غانم السليطي: «مهندس نباتي» حريص على صحة القطريين

نورالدين قلاله
حجم الخط
0

الدوحة – القدس العربي: في عصرنا الحديث المليء بالمشكلات الصحية يختار العديد من الأشخاص أن يصبحوا نباتيين. لكن الخبر السار في قطر هو أنه يمكنك أن تكون نباتيا ولا تزال تستمتع بالطعام القطري التقليدي. هذا ما وجدنا غانم السليطي مؤسس مقهى إيفرغرين (Evergreen Café) يردده وهو يحاضر في المكتبة الوطنية عن تجاربه ووصفاته النباتية القطرية المفضلة.
يقضي غانم السليطي نهاره مهندسا مدنيا للأنفاق، يعمل على ربط أنحاء قطر من خلال مترو حديث ومتطور. وعندما يغادر عمله الذي يغير المشهد العمراني لدولة قطر التي تُعد بنيتها التحتية لكأس العالم، يسعى لتحسين صحة سكان قطر من خلال إمبراطوريته التجارية الصغيرة والمتنامية في مجال الطعام النباتي.

أول مطعم نباتي في قطر

عندما سألنا غانم السليطي كيف تحول من مهندس مدني إلى «مهندس نباتي».. (يضحك)..ويقول «أنا لم أصبح مهندسا نباتيا، أنا إلى اليوم أمارس وظيفتي الأصلية كمهندس مدني، لكنني أصبحت مهتما بالتغذية النباتية، درست الموضوع بشكل علمي وصرت نباتيا في نظامي الغذائي، وهذا الذي جعلني أفتتح أول مطعم ومقهى نباتي في قطر إسمه «إيفرغرين evergreen»، الذي يقدم وجبات صحية تعتمد على الأطعمة العضوية والخضراوات الخالية من الألبان والغلوتين واللحوم، تحت شعار» طبق صحي ولكنه لذيذ وشهي ومشبع «..وكل هذا لشغف شخصي لدى هذا الرجل بالحياة النباتية، فكان يتعلم ويبحث عن أسرار هذه الحياة، حتى أصبح مدربا معتمدا في التغذية النباتية.
يضيف السليطي أنه، ولله الحمد، لحد الآن قادر على التوفيق بين وظيفته كمهندس مدني وشغفه وإدارته لمشاريعه في مجال التغذية النباتية، لكنه لا يعلم بالضبط ما يحمله المستقبل، فقد يأتي يوم يحتم عليه ضرورة الإختيار بين الوظيفتين.
وبجانب مطعم «إيفرجرين أورغانيكس»، يمتلك السليطي عدة مشاريع أخرى في مجال الطعام النباتي، منها خط لرعاية البشرة، ومصنع لأكياس التغليف القابلة للتحلل، ومطعم في كمبوديا. وهو يقول أن خلفيته الهندسية ساعدته كثيرا في الأمور التقنية والفنية والإنشاءات «لولا عملي الهندسي، لم أكن لأنجح في ذلك لهذا يمكنني القول بإن المجالين مترابطان بشدة».
ويقول السليطي في دردشة مع «القدس العربي» أن الطعام القطري في الأصل طعام نباتي يتكون من بقوليات ومكسرات وحبوب وخضراوات، وهذا يعني أنه طعام صحي بدرجة كبيرة، لكنه أصبح – للأسف- غير صحي في «اللايف ستايل» التي نعيشها حاليا وفي ظل ظروف الرفاهية، حيث لا أحد بدون سيارة. فأصبح طعامنا غير صحي لأننا أسأنا استخدامه، وأضفنا إليه زيوت مهدرجة وسكر أبيض اصطناعي ومكملات وإضافات غريبة ومكونات كيميائية غير صحية بالمرة.
وقبل أن يصبح نباتيا كان يتبع النظام الغذائي القطري المعتاد الذي يتألف بشكل رئيسي من الأرز واللحم والأجبان والحليب، مع اهتمام أقل بالفاكهة والخضراوات. ويقول إن المجتمع القطري يعاني من وجود نسبة عالية من مرضى السكري والسمنة وارتفاع ضغط الدم، وهذا مرتبط بشكل أساسي بالعادات الغذائية.
وقد أظهر بحث نشرته دورية «لانسيت» الطبية البريطانية في الآونة الأخيرة أن 34 ٪ من الرجال و44.8 ٪ من النساء في قطر يعانون البدانة. وعندما سألنا السليطي هل النظام النباتي يمكن أن يكون حلا لمشكلة السمنة؟ رد قائلا: «طبعا ممكن لأن النظام النباتي نظام غذائي جد صحي يساعد على التنحيف إذا تم اتباعه بطريقة صحيحة».
وفي هذا الشأن يقول السليطي وهو كاتب مقال أسبوعي باللغة الإنكليزية في صحيفة «غولف تايمز» القطرية إن اختيار تناول أطعمة مصنفة على أنها «نباتية» يمكن أن يكون ضارا للصحة، فحتى البسكويت «أوريو» يعتبر نباتيا!! ويؤكد على ضرورة أن نأخذ في الاعتبار خياراتنا الغذائية داخل النظام الغذائي نفسه.فالجمهور ليس وحده مع الاعتقاد الخاطئ بأن جميع النباتيين لديهم مفتاح الصحة، الشركات الكبرى في العالم ضاعت كذلك مع هذه الأيديولوجية. السليطي، الذي لم يتجاوز الثلاثين من العمر، لم يصل إلى هذه النتائج جاهزة بدون عناء، بل بحث ودرس مجال التغذية النباتية بجامعة «وايل كورنيل» بنيويورك. وأصبح واحدا من رواد الأعمال في دولة قطر، وأصبحت العديد من المؤسسات في الدولة تلجأ إليه للتوعية بالتغذية السليمة وتوجيه المجتمع بأهمية الحفاظ على البيئة.
لذلك فهو يقول «أشعر بالحماس عندما أتعلم شيئا مختلفا ويضيف قيمة إلى مهاراتي. وسواء في عملي كمهندس مدني أو مشروعي الخاص بالنظام النباتي، لدي شغف دائم لتعلم المزيد».
وليس هذا بغريب على هذا الشاب الذي يعتبر مثالا للنجاح في قطر، عندما ندرك أن قصته بدأت بقراءة كتاب جرت مناقشته في أحد البرامج التلفزيونية الأمريكية، اكتشف السليطي محتواه الغريب والمنافي لكل ما تعود عليه من العادات الغذائية في قطر.
ويـــحكي السليطي لـ«القدس العربي» عن بداياته مع عالم التغذية النباتية، فيقول بأنه بحكم عدم انتشار ثقافة التغذية النباتية في مجتمعنا العربي،الأمر لم يكن سهلا في البداية، لكن سرعان ما سارت الأمور بشكل رائع وملفت سواء ما تعلق به شخــصيا وبـصـحته أو ما تعلق بمحيطه. يقول غانم:» لــم أعـد النباتي الوحيد في البيت، أخي أصبــح نباتيا (فجيتاريان وليس فيجن) ووالدتي أيضا فيجن ولكن إلى غاية الساعة الرابعة مساء بعدها تأكل ما تريد، أما أصدقائي فأصبحوا كلهم نباتيون». وبشأن التأثير على المجتمع القطري يقول: «أؤكد لكم..حجم التأثير كان عملاقا، وتجربتي كانت رائعة وناجحة مائة في المائة، والحقيقة لم أكن أتوقع أن تنجح بهذه الكيفية وهذه السرعة»، ويضيف «عدد كبيرمن القطريين اتجهوا إلى التغذية النباتية بسبب المطعم الذي أصبح مزارا لجميع الزوار والنباتيين الذين يأتون إلى قطر، كما أصبح وجهة لطلاب المدارس للتعرف على التجربة»، ويكشف السليطي أن المطعم فاز بجائزة «تايم آوت أواردس» كأفضل مقهى ومطعم في قطر في 2018، كما فاز بجائزة أفضل مقهى ومطعم أخضر وصديق للبيئة لسنتين متتاليتين 2017 و2018.

