غالب بن الشيخ شخصية معروفة في الحقل الإسلامي في فرنسا، وقد اختير قبل 4 سنوات ليترأس مؤسسة «الإسلام في فرنسا» خلفا للسياسي الفرنسي البارز جون بيار شوفنمان. يتحدث في هذا الحوار مع «القدس العربي» عن الأحداث الأخيرة المرتبطة بالمسلمين بعد جريمة مقتل الشاب نائل التي نقلت فرنسا إلى صدارة الأخبار العالمية، ويقدم تحليله عن خلفيات الجدل المزمن في الإعلام الفرنسي عن الإسلام والمسلمين والجذور التاريخية للحساسية الفرنسية من كل ما يتعلق بالدين. وفي ما يأتي نص الحوار.
○ جريمة قتل الشاب الفرنسي ذي الأصول الجزائرية نائل هزت فرنسا والعالم. هل كان في رأيك يمكن تفادي هذا الحادث المأساوي؟
• مقتل هذا المراهق الذي لم يبلغ سن الرشد كان مأساة كبيرة. كان يمكن تفادي ذلك بالتأكيد، لو اتخذت الإجراءات اللازمة من قبل، فمنذ سنة 2022 سجلنا 13 حادثة قتل مماثلة بسبب رفض السائقين الخضوع لأوامر التوقف، بينما في الدول الأخرى المشابهة لفرنسا لا نجد مثل هذه الحوادث.
طبعا هذا لا يبرر أعمال الشغب والنهب التي تعد تصرفا غير حضاري، خاصة أن الشرطي موجود رهن الحبس الاحتياطي وهو متهم بالقتل المتعمد وهي تهمة نادرا ما يوجهها القضاء الفرنسي. ومن جانب اليمين المتطرف، كانت هناك تصرفات مسيئة جدا، مثل جمع الأموال لعائلة الشرطي القاتل والتي شارك فيها عشرات الآلاف من الفرنسيين، وهو عمل يدل على أن قطاعا من المجتمع الفرنسي لا ترى مشكلة في إهدار دم مواطنين مثلهم وهم مستعدون للتغطية على هذا النوع من الجرائم.
وفي الواقع، هذه الحوادث بعيدا عن تقييمها الأخلاقي، تبين وجود شرخ ديمقراطي كبير في فرنسا، إذ لم يحصل هذا وفق البعض منذ حرب التحرير الجزائرية، وحتى أحداث 1968 (مظاهرات اليسار الواسعة) لم يحدث فيها ما عايشناه مؤخرا.
○ تفسيرات عديدة صاحبت أعمال الشغب بعد مقتل نائل. هل تعتقدون أن هناك عنصرية في المجتمع الفرنسي أفضت لما حدث؟
• منذ 40 سنة، كانت هناك مسيرة شهيرة من 15 تشرين الأول/أكتوبر إلى 3 كانون الأول/ديسمبر 1983 للمطالبة بالمساواة وضد العنصرية والتمييز. اليوم يبدو أن لا شيء تغير، لا يزال الإحساس بعدم المساواة باق، ولا تزال العنصرية تجاه العرب والأفارقة خاصة، حاضرة من دون أن نعمم على كل الشعب الفرنسي.
الكثير من الآفات الاجتماعية تعصف بالضواحي، والشباب هناك يعاني جزء كبير منهم من عدم التكوين والتهميش، ما يجعلهم يعيشون الإحباط، فكان مقتل المراهق نائل ذريعة لهم للانتقام. وسائل التواصل، ضاعفت من ظاهرة الشغب، ففي سنة 2005 التي شهدنا فيها أحداثا مماثلة، لم تكن الأمور بهذه الحدة ولم يطل الشغب المدن الصغرى.
للأسف قطع العنف شوطا آخر بتخريب وحرق 200 مدرسة منها أكثر من 60 أحرقت تماما، كما أن هذه الأعمال شاركت فيها بعض الإناث ومنهن محجبات ما استغله الحاقدون على الإسلام للتحريض على المسلمين والقول بأن لا مكان لهم في فرنسا.
