“غادة عويس”… حوالينا لا علينا!

حجم الخط
27

ليست مذيعة، ولكنها مقاتلة تقف على خط النار، قد تربك ضيوفها بمقاطعتها لهم، لكنها في الأخير، لا تسمح بتمرير رسائل غير صحيحة أو تفتقد للجدية، فيا ويله، يا ظلام ليله، من يندفع للمشاركة في فقرة تديرها، فيأخذ الأمر باستخفاف، فلا “يذاكر” موضوعه، ويعد دفاعه، ويستعد للمهمة كما ينبغي، إنه لا يقدم على هذا إلا من ذنب أصابه، لأنه سيكون عبرة، وسيصبح عند المشاهدين ذكرى!
إنها مذيعة قناة الجزيرة غادة عويس، التي لا أعرف خلفيتها الصحافية، فما عاد موقع “الجزيرة نت” ينشر معلومات عن المذيعين والمذيعات، ومن فرط انحيازي للصحافة المكتوبة، فلا أظنها إلا وقد بدأت حياتها المهنية فيها، والمذيعين الذين مارسوا المهنة فيها، لا بد وأن تكون قد طبعت بصمتها عليهم، فلن يكون هو من “المذيعين الألة”، الذين يطلق عليهم في غرف الأخبار “الحنابلة” من فرط تمسكهم بالنص، ومن خلال التوجيه الذي يأتيه عبر السماعة، التي لو تعطلت، لفقدوا القدرة على مجرد النطق!
ولا يمكن أن تقوم “غادة عويس” بهذا الدور: “قاطع طريق”، أمام من يريد أن يمرر دفعاً متهافتاً، أو معلومة غير دقيقة، إلا بالمامها بالموضوع الذي تناقشه، وحضورها الذهني على الشاشة، انظر اليها وهي تدير حواراتها، إنها تبدو كمن يقف في سوق اللصوص يخشى من أن يتعرض لعملية “نشل”، فتبدو عينيها في منتصف رأسها، هكذا يقولون في الصعيد.
وعندما تنتهي من فقرتها، يتخيلها المشاهد، وقد خرجت من حلبة مصارعة، ولا تنسى وهي تغادر أن تعطي أوامرها “لم الزجاج المكسور يا بني”، أو “لم الجثث”. وهي في الوضع هذا لا تميز بين ضيف وآخر، وهو ما يسبغ أداءها بالموضوعية، حد الحياد، من حيث المقاطعة، وإن تمت بدافع السؤال، أو طلباً للتوضيح، أو نفياً لكلام غير صحيح!
وفي الأسبوع الماضي كانت تدير فقرة في برنامج “الحصاد”حول ما يجري في سيناء بعد العملية التي راح ضحيتها كل الأفراد في كمين بالجيش، وبقيادة ضابط في بداية السلم الوظيفي “ملازم أول”، في حين أن الآخرين كانوا جنوداً مجندين، أحدهم “بلدياتي” من “جهينة”، رحم الله الجميع، وألهم ذويهم الصبر الجميل.
وقد استمعت للفقرة عبر “الراديو” في البداية، قبل أن أشاهدها بعد ذلك، وبعض المشاهدة تفقدك جزءاً من التركيز، ولم يكن هناك جديد فهذه “غادة عويس” بطريقتها في إدارة فقراتها بالطريقة التي عرفت بها، إذ تستطيع أن تتعرف عليها من بين قبيلة من المذيعات وتميز صوتها من بين ألف صوت!

