لا جملة تكتمل في مصر، إلا بالإخوان، وكل تأييد يصدر للسيسي لا يتضمن التخويف من الإخوان فهو أبتر (أي مقطوع)!
في أسبوع واحد اكتملت الجملة في حالتين، الأولى على لسان نائبة في البرلمان، مقربة من دوائر الحكم العليا، وكل نواب البرلمان بغرفتيه جرى اختيارهم بالواحد و(على الفرازة)، بأن قالت الإخوان تغلغلوا في ماسبيرو، ثم كان ذكرهم في المقابلة التلفزيونية لـ “الفكر الكبير” إبراهيم عيسى على قناة “أون”، المملوكة للجهات السيادية، والتي وضعت يدها عليها، بعد اجبار صاحبها نجيب ساويرس على بيعها لهم، دون معرفة حقيقية بالمبلغ المدفوع، حتى من باب دفع الضرائب المستحقة عليه، الأمر الذي يرجح أنه اعتمد المثل القائل: “إذا جاءك الغصب دعه يمر بجميلة”، والمعنى أنك إذا رأيت قوة تريد أن تسطو على شيء من أملاكك، فقدمه لهم “عربون محبة” عن طيب خاطر، فجميلة هنا من “الجمايل”!
ومن هذا المنبر المملوك لأولي الأمر منهم كانت استضافة إبراهيم عيسى، الذي قال إن السيسي هو الضمانة الوحيدة لعدم عودة الإخوان للحكم. هذا ناهيك عن حلقة الذكر التي ينصبها وزير النقل الجنرال المهيب الركن كامل الوزير، عن الموظفين الإخوان الذين يسيطرون على السكة الحديد، وقد احتشد البرلمان فأصدر قانوناً بفصل الإخوان من الوظائف العمومية، وإذ وقعت حادثتان في أسبوع واحد لقطارات الهيئة، فقد كانت مناسبة جيدة لمواصلة حلقة الذكر المنصوبة. و”المقطع الأخير” الخاص بالوزير هو خارج الاختصاص الوظيفي لهذه الزاوية!
تغلغل، غلغلة، فهو متغلغل، وقالت النائبة إن الإخوان متغلغلون في ماسبيرو، لتذكرنا بإعلان تلفزيوني قديم عن مبيد حشري، قاتل للناموس والحشرات، جاء في الدعاية له، أنه يتغلغل، وينتشر، ويتوسع، ويقتل. وها هم الإخوان وقد تغلغلوا في مبنى ماسبيرو، وقد وجب اجتثاثهم، ومهدت النائبة لهذا، وبعد القانون الذي يعطي السلطة فصل العنصر الإخواني من الوظيفة، فأي إخوان هم الذين تغلغلوا في هذا المبنى، الذي هو تحت عين السلطة بأجهزتها الأمنية منذ النشأة والتكوين؟ باعتبار أن الثورة لا تكون إلا بإذاعة البيان الأول لها عبر الإذاعة والتلفزيون، حتى لو اكتفى الثوار والمنقلبون من ثورتهم وانقلابهم بهذا البيان، وبنهايته عادوا يستكملون نومهم، فلا انقلاب بغير هذا البيان، حتى لو تمت السيطرة على كل مؤسسات الدولة!
ولهذا كان طبعياً التضخم الورمي لقطاع الأمن بالمبنى، وصار أهم من القطاعات الأخرى، بما فيها قطاع التلفزيون، أو قطاع الأخبار، والذين كانوا يتابعون هذه الزاوية قبل الثورة، قرأوا عن ما كتبته عن تضخم هذا الجهاز.
فضلا عن أن التعيين في المبنى لا يكون إلا بعد تحريات أمنية دقيقة، ولهذا عندما قال صلاح عبد المقصود وزير الإعلام في نهاية عهد الرئيس محمد مرسي، في مقابلة على “الجزيرة مباشر”، إنه بحث عن الإخوان في مبنى ماسبيرو، فلم يجد سوى ثلاثة فقط، من بين أكثر من أربعين ألف موظف، اعتبرت ما قال هو من علامات جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، وعضال الداء. أن تذهب به الأماني بعيداً إلى حد أن يسأل عن الإخوان في هذا المبنى، فالخبر – بطبيعة الحال – هو في وجود ثلاثة من الإخوان في ماسبيرو، ليكون السؤال كيف تسربوا اليه؟!
فلم يكن من المناسب أن يبحث عن الإخوان داخل ماسبيرو، فقد كان ينبغي أن يحيط نفسه بالمضطهدين وظيفيا فيه، ومن أدركتهم سُنة الثورات فالتحقوا بثورة يناير، وطردوا عدوها عبد اللطيف المناوي، رئيس قطاع الأخبار، على غير إرادة المجلس العسكري الحاكم!
لكن من الواضح أنه كان يبحث عن العدد اللازم لإقامة صلاة الجماعة، ولهذا فقد كان الترقي في عهده من عناصر الدولة العميقة، ولم يرفع حجراً من مكانه، حتى محمد الغيطي استمر رئيساً لمجلة الإذاعة والتلفزيون!