○ هل ترون للمؤسسات الدينية الفرنسية دورا في تهدئة الشباب والعمل على إسماع صوتهم؟
• ما أراه أنه لا يجب تكرار الخطأ الذي وقع فيه اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا سنة 2005 عندما أفتى بتحريم أعمال الشغب، وهو ما أعطى صبغة إسلامية على من قاموا بتلك الأعمال، وهذا خطأ استراتيجي كبير. طبعا هذا لا يمنع الهيئات الدينية والمؤسسات الثقافية – وهو ما نقوم به فيما يخصنا- للمطالبة بالتشبث بالمواطنة في إطار قوانين الجمهورية الفرنسية. نتعامل في إطار القانون ونقوم بنشاطات فكرية ومحاضرات لامتصاص الغضب ومشاعر الإحباط والتأكيد على طرق النضال السلمية في المطالبة بالحقوق.
○ قبل أن تنفجر الأحداث المتعلقة بمقتل نائل، طغى على فرنسا جدل واسع يتعلق بارتداء بعض فتيات المدارس لباس «العباءة» كيف تابعت ذلك؟
• بالفعل، لقد استغل اليمين المتطرف هذه القضية للمز المسلمين من جديد لأن الفكر اليميني يشعر بالانتصار الأيديولوجي. ومن جهة أخرى، لا ننكر أن ثمة من المراهقات والمراهقين من يحاولون الاستفزاز وبعض الجهات الايديولوجية التي توظف الإسلام في السياسة تقوم بدفع المراهقين لهذا التصرف.
حسب رأيي الخاص، فإن الخطأ يكمن في أن غير المسلمين ينظرون إلى هذا اللباس على أنه ديني وشرعي وإسلامي، بينما هو ليس كذلك.
أنا أؤمن بمقولة أنه «في روما عليك أن تلبس مثل سكان روما» وهو ما لم يفهمه بعض المسلمين. في الحقيقة، يكفي للتلاميذ في المدرسة سواء كانت عامة أو خاصة، أن يأتوا بلباس محترم، لأن المدرسة ليست «ماكدونالدز» التي تتبنى شعار «تعالوا كيفما كنتم» فالمدرسة لها قانونها الخاص ويجب أن تكون بعيدة عن ما يصير خارجها، بحيث تبقى مكانا لنهل العلم والمعرفة.
الجلابة والعباءة وحتى لباس «البريطانيين» (نسبة لمقاطعة لابروتاني شمال غرب فرنسا) ولباس الألزاس غير مقبول في المدارس العمومية والخاصة. القضية كما أراها قضية سلطة ونفوذ لدى مدراء المؤسسات التعليمية في فرنسا والذين كان يجدر بهم أن يبتوا في الأمر دون الدخول في التفاصيل إن كان لباسا إسلاميا أم لا. فإذا افترضنا أنه لباس ديني، فهناك قانون 15 آذار/مارس 2004 الذي يحظر الرموز الدينية وإن كان الإسلام لا يحمل أي رمز ديني. وإذا كان مجرد لباس ثقافي يمكن منعه أيضا كون المدارس ليست مكانا لعرض الفولكلور.
○ في رأيك، لماذا يتكرر الجدل حول الإسلام والمسلمين بشكل مزمن في النقاش العام الفرنسي سواء في الإعلام أو في الساحة السياسية؟
• لأن هناك خصوصية فرنسية داخل الحيز الأوروبي والفضاء الغربي بصفة عامة في علاقتها مع الإسلام والمسلمين، ناهيك عن علاقتها مع كل ما هو مرجعية دينية. مثلا قبل سنتين في ألمانيا كانت حملة انتخابية عرفت انتخاب أولاف شولتز ليكون مستشارا للألمان، وخلال الحملة الانتخابية الرسمية لم يذكر الإسلام ولو مرة واحدة رغم تواجد حزب يميني متطرف معروف وفي ظل أن المجتمع الألماني تعايش مع أكثر من نصف مليون لاجئ سوري جلهم من المسلمين. في مقابل ذلك، نجد أن فرنسا تعج يوميا بحملات تَذكر الإسلام بمرادفات التعصب والتشنج التخلف والإرهاب، والحساسية من الدين عموما هي من خصوصيات المجتمع الفرنسي، حيث أظهر سبر آراء أخير أن 53 في المئة لا يعترفون أصلا بالدين.
