أعجبني احتفال تخرج أقامه طلاب كلية طب جامعة محافظة المنيا في الصعيد منذ أسابيع تحت شعار السبعينيات ارتدى فيه الأطباء صبيانا وبنات ملابس السبعينيات.
كان تقريبا حديث شبكات التواصل الاجتماعي، والتقت المذيعة مني الشاذلي مع بعضهن في برنامجها المسلي، إلا أنه سرعان ما اختفي الحديث عنه تحت وقع الأحداث السريعة في مصر وخارجها. أعادني المشهد إلى صفحات الإنترنت الكثيرة عن أيام زمان في مصر، وعن مدن مثل الإسكندرية والقاهرة وبورسعيد وغيرها.
تستطيع أن ترى في هذه الصفحات الشوارع والبيوت والبحار والأنهار والشواطئ والسفن والناس. وتستطيع أن ترى الأفلام القديمة عربية وأجنبية وإعلانات المسارح والملاهي الليلية، وما تشاء من شتى الفنون، فمديرو هذه الصفحات شباب من الجنسين تتفرق اهتماماتهم على كل شيء. هذه الصفحات ليست مجرد ذكريات، لكن فيها من الحسرة الكثير على ما صارت إليه البلاد.
ورغم ذلك وبدون أي حديث غير الصورة نفسها، فهي أقرب إلى الفانتازيا. لا بمعنى الخيال، وإن صارت خيالا بعيد المنال، لكن بمعنى الاحتفال. كل صورة تكاد تكون احتفالا وحدها.

سواء في ملابس النساء والرجال، أو في أشكال العمارة والحدائق والشوارع. يمكن للدارس أن يجعلها مرجعا له لتوثيق بحثه التاريخي مع كثير من الحيطة، لأنه في بعض الأحيان تنسب الأشياء لغير أصحابها، كما تأتي في تاريخ غير صحيح قد يفترق بعشر سنوات أو أكثر إلى الخلف أو إلى الأمام. لكن نسبة الخطأ هذه قليلة جدا ويمكن إدراكها بسهولة.
فمثلا حين تجد صورة لفتاة تمشي مرتدية «الميكروجيب» عادة تكون في شارع مثل شارع عماد الدين في مصر. الشارع الأوروبي العمارة والناس على الناحيتين، خاصة النساء، ينظرون مندهشين إلى هذه الفتاة، ورغم دهشتهم سيلحقون بها في ما بعد. يمكن أن تجد الصورة تحتها تاريخ يعيدها إلى سنوات الخمسينيات، وهنا تدرك بسهولة أن الصورة ترجع إلى الستينيات والسبعينيات لأنه في الخمسينيات لا تتكرر هذه الصورة، إنما في الستينيات وبالذات في نصفها الأخير، ثم تتكرر بشدة في السبعينيات التي هي عقد «الميكروجيب» بلا منازع.
كذلك لو كنت من هواة السينما القديمة ستتأكد من ذلك، لأن أزياء الممثلات في الخمسينيات لم يكن من بينها «الميكروجيب». و«الميكروجيب» لمن لا يعرف يرتفع عن الركبة وأحيانا يرتفع كثيرا وكان يشكل مشكلة للفتيات حين يركبن الأوتوبيس أو الترام، ويجلسن، فكن يضعن حقائبهن على الظاهر من سيقانهن وكذلك كان الأمر في مدرجات الجامعة، وإن كن لا يضعن الحقائب لتجـــــاورهن في الغالب! طبعا تحتل صور إعلانات المشروبات الروحية مساحة كبيرة وبصفة خاصة البيرة، مشروب العائلة المفضل كما كان يقال في الإعلانات، وكيف أن إقبالك عليه دعم للإنتاج المصري في مواجهة الصناعة الأجنبية.
والحقيقة أن البيرة كانت تباع في محلات البيبسي كولا وكانت تشرب في المقاهي وعلى أرصفة المقاهي بشكل عادي جدا، ناهيك طبعا من البارات والملاهي الليلية. من بين كثير من الصور تحظى صور البنات في الجامعات بملابسهن القصيرة، الجيب والميكروجيب، باهتمام من الفتيات والفتيان والتعليق الشائع بلا اتفاق على هذه الصور هو « مالها الدنيا كانت حلوة أهه ومكانش فيه تحرش كمان».
