أصدرت لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة “اليونيسكو” قائمة في المواقع التراثية الليبية المعرضة للخطر بسبب النزاعات، وكانت مدينة غدامس إحدى أبرز الأماكن التاريخية المهددة.
يطلق عليها البعض اسم “لؤلؤة الصحراء” لما تحتويه من كنوز أثرية ومشاهد طبيعية خلابة مع امتداد واحات النخيل ما جعلها لسنوات خلت قبلة السياح وعشاق الآثار. وهي تعتبر أهم وأشهر المدن في شمال افريقيا، وكانت محطة هامة للتجارة بين الشمال وجنوب الصحراء لذلك سميت أيضا “مدينة القوافل”. وادرجت غدامس على لائحة المواقع التراثية العالمية في عام 1982 إبان الاجتماع العاشر للجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة التربية والثقافة والعلوم “اليونيسكو”.
مرت على غدامس حضارات عديدة مثل الاغريق ثم الرومان ثم دخلها المسلمون وأصبحت في العهد العثماني في القرن الثامن عشر قبلة هامة للقوافل التجارية، ثم احتلها الايطاليون عام 1924 وثم الفرنسيون من 1940 حتى عام 1955. وهي تعتبر أول مكان لاستيطان سكاني يعود إلى ما قبل 10 آلاف سنة، ويظهر ذلك من خلال النقوش والمنحوتات الحجرية.
وتضم غدامس ثلاثة أجزاء وهي المدينة العتيقة التي فيها السور والجامع الأثري وغابة النخيل، والمدينة الحديثة وفي الوسط تقع عين الفرس.
وبالرغم من احتوائها على معالم أثرية نادرة إلا أن ذلك لم يحل دون تعرضها لخطر الانهيار والدمار سواء بسبب الحرب الليبية وما شهدته من انفلات أمني ونزاعات عسكرية دامية أو بسبب العوامل المناخية مثل السيول وغيرها. فقد تعرض سكان المدينة من الطوارق لإبادة وتهجير قسري في سنة2011 مع انطلاق الثورة وترافق ذلك مع انتشار للمسلحين والميليشيات في أرجاء المدينة.
كما ان عوامل الطبيعة وانعدام الرعاية والصيانة، جعلها غير قادرة على الصمود في وجه الأمطار التي تسببت في انهيار أجزاء من المباني التاريخية القديمة في غدامس. وتقول د. هدى عبد الله المقيرحي الباحثة في التراث الثقافي لـ “القدس العربي” انه بعد أن نجت غدامس لؤلؤة الصحراء، من مخاطر الهجمات المسلحة بفضل جهود السكان المحليين، ها هي مرة أخرى تتعرض لمخاطر أخرى ولكن مناخية. فقد هدمت السيول أجزاء هامة من المدينة القديمة، وبذلت جهود من السكان المحليين كما هي عادتهم لإنقاذها، فهي بالنسبة لهم مسألة هوية وتاريخ يجب أن تتوارثه الأجيال القادمة. وتعتبر محدثتنا أنها جهود متواضعة في مواد الترميم ولكنها واعدة بسواعد وخبرات محلية.
وتضيف: “غدامس التي صنفتها اليونيسكو على أنها ثالث أقدم مدينة مسكونة والتي تتميز بطرازها المعماري الفريد الذي صمد وما زال عبر العصور، تحتاج إلى ما يسمى باللهجة الليبية “فزعة” أي مبادرة إنقاذ وحفاظ على المستوى المحلي والدولي. فهي من أهم المواقع المحمية ضمن اليونيسكو ويعني ذلك أن هذا التراث لا يخص فقط الليبيين وإنما هو قيمة تخص العالم أجمع.
وتحذر من ان غدامس تحتاج إلى إنقاذ ليس فقط عن طريق ترميم المباني التاريخية ولكن إنقاذ الهوية والبناء الاجتماعي الذي يدعم التكافل وانتقال هذه القيم عبر الأجيال. بالإضافة إلى المنافع الاقتصادية التي تدرها مشاريع الترميم من توظيف وتعزيز وتبادل الخبرات.
وأوضحت ان عملية إعادة إحياء التراث الثقافي ليست معمارية مجردة يتم انجازها خلال وقت قصير، بل هي عملية مدروسة لتحقيق تنمية مستدامة شاملة ومستمرة على المدى الطويل. فإنقاذ التراث الثقافي لمدينة غدامس أو أي مدينة ليس مطلبا كماليا أو رفاهية وإنما هو ضرورة لتحقيق مبدأ الاستدامة بكل أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
وقد أعطت غدامس درسا ناجحا في كيفية تكاتف جهود المجتمع المحلي في إنقاذ التراث. فأهالي هذه المدينة لم يقفوا مكتوفي الأيدي حتى تسعفهم المؤسسات الحكومية أو الدولية، انما إرادة أبنائها وقوة الارتباط بهويتهم وحماسهم هو ما أنقذها سابقا من الآثار السلبية للنزاعات المسلحة والآن من اضرار العوامل المناخية. وفي هذا السياق تشير إلى ان أهالي غدامس هم الجماعة المالكة لذاكرتها وهم حجر الأساس في إنقاذ التراث والحفاظ عليه من جيل إلى آخر.