“الحصاد” من دم ولحم

ولا يغيب عن متابع، أن برنامج “الحصاد” اليومي بـ “الجزيرة”، بات علامة مميزة لها، فالهمة في إعداده يلمسها المشاهد ويحسها، إن فقراته ليست حشواً، وإن تقديمه ليس “سد خانة” وملء هواء إنه برنامج من لحم ودم. عندي اعتقاد قديم في ما يختص بالصحافة الورقية، هو أن القارئ يشعر إن كانت الصحيفة جرى تحريرها بنشاط وحب، أم أن تحريرها تم كـ “تأدية واجب”، وأظن أنه صالح عند تقييم البرامج التلفزيونية، ولا يخفي على المشاهد مثلاً أن عودة البرنامج الصباحي، كان تطويراً في الشكل، وبزيادة جرعة الأداء التمثيلي، ولافتقاد موهبة التمثيل في الممثلين، فسرعان ما يتسرب إليك الملل فتغادر سريعاً، في طفولتنا كنا نقوم بأدوار المذيعين، نعتلي “مصطبة” أمام أحد البيوت، ونقول “مشاهدينا الأعزاء”، وهو “الخطاب المعتمد في التلفزيون والإذاعة المصرية”، ودورنا هو فقرة ربط، ليس فيها من أعمال المذيع، إلا “مشاهدينا الأعزاء”، وقد تم إلغاء وظيفة “مذيعة الربط”، بعد حصول مذيعة على حكم قضائي بعودتها لذات المسمى الوظيفي، وكانت رئيسة التلفزيون الراحلة “سهير الإتربي”، قد أوقفت إحدى المذيعات عن الربط، وأبطلت المحكمة القرار، فلغت المسمى الوظيفي كله، وكانت حجتها يومها إن قناة “الجزيرة” لا تعتمد مذيعات الربط. كانت يرحمها الله “إمرأة صعبة” في الإدارة، كما أن “غادة عويس” صعبة في التقديم!
بدأت فقرة “الحصاد” بتقرير محكم، لـ “رأفت الرفاعي” حمل عنوان “دم ونار”، وبدأه باعلان تنظيم القاعدة مسؤوليته عن الهجوم على النقطة العسكرية الخاصة بالجيش المصري في شمال سيناء. واعتمد التقرير على معلومات عن الحادث أدلى بها المتحدث العسكري، ومن بينها أن سبعة من المسلحين لقوا حتفهم أيضاً، فلم يكن الضحايا فقط في صفوف الجيش. وإن كان ما جرى هو من العمليات الكبيرة لتنظيم الدولة!
وذكرنا “الرفاعي” أن الحادث بعد عام من انطلاق المرحلة الثانية للعملية الشاملة في سيناء، وقد طلب السيسي من القائد العسكري أن ينجزها في ثلاثة شهور، فاستأذنه في وقت اضافي، لكن لم يكن يُعتقد وقتها أن الوقت الاضافي يمكن أن يستمر لعام كامل، مع أن عبد الفتاح السيسي قرر استخدام ما أسماه بـ “القوة الغاشمة”!

