بيروت- “القدس العربي”:
ما زال ملف ترسيم الحدود البحرية في صدارة الاهتمامات بعد دخول الباخرة “إينرجين باور” المنطقة المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل، ما استدعى استنفاراً لبنانياً لمواجهة الاعتداء الإسرائيلي على حقوق لبنان، خصوصاً أن السفينة ستنقب عن النفط والغاز لمصلحة إسرائيل في حقل “كاريش”.
وفي وقت بقيت الانتقادات تطال رئيس الجمهورية ميشال عون بسبب عدم توقيعه المرسوم 6433 الذي يؤكد على الخط 29 واعتباره في مقابلة صحافية الخط 29 خط تفاوض، فقد بحث الرئيس عون مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي صباح الاثنين في الخطوات الواجب اتخاذها لمواجهة محاولات العدو الإسرائيلي توتير الأوضاع على الحدود البحرية الجنوبية.
وبحسب بيان للمكتب الإعلامي لميقاتي فقد توافق الرئيسان “على دعوة الوسيط الأمريكي أموس هوكشتاين للحضور إلى بيروت للبحث في مسألة استكمال المفاوضات لترسيم الحدود البحرية الجنوبية والعمل على إنهائها في أسرع وقت ممكن، وذلك لمنع حصول أي تصعيد لن يخدم حالة الاستقرار التي تعيشها المنطقة. وتقرر القيام بسلسلة اتصالات ديبلوماسية مع الدول الكبرى والأمم المتحدة لشرح موقف لبنان، وللتأكيد على تمسكه بحقوقه وثروته البحرية، واعتبار أن أي أعمال استكشاف أو تنقيب أو استخراج تقوم بها إسرائيل في المناطق المتنازع عليها، تشكل استفزازاً وعملاً عدوانياً يهدد السلم والأمن الدوليين، وتعرقل التفاوض حول الحدود البحرية التي تتم بوساطة أمريكية وبرعاية الأمم المتحدة، وفق ما ورد في المراسلات اللبنانية إلى الأمم المتحدة والمسجلة رسمياً”.
وكانت مصادر قريبة من قصر بعبدا ذكرت أن رئيس الجمهورية ينتظر تقرير قيادة الجيش حول مكان تمركز الباخرة اليونانية المكلفة بدء الحفر في حقل “كاريش”، ليُبنى على الشيء مقتضاه في ظل أنباء أن السفينة لم تتجاوز شمال الخط 29.
على خط مواز، وبعدما أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين أن الوزير عبد الله بوحبيب سيستدعي سفراء الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن لإبلاغهم موقف لبنان الرسمي من التحرك الإسرائيلي الاستفزازي، وزعت دوائر الخارجية لاحقاً خبر اعتذار عن إلغاء الموعد.
على الخط الإسرائيلي، أوردت صحيفة “هآرتس” أن “الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الوزراء نجيب ميقاتي اتهما إسرائيل بانتهاك سيادة لبنان على مياهه الإقليمية، بعد أن دخلت منصة حفر غاز إسرائيلية جديدة منطقة بحرية متنازعا عليها بين البلدين”. وأشارت إلى “أن “شركة الطاقة البريطانية اليونانية Energean، التي تمتلك حقوق حقول غاز كاريش منذ عام 2016، أقامت الحفارة يوم أمس، على بعد حوالي 80 كم غرب حيفا”، موضحةً أنه “في الأيام المقبلة، سيربط العمال المنصة برواسب الغاز ومن المتوقع أن يبدأ تشغيل الحفارة في الأشهر الثلاثة المقبلة”.
وذكرت “أن البحرية الإسرائيلية تقوم بتأمين الحفارة منذ خروجها من قناة السويس. وفي الأسبوع الماضي، وافقت لجنة الاقتصاد في الكنيست على لوائح تحظر الحركة البحرية في دائرة نصف قطرها حول منصة الحفر – كما هو معتاد مع منصات التشغيل”، لافتة إلى أن “لبنان يزعم أن البوارج البحرية الإسرائيلية موجودة بالفعل في مواقع تحمي الحفارة، حتى قبل أن يتم توصيلها بمكامن الغاز”، وأكدت الصحيفة أن “إسرائيل قالت في وقت سابق إن أي ضرر يلحق بمنصات الغاز الخاصة بها سينظر إليه على أنه إعلان حرب”، مضيفة “أن مسؤولي دفاع إسرائيليين أبلغوا لبنان مؤخرًا أن منصة الغاز الجديدة ستبدأ العمل في المنطقة قريبًا، ويعتقدون أنه لا توجد نية لمهاجمة الحفارات أثناء الأشغال”. ورأت أن “إسرائيل لم ترد رسمياً على المزاعم اللبنانية، وليس لديها في الوقت الحالي أي نية للقيام بذلك، لتفادي إضفاء الشرعية على الادعاء بأن المنطقة متنازع عليها بالفعل”.