ومع أن قانون 1905 حول فصل الكنيسة عن الدولة وما تلاه من أحداث، مكنّت للعلمانية والحداثة من أن تصبح المرجعية الأولى، نرى في الواقع منذ ثلاثة عقود أن الحديث عن الدين قد عاد بقوة، وتحول كل ما يتعلق بالإسلام إلى مادة للجدل على وسائل الإعلام مع نزعة عنصرية ضد العرب والأفارقة باعتبارهم أغلب من يمثل الإسلام في فرنسا.
أعتقد أن من إرهاصات العلمانية في فرنسا أن المدرسة أصبحت لا تعطي أهمية للناحية الثقافية المنبثقة عن الممارسة الدينية، ما ولد جهلا بالإسلام والحضارة الإسلامية. بالإضافة إلى كون فرنسا لم تطوِ فترة الحقبة الاستعمارية وما زال جزء من الفرنسيين يحملون ضغائن وحقد ورواسب ذهنية، جعلتهم ينظرون إلى الإسلام على أنه عنصر دخيل وأنه لا يتوافق تماما مع التراث الفرنسي.
وما زاد الطين بلة أنه في العشرية الأخيرة من 2012 إلى 2020 ما من أسبوع يمر إلا وحادثة عنيفة وهجمات إرهابية تحدث باسم الإسلام. هذا كله خلق توترا كبيرا تجاه الإسلام والمسلمين. ومن جهة المسلمين، لا يوجد مثقفون وإعلاميون أكفاء للكلام عن الإسلام برصانة وحكمة وبرودة أعصاب والإقناع بأن ما يحدث ليس له صلة بالإسلام.
○ نظرية «الاستبدال الأكبر» التي تقوم على فكرة أن المسلمين سيتحولون إلى أغلبية في فرنسا باتت تلقى رواجا هناك. أي مصداقية تحملها هذه النظرية التي كانت سلاح المتطرف إيريك زمور في الرئاسيات الأخيرة؟
• للأسف لا يزال الكيل بمكيالين سائدا. أحدهم يدعى ديودوني أدين من طرف العدالة للتحريض على الكراهية بسبب كلامه العنصري عن اليهود وطرد تماما من بلاتوهات التلفزيون ومن كل الإعلام وحتى انه كممثل كوميدي توقف عمله وهو يستحق هذا، لأن الكلام العلني الذي يجرح شريحة من المجتمع غير مقبول. في مقابل ذلك، نرى أن إيريك زمور أدين لنفس الأسباب من طرف العدالة الفرنسية بتهمة التحريض على الكراهية، والغريب في الأمر أنه أصبح مرشحا ليصير رئيس البلاد.
رجوعا لسؤالك، لا شك في أن نظرية الاستبدال الأكبر هي من الهراء، ونحن في مؤسسة «إسلام فرنسا» نظمنا ملتقى مهما جدا جمعنا فيه أكاديميين وعلماء مختصين في قضية الانتخابات وأثبتنا بالدليل أنه لا يوجد أي أساس علمي لهذه النظرية النكراء، ولكن زمور ومن هم على شاكلته يستعملونها لاستقطاب أصحاب العقول الهشة ومغازلة اليمين المتطرف لأغراض سياسية، وقد أظهرت نتائج الانتخابات الرئاسية ثم التشريعية التي لم يفز فيها بأي مقعد أنه لا يمثل الشيء الكبير.
ولكن إذا بقينا نعطي الكلمة لهذا الشخص، فيمكن حينها أن يحدث شرخ كبير داخل المجتمع الفرنسي.
○ اليمين المتطرف يقول إن الضواحي أصبح فيها المسلمون يشكلون الأغلبية. نعلم أن القانون الفرنسي يمنع الإحصائيات على أساس عرقي وديني. هل لديكم تقديرات عن عدد المسلمين في المجتمع الفرنسي؟
• صحيح لا توجد إحصائيات على أساس عرقي وديني في فرنسا ما يجعل التقديرات لا تكون مبنية على أساس علمي. وإذا اعتمدنا الأسماء أو الألقاب كمعيار لإحصاء العدد، فهذا لا يكفي لأن الكثيرين لهم ألقاب تكون في الأصل لمسلمين لكنهم غيروا دينهم أو لديهم أصول يهودية، ومع ذلك إذا أخذنا هذه الإشارات بعين الاعتبار نجد أن عشر سكان فرنسا هم من المسلمين، أي 7 ملايين من أصل 68 مليونا.
