صنعاء ـ «القدس العربي»:
حذّر المبعوث الأممي لليمن، هانس غروندبرغ، خلال إحاطته، أمس الخميس، أمام مجلس الأمن الدولي، من تزايد المخاوف من عودة اليمن إلى النزاع الشامل، مشيراً إلى «أن الخطاب التصعيدي والرسائل المتضاربة قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة، مما يزيد من انعدام الثقة ويؤجج التوترات في وقت نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى التهدئة».
وزاد محذرًا من تزايد الأنشطة العسكرية الحالية في مأرب والجوف وشبوة وتعز.
وقال في إحاطته عن تطورات جهود السلام في اليمن: «على الرغم من أن العمليات العسكرية واسعة النطاق لم تُستأنف في اليمن منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة في أبريل عام 2022، إلا أن الأنشطة العسكرية مستمرة. ولا تزال التقارير الأخيرة عن القصف والهجمات بالطائرات المُسيّرة ومحاولات التسلل وحملات التعبئة تبعث على القلق، إذ تم رصد هذه الأنشطة مؤخرًا في مأرب، وفي مناطق أخرى مثل الجوف وشبوة وتعز». وكرر دعوته «للأطراف بالامتناع عن التلويح بالقوة العسكرية واتخاذ تدابير انتقامية قد تعيد اليمن إلى دوامة صراع واسع النطاق، يدفع المدنيون مرة أخرى ثمنه الباهظ».
وقال غروندبرغ إن «المسار الحالي لليمن يبعث على قلق عميق. نحن في مرحلة تتزايد فيها المخاوف من العودة إلى نزاع شامل. بغض النظر عن كيفية تطور الأوضاع في الأسابيع والأشهر القادمة، يظل مكتبي عازماً على اغتنام أي فرصة لجمع الأطراف معاً لإنهاء هذا الصراع الذي استمر لعقد من الزمن. نحن مدينون لملايين اليمنيين بعدم التراجع أو التهاون في التزامنا بهذا الهدف».
وجدد تأكيده «على أن إنهاء الصراع في اليمن يستوجب التعامل مع ثلاثة تحديات رئيسية: يجب على الأطراف الاتفاق على وقف شامل لإطلاق النار على مستوى البلاد، إلى جانب وضع آلية واضحة لتنفيذه. كما يتعين عليهم اتخاذ قرارات صعبة، ولكن ضرورية، والقبول بتسويات، لا سيما فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي المتدهور في البلاد».
الخطاب التصعيدي
كما جدد تحذيراته بشأن مخاطر تصعيد الأعمال العدائية خلال الأشهر الأخيرة. وقال: «مؤخراً، لاحظنا تزايد حدة الخطاب الصادر عن أطراف النزاع، حيث تبدو محاولة تمركزهم علناً كخطوة تُذّكر بالاستعداد لمواجهه عسكرية».
وأضاف غروندبرغ: «لا ينبغي السماح بحدوث ذلك، فالكلمات تؤثر، والنوايا لها أهمية، والإشارات تحمل دلالات عميقة. إن الخطاب التصعيدي والرسائل المتضاربة قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة، مما يزيد من انعدام الثقة ويؤجج التوترات في وقت نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى التهدئة».
وأكد أنه وفريقه «عازمون على مواجهة التحديات التي تعترض طريقنا». وقال: «نحن نواصل دون كلل انخراطنا الصريح والفاعل مع أصحاب المصلحة اليمنيين والدوليين، ونعمل بشكل مستمر على استكشاف الرؤى والأفكار حول المسار المستقبلي، رغم العقبات الكبيرة».
وأضاف: «ففي الأسبوع المنصرم، أجريت محادثات مع كبار المسؤولين في حكومة اليمن والجهات الفاعلة الإقليمية، لحثهم على تقديم دعم مشترك ومنسق لعملية سلام شاملة يقودها اليمنيون أنفسهم».
خارطة الطريق
وأكد «بوضوح على أهمية وجود عملية سياسية جامعة تشمل طيفاً واسعاً من اليمنيين، لضمان وضع حد نهائي لهذا النزاع وتمكين اليمنيين من العيش بسلام».