وكان رئيس جهاز العلاقات الخارجية في “القوات اللبنانية” الوزير السابق ريشار قيومجيان غرد عبر حسابه على “تويتر”: “يتناسى المسؤولون اللبنانيون عمداً أن هناك قانوناً دولياً والمرسوم ٦٤٣٣ يحدد المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان وحدوده البحرية الجنوبية”. وسأل “لماذا حتى الآن لم يوقع الرئيس ميشال عون مرسوم التعديل المقترح عليه وإيداعه الأمم المتحدة ليصبح الخط ٢٩ نقطة انطلاق التفاوض للبنان؟”، مضيفاً “يذكرنا الأمر بمزارع شبعا التي بالقانون الدولي وعند الأمم المتحدة تخضع للقرار ٢٤٢، لليوم سوريا ترفض توثيق أن المزارع لبنانية وليست سورية”. وختم “وَهم رفع العقوبات عن أتباع العهد الفاسدين مقابل التسليم بالخط ٢٣ يحاكي كذبة بقاء سلاح حزب الله لتحرير مزارع شبعا. جريمتكم كبيرة بحق اللبنانيين”.
وبانتظار حضور الموفد الأمريكي إلى المنطقة، فإن التصعيد الإعلامي يتخذ في لبنان أبعاداً سياسية داخلية، تأتي في سياق المزايدات، كأن يدّعي خصوم “حزب الله” بأنه عاجز عن الدفاع عن ثروة لبنان، بينما اعتمد الحزب المذكور معادلة: نحن خلف الدولة اللبنانية التي تقع مسؤولية الترسيم وتحديد الحقوق على عاتقها.
ويعتقد خبراء أن خطوات إسرائيل قد تدفع إلى بت الملف الحدودي، وتوجّه لبنان إلى استثمار ثرواته فعلياً بعد تلكؤ وتهرّب شركة “توتال” من بدء العمل في الحقول اللبنانية، بانتظار الترسيم وإزالة المخاطر البحرية على حدوده الجنوبية.
وأمام الواقع اللبناني الحالي والبدء الإسرائيلي بالتنقيب عن الغاز، أطلقت القيادات اللبنانية البيانات والتصريحات المنددة بالإجراءات الإسرائيلية في حقل “كاريش”.
فقد اعتبر الأمين العام للتنظيم الشعبي الناصري النائب الدكتور أسامة سعد في بيان، أن وصول “سفينة إينرجيان باور لاستخراج الغاز الطبيعي إلى حقل كاريش البحري، وتجاوزها الخط 29 الذي من المفترض أنه يشكل الحدود الجنوبية للمنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، واقترابها إلى مسافة 5 كلم من الخط 23، يمثل اعتداءً على سيادة لبنان وتهديداً لثروة الشعب اللبناني من النفط والغاز”.
ورأى أن “السلطة الحاكمة في لبنان قد أظهرت، في المقابل العجز عن حماية لبنان وثروته النفطية والغازية”. وقال: “المشاورات بين أركان السلطة لم تسفر إلا عن الاستنجاد بالوسيط الأمريكي في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة آموس هوكشتاين، ومطالبته باستئناف وساطته، وذلك على الرغم من الانحياز الأمريكي الكامل للجانب الإسرائيلي في مفاوضات الترسيم السابقة، الأمر الذي أدى إلى فشلها”.
وتابع: “ما سبقت الإشارة إليه يدفع إلى التساؤل عن نوع المساومات أو التنازلات التي قد تقدم عليها السلطة اللبنانية في أي مفاوضات جديدة حول ترسيم الحدود البحرية الجنوبية؟”.
من جهته، دعا النائب في البرلمان اللبناني محمد يحيى في بيان، إلى “حشد القوى من جيش وقوى أمنية ومقاومة، وبحضانة شعبية واسعة، حماية للحقوق اللبنانية في الغاز والنفط، وذلك بعد أن مارس الكيان الصهيوني العنصري عدوانا جديدا باستقدام الباخرة energean power التي تعمل في استخراج الغاز المسال، والتي تجاوزت الخطوط الحمراء من الخط 29 واقتربت من الخط 23، وكلها مواقع ثروات طبيعية لبنانية في البحر”.
ورأى أن “هذا العدوان يوجب ما يلي:
1- توقيع المرسوم رقم 6433 الذي يثبت حق لبنان بالخط 29 كما هي خرائط الجيش اللبناني، والموازية للحدود البرية اللبنانية الفلسطينية.
2- التحرك الدبلوماسي السريع من قبل وزارة الخارجية اللبنانية من خلال سفير لبنان في الأمم المتحدة، والسفراء في الدول الصديقة، في أوسع تحرك ضاغط لردع العدو عن تماديه، وإلا سيكون ما لا تحمد عقباه.