معكرونة بالقرع و فطائر بالشمندر

وبعد نجاح تجربته، يقول إن طموحه هو «تغيير مفهوم التغذية ونشر ثقافة الطعام والتفكير الصحي»، وهو يحلم أن يمتلك «مزرعة نباتية جميع منتجاتها عضوية» ينشر من خلالها ثقافة الغذاء الصحي بين القطاعات المجتمعية المختلفة داخل قطر، خاصة بين الشرائح التي لا تعلم كثيرا عن التغذية الصـحية.
ومحاولة إبعاد أبناء وطنه عن كل ما له علاقة بالتغذية السيئة التي لها دور في توارث الأمراض بين الأجـــيال.
وفي الوقت نفسه توفير أجواء من الــسعادة والارتياح لما يتم تقديمه مثلا من وجبات في المطعم، وهي عبارة عن معظم الأكلات العالمية، مثل البيتزا والبورجر،والبان كيك، والشكشوكة بدون بيض والمكونة من الحمص، بالإضافة إلى العصائر، والميلك شيك..كما قد تجد أصنـافا تبدو غريبة بعض الشيء، مثل الفطائر المصنوعة من الشمندر والأجبان المصنوعة من المــكسرات والمعكرونة من القرع والجزر..وأشياء من هذا القبيل.
عموما، يـحاول غانم السليطي أن يحدث تحولا أو منـعطفا في الغذاء التقليدي القطري من خلال التركيز على المنتجات العضوية الطازجة مع نقل أفضل النكهات العالمية من جميع أنحاء العـالم والاستفادة منها بطرق إبداعية وصحية ممتعة. ويوضح للجميع: «أنا لا أقول على كل الناس أن يصبحوا نباتيين. لكن عليهم أن يسألوا على الأقل من أين يأتي طعامهم وما هي مكوناته..عندئذ سيبدأون في تذوق الطعم الحقيقي لطعامهم..لأننا بصراحة بدأنا نفقد حاسة الذوق عندنا».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية