا الفنان الذي قدم الكثير للفن التونسي وغنى ولحن كل الأنواع الموسيقية وبرع فيها.
كما شهد العام المنقضي عودة مهرجان المولد النبوي الشريف إلى الإنتظام في مدينة القيروان وسط البلاد باعتبارها حاضرة الإسلام الأولى ليس فقط في تونس بل في كامل شمال أفريقيا ويعتبرها البعض رابعة الثلاث أي أنها تأتي في القداسة إسلاميا بعد الحرمين والقدس الشريف. ويشهد هذا المهرجان عروضا فنية صوفية ومعارض وأنشطة كارنفالية دينية تعرفها شوارع المدينة التي تعج بالزائرين القادمين من مختلف أنجاء الجمهورية ومن بلدان مجاورة بمناسبة المولد النبوي الشريف.
وبالإضافة إلى مهرجان أيام قرطاج السينمائية الذي فاز بجائزته الكبرى أي التانيت الذهبي الفيلم التنزاني «الثوار» للمخرج أميل شيفجي، عرفت تونس هذا العالم تنظيم مهرجانات سينمائية أخرى بعضها جديد وبعضها كان ينتظم سنويا لكنه توقف بفعل جائحة كورونا ومن بين هذه المهرجانات المهرجان السينمائي الدولي ياسمين بالحمامات الذي انتظم مع بداية الصائفة، ومهرجان جربة السينمائي الدولي الذي انتظم بجزيرة الأحلام، ومهرجان منارات للسينما المتوسطية الذي كان مسرحه الشواطئ المتوسطية التونسية وغيرها. كما عرف البلد خلال هذا العام مهرجانات مسرحية وأخرى دولية تعنى بالتراث والعادات والتقاليد، ومعارض للفن التشكيلي والكتب، وندوات شعرية وأدبية عديدة، أظهرت أن تونس تتنفس ثقافة ولا يمكن لشعبها مهما بلغت مشاكله أن يتخلى عن الثقافة وعن دوره الحضاري في منطقته في هذا المجال.
مهرجانات متنوعة
وشهد المغرب هذا العام عودة لتنظيم المهرجانات والأنشطة الثقافية بعد أن توقفت الحياة الثقافية تماما طيلة سنتين، وتم تنظيم المهرجان الدولي للسينما والهجرة في مدينة أغادير خلال شهر حزيران/يونيو، وعرضت في هذا المهرجان أفلام تتناول موضوع الهجرة وتداعياتها الاجتماعية والنفسية والأسرية. كما عاد المهرجان الدولي للفيلم بمراكش خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر بالإضافة إلى مهرجانات سينمائية أخرى يعتبر مهرجان مراكش هو الأهم من بينها.
كذلك استعادت الدار البيضاء مهرجانها للجاز خلال شهر تموز/يوليو والذي قدمت فيه عروضا لفنانين من أمثال جيلبرتو جيل ومولاتو أستاتكي وإبراهيم معلوف. كما استعادت مدينة فاس مهرجانها للموسيقى الروحية وذلك خلال شهر حزيران/يونيو وقد أقيم هذا العام تحت شعار «المعمار والمقدس» ولاقت عودته استحسان عديد الأطراف. وشهدت مدن الصويرة ومراكش والرباط والدار البيضاء عروضا ضمن مهرجان موسيقى «كناوة» وذلك خلال شهر حزيران/يونيو، وهو فن تعود جذوره إلى العبيد القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء، وأصبح لاحقا جزءا من التراث الفني المغربي.
كما شهدت السنة المنقضية 2022 تنظيم المهرجان الدولي «مسرح وثقافات» وذلك خلال شهر ايار/مايو، وقد شهد عدة عروض مسرحية لافتة وتجارب تستحق التثمين والثناء. وتم أيضا تنظيم المهرجان الثقافي الدولي الأول للفن التشكيلي وذلك بحضور عدد لافت من فناني العالم من مختلف المدارس التشكيلية. وعاد المعرض الدولي للكتاب والنشر بعد سنتين من التوقف وقد احتضنته مدينة الرباط عوضا عن الدار البيضاء وذلك بشكل استثنائي باعتبار أن الرباط عاصمة للثقافة الأفريقية.
عروض في كل مكان
وفي الجزائر شهدت السنة المنقضية عودة بعض الأنشطة الثقافية فانتظم في نهايتها مهرجان الجزائر للسينما الذي كَرّم في ختام دورته الحادية عشرة جمعية «شاشات لسينما المرأة الفلسطينية». وشارك في المهرجان 60 فيلماً بين روائي ووثائقي وقصير وضمت المسابقات الرسمية 25 فيلما، من بينها فيلم «إخواننا الجرحى» للمخرج هيلير سيستيرن والمأخوذ عن رواية فرنسية تتناول شخصية فرناند إيفتون الذي تم إعدامه في 1957 بسبب مساندته لثورة التحرير الجزائرية.
كما تم تنظيم مهرجان المسرح المحترف في دورته الخامسة عشرة ورصد المهرجان جوائز في مختلف المهن المسرحية، منها التمثيل، والسينوغرافيا، والإضاءة، وغيرها. والتأمت الفعاليات بالمسرح الوطني الجزائري بمشاركة المسارح الجهوية، والمسارح الولائية، وشهد تنافسا بين عشرة أعمال مسرحية من أجل جوائزه.
كما تم نهاية العام تنظيم مهرجان «الليالي الدولية لمسرح الصحراء» في مدينة أدرار، وقدمت العروض المسرحية في فضاءات صحراوية مفتوحة، فوق الكثبان الرملية وبين واحات النخيل وداخل المغارات والقصور القديمة. وشاركت في هذا المهرجان فرق مسرحية من 16 بلداً عربياً وأجنبياً تتنافس على 11 جائزة.
وفيما يتعلق بالموسيقى شهد شهر حزيران/يونيو احتضان مدينة وهران الدورة الـ12 للمهرجان الثقافي الوطني للراي بمشاركة 21 فنانا جزائريا، تحت شعار «وهران في القلب». كما تم تنظيم مهرجان ثان بالتوازي مع مهرجان الراي، بعنوان «المهرجان الثقافي المحلي للموسيقى والأغنية الوهرانية» والذي جمع 20 فنانا من قامات الأغنية الوهرانية، على غرار معطي الحاج وهواري بن شتات.