من الناحية الاجتماعية، نسيج المسلمين غير منسجم، فهناك فئة صغيرة من الأثرياء ممن يشترون الخيول المسوّمة في سوق «دوفيل» ويقطنون في المنازل الفاخرة ويملكون الفنادق الفخمة، وهؤلاء لا أحد يتحدث عن اندماجهم في المجتمع، وتعطى لهم شهادة الإقامة من دون أن يطلبوها وأحيانا حتى الجنسية الفرنسية، وفي مدينة نيس مثلا هناك لافتات بالعربية في الطريق لإرشادهم نحو المحلات والمتاجر الراقية.
وأما القطب الآخر، فهو مكوّن من الطبقة المهمشة والفقيرة والذين أصبح أبناؤهم عديمي التكوين والتعليم والثقافة ما جعلهم من المنبوذين في المجتمع وتصرفهم عدواني. وبين الطبقتين، هناك فئة كبيرة جدا مندمجة وموجودة في كل المواقع من أصحاب المهن المرموقة إلى أبسط العمال، وهي في خدمة الاقتصاد الفرنسي. لذلك فإن تطبيق فكرة إعادة المهاجرين إلى دولهم الأصلية هي من ترهات زمور واليمين المتطرف، إذ أن هناك دراسات تقول إن فرنسا ستشل في أربعين دقيقة وفي بعض القطاعات في 26 دقيقة، في حال افترضنا جدلا أن المسلمين غادروا البلاد.
○ تحدثتم من قبل أن جراح الماضي الاستعماري لا تزال توجه نظرة المجتمع الفرنسي نحو المسلمين. كيف تنظر إلى خطوات ماكرون بخصوص ملف مصالحة الذاكرة مع الجزائر؟
• معالجة قضية الذاكرة لها أهميتها الكبرى لحل كل المشاكل الناتجة عن الفترة الاستعمارية الأليمة. يكفي فقط أن نذكر بأن مصطلح «حرب الجزائر» لم يصرح به رسميا في فرنسا إلا في سنة 1997 حيث كان يطلق على الثورة الجزائرية مصطلح أحداث الجزائر أو أعمال مكافحة الشغب ومحاربة الخارجين عن القانون، وهذا ما يدل على صعوبة طرح هذا الموضوع. لذلك، لا بد للرئيسين أن يتدخلا بكل شجاعة في هذا الملف من أجل منح المؤرخين القدرة على طرح الموضوع من جوانبه العلمية. مثلا أجد من غير المقبول أن يسمى شارع في باريس باسم بيجو أو مدرسة باسم لاموريسيار أو أسماء أخرى ارتكبت جرائم فظيعة في الجزائر.
○ كيف تنظر إلى مسألة الاعتذار الذي تطالب به الجزائر وهل تتوقع إمكانية أن يتحقق هذا المطلب؟
• ربما يجب علينا في الحالة الفرنسية الجزائرية منح المزيد من الوقت ليكون الاعتذار من البديهيات ويتحقق بالتالي، لأن ما قامت به إيطاليا تجاه ليبيا أو أستراليا وكندا مع السكان الأصليين لم ينقص أبدا من كرامة أو قيمة هذه الدول التي اعترفت بالصفحات المظلمة من تاريخها. أما الآن فيجب ترك الطاقم العلمي المكون من مؤرخين يعمل بكل هدوء دون سكب زيت على النار ودون تحريك السكين في الجرح الذي هو بالغ، للوصول إلى حقائق الجرائم الاستعمارية في الجزائر. والاعتراف بها ليس انتقاصا من فرنسا حقوق الإنسان، بل هو فقط اعتراف أن فرنسا لم تتصرف بوفاء لقيم الثورة الفرنسية وحقوق الإنسان والديمقراطية وتعاليم عصر التنوير.