3- في حال أقدم العدو الصهيوني على أي خطوة تصعيدية لجهة اغتصاب الحقوق اللبنانية، عندها لا خيار سوى التصدي لهذا العدوان السافر بكل أشكال المقاومة دفاعا عن ثروات لبنان التي تؤسس لحياة كريمة لأجياله”. وختم داعيا النواب والوزراء وأصحاب الفخامة والرؤساء، ومعهم كل قوى لبنان، إلى أوسع حشد”.
كما شدّد النّائب ميشال معوض على أنّ “ما يحصل في ملف حقل كاريش هو أوّلًا نتيجة تآمر محور الممانعة على سيادة لبنان وحقوقه، من التّواطؤ مع النظام السوري لإبقاء مزارع شبعا، مرورًا برفض ترسيم الحدود الشرقية والشمالية، وصولًا إلى تعليق التّوقيع على المرسوم 6433”.
وأشار، في تصريح على مواقع التّواصل الاجتماعي، إلى أنّ “ثانيًا، هو نتيجة تقاعس المسؤولين اللّبنانييّن عن القيام بأبسط واجباتهم الدّستوريّة، واعتماد القانون الدّولي والدّبلوماسيّة لحماية الحقوق اللّبنانيّة”، مؤكّدًا أنّ “البكاء على الأطلال لن ينفع، وخريطة الطريق معروفة… المساومة على حقوقنا جريمة”.
وردّ التيار الوطني الحر على الاتهامات الموجهة إلى العهد ورئيسه بإجراء مقايضة ما بين عدم توقيع المرسوم 6433 حول الخط 29 لترسيم الحدود البحرية الجنوبية وبين رفع العقوبات الأمريكية عن رئيس التيار النائب جبران باسيل، فلفت في بيان إلى أنه “حيال حفلة المزايدات في ملف ترسيم الحدود البحرية بما يفضح جهل البعض وسوء نوايا البعض الآخر، وإزاء الكذب والتضليل، يؤكد التيار ما يلي:
إن رئيس التيار النائب جبران باسيل هو من طالب باعتماد معادلة “لا غاز من كاريش من دون غاز من قانا.
إن الخط الذي اعتمدته رسمياً الدولة اللبنانية منذ عشر سنوات وطالبت به بكل مكوناتها ومؤسساتها هو الخط 23 ومنذ ذلك الوقت وإسرائيل تعمل في كاريش من دون اعتراض. أما مَن حذّر من خطورة الأمر فهو رئيس التيار في مؤتمر صحافي عام 2013، وكان في حينه وزيراً للطاقة.
إن الخط 29 اعتمده الفريق اللبناني كخط تفاوض، ولا يمكن لرئيس الجمهورية أو غيره اعتباره خطاً رسمياً للبنان من دون اعتماده بقرار ومرسوم من الحكومة اللبنانية.
إن أصحاب حملة المزايدات يجب أن يعرفوا أن تثبيت أي معادلة توازن بالخطوط أو الحقول يستوجب الاتكال على معادلة القوة مع إسرائيل والتي فرضتها المقاومة”.
أما النواب التغييريون فعقدوا مؤتمراً صحافياً في مجلس النواب وتحدث باسمهم النائب ملحم خلف الذي قال “إن ثروات وطننا هي حقٌّ للشعب اللبناني وللأجيال الصاعدة. وما نعايشه من استباحة لحقوقنا كمواطنات ومواطنين، ومن تعثر مشبوه غير مبّرر لتعديل المرسوم 6433/2011 حفاظاً على ما نملكه من مقومات بيئية واقتصادية، أمر يثير الارتياب، لقد ولَّى زمن إعلاء الصوت فقط، فالثقة التي أولانا إياها الشعب اللبناني في صناديق الاقتراع أمانة دون سقف، سوى الحقيقة والحقيقة فقط”.
وأضاف “ما نحن بصدده اليوم هي إشكالية خطيرة، يتمّ التلاعب بها منذ سنوات طويلة، عنينا بها ترسيم الحدود البحرية في جنوب لبنان دون أن ننسى تلك التي في الشمال أيضاً، وخصوصاً في ما يُعنَى بعدم تعديل المرسوم 6433، بما يعيد للبنان حقَّه بـ 1430 كلم2 في العمق”، ودعا “إلى اتخاذ قرارات فورية نظراً لتوفر حالة الضرورة التي تستوجب العجلة الماسة وهي: الطلب من السلطة التنفيذية توجيه كتاب إنذار للشركة ENERGEAN أو أي شركة أخرى قد تتعاقد مع العدو لاستخراج الغاز والنفط من ضمن المنطقة المشمولة بالخط 29، تقديم شكوى ضد العدو الغاصب أمام مجلس الأمن بسبب إعطائه الإذن باستخراج النفط والغاز من حقل مشمول بالخط 29، مما يعرّض السلم والأمن الدوليين للخطر، توجيه رسالة اعتراض ضد إسرائيل إلى أمين عام الأمم المتحدة على أن يتم تدوينها في سجلات شعبة شؤون المحيطات وقانون البحار التابعة للأمم المتحدة وعلى موقعها الإلكتروني”.