وقال المبعوث الأممي لليمن: «رغم أن إمكانية تحقيق هذا الهدف ممكنة، إلا أنه تستلزم وجود بيئة مواتية لتحقيق ذلك. فخلال الشهر الماضي، شهدنا استمراراً لتوقف الهجمات التي تشنها أنصار الله على السفن في البحر الأحمر وعلى أهداف داخل إسرائيل، وهو تطور إيجابي. ومع ذلك، كما يدرك هذا المجلس جيداً، فإن الأجواء المواتية للسلام تظل هشة وعرضة للتغير. لذلك، يجب تعزيز التطورات الإيجابية وترسيخها على أسس أكثر استدامة. يتعين على المجتمع الدولي عدم تفويت أي فرصة للمضي قدماً، مع اعتماد نهج مرن لدعم الجهود التي يقودها اليمنيون».
التصنيف الأمريكي
وتوقف غروندبرغ، أمام قرار واشنطن بتصنيف «أنصار الله» كمنظمة إرهابية أجنبية حيز التنفيذ. وقال: «بينما لا تزال تداعياته الكاملة غير واضحة، أؤكد مجدداً على أهمية حماية جهودنا الهادفة إلى تحقيق تسوية سلمية في اليمن». واستطرد: «لتحقيق سلام عادل وشامل، من الضروري الحفاظ على مساحة الوساطة المتاحة أمام اليمنيين تحت رعاية الأمم المتحدة. وأؤكد التزامي بمواصلة أداء مهامي وفقاً للتفويض الممنوح للأمين العام من قبل هذا المجلس، بما يشمل عقد اجتماعات لمناقشة القضايا الملحة، وعلى رأسها تبادل المحتجزين المرتبطين بالنزاع».
وأشار المبعوث الأممي الخاص لليمن إلى شعوره «بالإحباط العميق الذي يشعر به الشعب اليمني، الذي لا يزال يتحمل تبعات عقد كامل من الصراع، وأظل متمسكاً بقناعتي بأن الحل القائم على المبادئ والحياد هو السبيل الوحيد للمضي قدماً. لهذا السبب، تبقى عناصر خارطة الطريق مساراً قابلاً للتطبيق».
المعاناة القاسية
وأشار إلى مرور عشرات السنوات على الصراع في اليمن، والذي لا يزال دون حل مما فاقم من المعاناة القاسية التي يواجهها اليمنيون.
وقال: «منذ بداية النزاع، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من النصف. كما لم يتلقَ موظفو الخدمة المدنية في المناطق الخاضعة لسيطرة أنصار الله رواتبهم بانتظام أو بالكامل منذ عام 2018، في حين يواجه زملاؤهم في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية تأخيرات أيضاً في صرف الرواتب». ولفت إلى «تراجع قيمة الريال اليمني في المناطق الخاضعة للحكومة بنسبة وصلت 50% خلال العام الماضي، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وساهم في ازدياد معدلات الفقر في جميع أنحاء البلاد».
كما أشار إلى استمرار عمله «لضمان مشاركة اليمنيات الكاملة والمتساوية والفاعلة في عملية السلام». وقال: «مؤخراً، التقى مكتبي بمجموعة من النساء القياديات وممثلات المنظمات النسوية من مختلف أنحاء اليمن، حيث شاركن تجاربهن الملهمة، ورؤاهن، والتزامهن الثابت بالدفاع عن حقوق المرأة. فالدور الحيوي الذي تلعبه هؤلاء النساء، سواء في تعزيز تمكين المرأة، أو دعم مجتمعاتهن، أو ضمان إدماج المرأة في صنع القرار، يعد أمراً جوهرياً وبالغ الأهمية».
وأضاف: «تمثل هؤلاء النساء جزءاً من العديد من اليمنيات اللواتي يواصلن العمل بلا كلل من أجل تحقيق السلام. جهودهن تعزز التزامنا بمواصلة العمل ودعم صانعات السلام والمدافعات عن حقوق الإنسان على المستوى المحلي».
وجدد المبعوث الأممي دعوته لـ«أنصار الله» (الحوثيون) للإفراج الفوري وغير المشروع عن جميع المحتجزين. وقال: «بينما يستقبل المسلمون حول العالم شهر رمضان المبارك بالاحتفال، للأسف لن تكتمل هذه المناسبة بالنسبة لعائلات العديد من زملائنا الذين مازالوا رهن الاحتجاز التعسفي لدى أنصار الله. إن غياب أحبائهم سيكون له وقعٌ شديد خلال هذا الشهر، الذي يُفترض أن يكون شهراً للاجتماع والتواصل مع العائلة، بل إن بعض العائلات ستقضي هذا الشهر مثقلة بالحزن، كما هو حال أسرة زميلنا أحمد من برنامج الأغذية العالمي. كما أن بعض زملائنا فقدوا آباءهم أثناء وجودهم قيد الاحتجاز، دون أن تتاح للآباء فرصة معرفة مصير أبنائهم».