التمهيد للتخلص من ماسبيرو
ولم نسمع أن عبد المقصود جلب الإخوان للتعيين في المبنى، فمن أين سيأتي بالكفاءات، وهم كان ممنوع عليهم العمل في هذا المجال، ولهذا فإن الحديث عن التغلغل الإخواني في مبنى ماسبيرو، يمهد لما هو قادم! والمعنى، في ما قالته النائبة لم يكن في بطن الشاعر فقط، فهو معروف للجنين في بطن أمه، وهو التخلص من ماسبيرو؛ مبنى وإرسالا وشاشات وعمالا، لأن المكان الذي يقع فيه المبنى على كورنيش النيل، وفيه الطمع، وهو يقع في مثلث ماسبيرو الذي بدأ اخلاؤه من السكان قبل سنوات، لتسليمه لصاحب الحظ والنصيب، ولهذا فقط قلت من قبل، إن الأمر لن يتوقف على مجرد اخلاء هذا المبنى التاريخي، لكن سيمتد إلى مؤسستين صحافيتين، حيث مباني “الأهرام” و”أخبار اليوم، التي تقع ضمن زمام مثلث ماسبيرو، الواقع في قلب القاهرة، والذي يطل جانب كبير منه على النيل، ويقع الجانب الأكبر بالقرب منه!
ولا يمكن تحقيق الهدف الأسمى بإخلاء مبنى ماسبيرو من سكانه، إلا بتقليص جيش الموظفين، ليسعهم مبنى في مدينة الإنتاج الإعلامي، ومن هنا كان الحديث عن التغلغل الاخواني، ولن ينال فقط من الإخوان أو المتعاطفين معهم، لكن سيمتد إلى غيرهم، ولن يكون الأمر جديداً فأمام المحاكم وجهات التحقيق يحاكم يساريون وخصوم للإخوان بتهمة الانتماء للجماعة الإرهابية، أو التعاون مع جماعة إرهابية لتحقيق أغراضها!
ثم إن أهل الحكم، وقد وضعوا أيدهم على كل القنوات التلفزيونية في القطر المصري، عدا “تن” المملوكة للإمارات، و”صدى البلد” المملوكة لمحمد أبو العينين، فهم زاهدون في الإعلام الرسمي التقليدي، نظراً لنزيف الخسائر وعدم وجود الإرادة الحقيقية لتطويره، لأنهم يدفعون بالتعساء في المهنة لتولي المناصب العليا فيه، ومن هنا يأتي الحديث عن التغلغل الإخواني في مبنى ماسبيرو، في بلد يتعاطى العقار المسمى بالإخوان قبل الأكل وبعده!
ولهذا جرى استدعاء إبراهيم عيسى لمقابلة في قناة “أون”، وقبلها وربما بعدها كانت مقابلة أخرى على قناة “الحياة” لفت انتباهنا اليها “حافظ المرازي”، وقد تم تقديم عيسى بأنه “المفكر الكبير”، وكان واضحاً أن اللقب لطريقة الجلوس، وماذا في المفكر، إلا هيئته عندما يجلس!
لقد قال عيسى في “أون” إن السيسي هو الضمانة الوحيدة لعدم عودة الإخوان للحكم، وليس المجتمع أو مؤسسات الدولة، فأثبت بذلك أن ابعادهم عن الحكم، لم يكن بإرادة هذا المجتمع لكن بقرار من شخص عبد الفتاح السيسي، فثورة هذه أم انقلاب؟!
والخيبة الثقيلة إنه بعد ثماني سنوات من الانقلاب والسيطرة على مفاصل الدولة، وكل الإعلام، واحتكار المشهد السياسي، يظل الإخوان هم البديل الشرعي، الذي لا يمنعه من العودة سوى وجود السيسي، فماذا لو مات عبد الفتاح السيسي، والموت علينا حق؟!
إن البؤس لم يتجل في الخطاب وحده، لكن أيضاً بهذا الاستدعاء ليحل إبراهيم عيسى ضيفاً على قناتين، وهو مقدم برنامج على قناة ثالثة مصرية “القاهرة والناس”، فضلا عن برنامجه على قناة “الحرة”، حيث تلف إدارات “الحرة” المتعاقبة حول نفسها، فتبدأ وتنتهي به، الإدارة الجديدة تبدأ بوقفه، قبل أن تعدل عن قرارها، وكذلك فعل السيسي معه!
وهذا الاستدعاء الكبير، هو لتحمل الفشل، والتفريط في التراب وماء النيل، حتى لا يعود الإخوان للحكم. وقد نسواً تأثير هذه الرسالة في الاتجاه الآخر، فقد يستعد خصوم الإخوان لهذه اللحظة، بالتقرب لجبر ما كسر، وفي بلد شعار قطاع كبير من الناس فيه، وقوع البلاء أفضل من انتظاره! انه خطاب الفشل
* صحافي من مصر