الانقضاض ما بعد التسخين

تحدث ضيف الحصاد زميلنا “مجدي شندي” حتى سكت، فلم تقاطعه، فهل كانت في مرحلة تسخين، للاستعداد لمرحلة الانقضاض.. ربما!
صاحبنا قال إنه لو كانت هذه العملية قرب الدوحة ما كان يمكن التعبير عنها بهذه السياسة!
هناك اعتقاد راسخ لدى بعض الضيوف، أنه يمكنك أن تحرج مذيع الجزيرة، إذا اقتربت من الدولة القطرية بشطر كلمة، عندئذ يتصبب المذيع عرقاً، ويعامل ضيفه برقة، حتى لا يعرضه لمزيد من الإحراج!
وكنت أتفهم هذا الاعتقاد في السنوات الأولى، لانطلاق قناة “الجزيرة” وعندما كان يُنظر لقطر على أنها واحدة من دول الخليج، حيث النقد فيها محرم، وهو اعتقاد قديم وراسخ، مع أن برلمان الكويت مثلاً، كان أشد وطأة من برلمانات عريقة في المنطقة!
في البداية كان بعض الضيوف يذكرون بالقاعدة الأمريكية في قطر، ولم ينتبهوا أنه لم يحدث ولا مرة أن قاطع مذيع لـ”الجزيرة” ضيفه وهو يذكر القاعدة، أو يهاجم أهل الحكم في قطر، ولم نسمع أن مذيعاً جرى تشليحه لأنه سمح بتمرير هذا الكلام. وذات مرة تطوع فيصل القاسم وقال لأحد ضيوفه أنت تريد أن تقول إن الجزيرة تنطلق من بلد فيه القاعدة الأمريكية؟ فكان الضيف واعياً بأنه حديث يدخل في باب النضال المجاني، فرد على فيصل: أنه لم يتحدث في هذا الموضوع!
قبل أن ينتهي من إلقاء دفاعه، حمل زميلنا “شندي” على التقرير، وسعى لوضع غادة “في خانة اليك”، بأن قال لها أنت تقولي أن الجنود لم يتدربوا، فهم تدربوا ليس لستة أسابيع فقط، كما تقولين (لم يحدد المدة وفترة التجنيد كاملة هي لسنة واحدة لحملة المؤهلات العليا، وسنتان للمؤهلات المتوسطة، وثلاث سنوات لمن دون ذلك)!
وفي الأولى قالت ماله التقرير؟ تقرير مهني مثل أي تقرير في أي محطة. وفي الثانية ردت: هم قالوا، أنا لم أقل إن التدريب لستة أسابيع.
بيد أن شندي أرجع أن الحادث ليس بسبب عدم التدريب الكافي للجنود، ولكن لأن مصر تواجه ارهابا بلا أخلاق! (جاري البحث عن الارهاب الذي يتحلى بحسن الخلق)!
عندما علقت، كان واضحاً أن فترة “التسخين” التي تسبق المباراة قد انتهت، ومع بداية اعطاء الكلمة للناشط السيناوي “عيد المرزوقي”، الذي أوشك أن يكون ضحية أيضاً لولا أنه كان مستعداً لذلك، و”عيد” يده في النار، وليس في الماء، باعتباره واحداً من أبناء القبائل السيناوية، وهو إنسان بسيط، لكنه عميق في فهم هذا الملف.
قال “عيد المرزوقي” هذه ليست حرباً على الإرهاب لأن 90 في المئة من الضحايا هم من المدنيين!
لم تتركه “غادة عويس” ينفد بجلده ينطلق خطوة للأمام، فقد قررت وقف نموه، فقاطعته: من أين جئت بهذه الاحصاءات؟ لكن “المرزوقي” ولم يكن بمقدروه أن يثبت ذلك، ولاستحالة اثباته، وهو أمر يحتاج لتحقيق قضائي، فذهب بعيداً للتأكيد على مصداقيته، فقال في 2014 تحدثت عن تعاون بين الجيشين المصري والاسرائيلي في الحرب في سيناء والجميع كذب ما قلت.
وهذا حدث بالفعل، وقد أنكره عليه الجميع فعلا، لكن بعد خمس سنوات تواترت الأدلة والاعترافات على أن ما قاله حقيقة، أخر ذلك اعتراف السيسي نفسه.
وقال المرزوقي: “إن خسائر الارهاب هي في صفوف الشعب فالقادة استفادوا وعقدوا صفقة مع اسرائيل”.
وهي الصفقة التي مكنت السيسي من الاستمرار في الحكم، وبحماية أمريكية لكل تصرفاته، فلم يدن البيت الأبيض اقدامه على تعديل الدستور ليبقى في السلطة، ولم تدن أي عاصمة عربية تنفيذ أحكام الاعدام، مع أن الغرب يرفض هذه العقوبة مهما كانت طبيعة الجريمة!
لقد وضع صاحبنا “العقدة في المنشار”، وهو يطلب السماح للصحافيين بدخول سيناء للتأكد من صدق كلامه.

لم الأشلاء

وأخذت عويس الخيط لتسأل “شندي” عن سبب عدم السماح بدخول وسائل الاعلام؟ ليحمل نفسه من أمرها رهقاً بالرد بأن هذه منطقة عمليات ليس سهلا توفير الحماية للصحافيين!
وقاطعته: هذه حجة، أنت صحافي وتدرك أن هناك صحافيين مدربين على التعامل في مناطق الحروب، وحتى أيام غزو العراق الصحافيين كانوا هناك!
وشكك “شندي” في قدرة “الأخ الذي يتكلم من الدوحة” في الوصول لمعلومات من سيناء!
وقاطعته: وأنت كيف تدري وأنت في القاهرة والمسافة بينها وبين شمال سيناء كالمسافة بينها وبين الدوحة!
فرد: أنا لي مصادري. فقاطعته: وهو يقول إن له مصادره! وقال “مجدي” عن الأخ الذي في الدوحة إنه يقول إن الارهابيين وأهالي سيناء شيء واحد. وقاطعته: هو لم يقل ذلك.. أين قاله؟!
كانت عويس في حالة يقظة وانقضاض على فريستها، كما تفعل دائما، عندما يراد استغفالها، بتمرير كلام غير صحيح. وفي كل فقرة لها فريسة وضحية تتناثر أشلاؤها في الأستوديو. قبل أن تغادر وهي تقول: “لِم الأشلاء يا بني”.
حوالينا لا علينا.

صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية