بيروت- “القدس العربي”: منذ أن اندلعت الحرب بين أرمينيا وأذربيجان، شعر اللبنانيون الأرمن بأنهم معنيون بهذه الحرب انطلاقاً من تمسّكهم بخصوصيتهم وجذورهم على الرغم من اندماجهم بالمجتمع اللبناني وحملهم الهوية اللبنانية منذ أكثر من 100 سنة. ومن يتجوّل في الأحياء التي يسكن فيها الأرمن في لبنان يلاحظ عن كثب مدى متابعتهم لمجريات ما يجري في ناغورني كاراباخ التي يصرّون على تسميتها باسمها الأصلي “أرتساخ” قبل سلخها عن أرمينيا وضمّها إلى أذربيجان عام 1921 بقرار من الرئيس السوفياتي جوزف ستالين. وعلى جدران بعض الأحياء كُتبت شعارات Azad Artsakh أي آرتساخ حرة.
وفيما تعبّر مجموعة من المواطنين الأرمن عن حماسهم واندفاعهم للدفاع عن قضيتهم وجذورهم حتى لو اضطرهم الأمر للسفر، فإنهم يشعرون بأنهم لم يعودوا مستضعفين ولم يعد بإمكان أي بلد ازدراءهم. وتبدو الأحزاب الأرمنية في لبنان على تنسيق تام في ما بينها لتشكيل ضغط إعلامي وسياسي مؤازر ومساند لأرمينيا من دون أن يصل الأمر الى حدّ إرسال عناصر عسكرية من لبنان الى أرمينيا.
وفي حديث لـ”القدس العربي” بعد عودته من أرمينيا يشرح وزير السياحة السابق أفيديس غيدانيان موقف الأرمن عموماً وحزب الطاشناق خصوصاً من الصراع الدائر وكيفية تعاطف اللبنانيين الأرمن مع أرمينيا، فيقول: “ما يحصل ليس صراعاً بين أرمينيا وأذربيجان بل ما يحصل هو هجوم موصوف بإدارة تركيا بالتنسيق مع أذربيجان، فليست أذربيجان من يقوم بالهجوم بل تركيا بالتنسيق مع أذربيجان. وتفيد المعلومات ووسائل إعلامية غربية وحتى الرئيس الفرنسي والروس يقولون إن من يحاربون هم إرهابيون مرتزقة ودواعش أتى بهم الأتراك من سوريا إلى الحدود بين أذربيجان وأرتساخ”. ويضيف: “إذا عدنا إلى تاريخ هذا الموضوع، أرتساخ هي من ضمن الأراضي الأرمينية التي اقتطعت عام 1921 بقرار من ستالين وضُمّت إلى أذربيجان التي أنشئت، فبدايتها كانت عام 1918 ولذلك لا يمكن بالتالي أن تكون كاراباخ قسماً من أذربيجان وأغلبية سكانها الساحقة هم من الأرمن. لن أدخل في تفاصيل الانتفاضة أو تقرير المصير عام 1988 والاستفتاء الذي تمّ مع نهاية الاتحاد السوفيتي وإعلان استقلال كاراباخ والحرب التي دارت من 1992 إلى 1994 ووقف إطلاق النار. في الوقت الحاضر الهجمات عنيفة جداً على طول الحدود بين أذربيجان وكارباخ وهناك اعتداء على أرمينيا وعلى المدنيين وتمّ قصف مطار في ثاني أكبر ولاية في أذربيجان، وبالمقابل قصفت أذربيجان أو الأتراك العاصمة ومدناً تضم مدنيين، والحرب هي بين من يدافع عن أرضه وحقّه التاريخي والجغرافي وبين المرتزقة، ولا يخفى على أحد أن هذه الحرب تركية المصدر والهدف ولها علاقة بالحروب التي تنشأ من ليبيا إلى العراق إلى سوريا إلى لبنان وأوروبا وقبرص واليونان كي تجري تسوية شاملة”.
وفي ما خصّ تعاطف الأرمن في لبنان يجيب الوزير غيدانيان: “معروف عن الأرمن أن بينهم وحدة حال، فعلى الرغم من وجودنا في دول الانتشار حيث هناك تقريباً حوالي 10 ملايين أرمني خارج أرمينيا، ولكن عند حدوث أي خطر أو إنذار يصبح لدينا اتحاد وهدف وحيد هو الدفاع عن الحق والقضية والأرض. وهناك اليوم في لبنان تعاطف كبير ورغبة لدى العديد من الشباب الأرمن للذهاب إلى أرمينيا والقتال إلى جانب الجيش الأرميني وأرتساخ، إنما هذا الموضوع غير مطروح في الوقت الحاضر. ففي أرمينيا هناك تجنيد إجباري وغير إجباري وكثير من الشباب تجنّدوا من دون أن يكونوا مدعوين إلى الخدمة، وحزب الطاشناق لديه ألوية ومجموعات تجنّدت وتوجّهت إلى الحدود للقتال. وما يتم في لبنان ودول الانتشار هو ضغط إعلامي ولوبي سياسي قدر المستطاع لتحريك الرأي العام العالمي والأوروبي والأمريكي لإيجاد حل سياسي لهذا الصراع وإنهاء الحرب وترسيم الحدود، ومن هذا المنطلق الأرمن في لبنان بكل أحزابهم وكنائسهم وأفرادهم ومؤسساتهم مجنّدون في الوقت الراهن معنوياً للدفاع عن هذه البقعة من الأرض التابعة تاريخياً لأرمينيا ولا نتكلّم طبعاً عن أي تجنيد عسكري، وأنه لا يتم إرسال أي عناصر عسكرية من لبنان إلى أرمينيا وهذا غير مطروح أساساً”.
ولا يختلف موقف رئيس اللجنة التنفيذية لحزب الهنشاك الاشتراكي الديمقراطي في لبنان النائب السابق سيبوه قالباكيان عن غيدانيان، إذ يعتبر في حديث إلى “القدس العربي” أن “الصراع القائم اليوم، في الحقيقة ليس صراعاً بين أرمينيا وأذربيجان فحسب، بل هو حرب بين أذربيجان وتركيا من جهة وأرمينيا من جهة أخرى”. ويؤكد أن “حزب الهنشاك الاشتراكي الديمقراطي في لبنان، يبقى متضامناً مع الشعب الأرمني المقاوم في أرتساخ، ويستمر الدعم لوجستياً وإعلامياً لخلق رأي عام محلي ودولي متعاطف مع القضية الأرمنية. وحتى اللحظة يكتفي الحزب بالدعم المعنوي، وكل الأخبار المتداولة عن إرسال مقاتلين من قبل أي تنظيم حزبي تبقى أخبارا زائفة، بعيدة كل البعد عن الواقع والحقيقة، إذ حتى اليوم لا حاجة لأي دعم “ميداني”. وإن جيش الدفاع الأرمني يستمر بالقيام بالواجب، وصدّ العدوان التركي-الأذربيجاني، بالتالي لم يطلب أي دعم بشري إضافي حتى اللحظة. كما ويؤكد الحزب على حق شعب أرتساخ في تقرير مصيره على الأراضي الأرمنية التي سُلبت منه في عهد ستالين، مؤكداً أن أرتساخ كانت وما زالت أرمنية بسكانها وتاريخها وجغرافيتها”. ويشير إلى أن “مشكلتنا ليست مع شعب أذربيجان، بل السلطات الأذربيجانية التي تهدّد أمن شعبها وتغامر على حسابهم لإشباع طموحات الرئيس علييف الذي لا يتمتع بأي شرعية شعبية اليوم”.
ويلفت قالباكيان إلى “وجود تنسيق تام ولقاءات متتالية بين الأحزاب الأرمنية الثلاثة، وكان آخر هذه اللقاءات يوم الأربعاء الفائت وتم الاتفاق على توحيد الموارد والتنسيق التام في كافة الخطوات المستقبلية في هذا الإطار”.
أما بالنسبة إلى حزب الرامغفار، فبحسب المعلومات سينظّم بدءاً من اليومين المقبلين رحلة لإعلاميين من وسائل إعلام محلية وأجنبية إلى أرمينيا وكاراباخ للوقوف عن كثب على حقيقة التطورات الميدانية ولتكوين رأي عام داعم للقضية الأرمنية.
ومن المعروف أن اللبنانيين الأرمن يبلغ عددهم حوالي 156 ألف نسمة، ويعيشون بأغلبيتهم في منطقة برج حمود في الضاحية الشرقية لبيروت إضافة إلى الأشرفية وانطلياس وعنجر. وهم قدموا إلى لبنان في بداية القرن العشرين بعد النكبة الأرمنية. وتحرص الكنيسة والأحزاب والمدارس الأرمنية على ضخّ المشاعر الوجدانية في نفوس مواطنيها وعدم نسيان قضيتهم وتاريخهم.
وللأرمن ثلاثة أحزاب في لبنان هي الطاشناق والهنشاك والرامغفار، ولديهم في المجلس النيابي 8 نواب ويتمثّلون في الحكومة بحسب حجمها مثلهم مثل الدروز والكاثوليك. ويفتخر الوزير السابق كريم بقرادوني بأنه وصل كأرمني إلى رئاسة حزب الكتائب وإلى منصب نائب قائد القوات اللبنانية على الرغم من كونه من الأقليّات. كما يفتخر بأن الأرمن شركاء في الاقتصاد والثقافة.
وبعد زيارة رسمية للرئيس الأرميني سيرج سركيسيان إلى لبنان قبل سنوات ألغت كل من أرمينيا ولبنان متطلبات تأشيرة الدخول بين البلدين.