ما صور بنات الصعيد جنوب مصر في الجامعات بأزيائهن الأوروبية وجوباتهن القصيرة وأذرعهن العارية فهي صدمة حقيقية لما صرنا نعرفه عن الصعيد الآن.
تقف عند هذه الجملة وإذا كنت من جيلي تدرك صحة ما يقولونه لأنك عاصرته. هم بالطبع يعرفون ذلك من أمهاتهم اللاتي يحتفظن كما تقرأ من التعليقات بصورهن القديمة، رغم أنهن تحجبن في ما بعد. أما أكثر الصور مدعاة للحسرة فهي صور طالبات الأزهر اللاتي يظهرن فيها في الخمسينيات والستينيات بلا حجاب وأمامهن الشيخ المدرس يشرح الدرس أو يقف بينهن يتحدث، ولا تجد بينهن فتاة واحدة محجبة مصرية أو أجنبية. وإذا كانت الصورة وهن وقوف تكتشف أنهن يرتدين الفساتين الواسعة التي لا تنزل عن الركبة إلا قليلا، أو «الجوبات» التي تنزل عن الركبة قليلا. «الأزهر زمان» عنوان يجد كثيرا جدا من الإعجاب والمشاركة على الصفحات. أما صور بنات الصعيد جنوب مصر في الجامعات بأزيائهن الأوروبية وجوباتهن القصيرة وأذرعهن العارية فهي صدمة حقيقية لما صرنا نعرفه عن الصعيد الآن، الذي لا يظهر في الصحف إلا مع الأحداث الطائفية، رغم أنه لاتزال فيه الجامعات، بل اتسعت لكن تغيرت الأزياء. صور البنات وهي تركب العجلات الهوائية في الطرقات وصور البنات على الشواطئ، البنات العاديات غير الممثلات، واحتفالات المدارس بالتخرج وشكل المدرسات وأزيائهن، أمر يثير الخيال، كما قلت، لكنه أيضا كما قلت فانتازيا بمعني الاحتفال، وإن كان احتفالا ضائعا وإن كانت شيطنة البعض تنشر الصور القديمة وتحتها صور جديدة في احتفال معاصر للمدرسات بملابسهن الآن، فتعرف كم قطعنا من السنين للهرب من المدن إلى الصحراء. وهكذا يبدو أن الأمر يتجاوز الحنين لأن هذا الجيل من الشباب لم يعشه، وكذلك الفتيات لم تعشنه، وإن كانوا جميعا عرفوه من أهاليهن . يتجاوز الأمر الحنين إلى الحسرة. الحسرة عند البنات حقا وإن كانت مكتومة لا يصرحن بها، وإلا لماذا يحتفين بالصورة أكثر من الأولاد؟ الواحدة منهن الآن تخفي كل شيء ظاهرمن جسدها وتتعرض للتحرش بعدد أنفاسها في الطريق. والحسرة طبعا على كل شيء، كان حول فتيات ونساء زمان في الشوارع سيارات قليلة ومشاة قليلون ومبان جميلة ومقاه نظيفة وسينمات وأفيشات أفلام. خمسون عاما تقريبا مضت تدعو إلى اللباس الصحراوي، جعلت من المرأة شيطانا للجنس، ولم يقل أحد من الشيوخ والدعاة، الذين صدعونا عن الاحتشام، الحقيقة أبدا وهي أن الجنس نداء للطبيعة لا يمنعه الزي، بل يتوحش الجنس مع الفقر وعدم وجود فرص عمل تتيح للشباب أن يقيم له بيتا.. وطنا فالبيت وطن، ومع الفضيحة التي تلصق بالبنات لا المتحرشين. تجد المقاهي في شوارع مثل شارع عماد الدين الذي أشرت إليه وشوارع وسط القاهرة، أو حي مثل الزمالك، أمامها عازف يجلس إلى بيانو يعزف أمام زبائن المقهى، واليوم لا تجد حتى رصيفا تمشي عليه. تجد صورا لفلل قديمة في القاهرة والإسكندرية وبور سعيد. صورا حقيقية التقطها وقتها مصورون أجانب، كانوا يعيشون بين المصريين، مواطنين لهم الواجبات نفسها وعليهم الحقوق نفسها، وتجد تعليقات من أبناء المدينة المعاصرين كلها تقول هُدمت هذه الفيلا وقامت مكانها عمارة قبيحة. أما صور الأفلام القديمة مصرية وأجنبية فبطلة الفيلم تظهر جانبها الفاتن، سواء كانت مغرية أو يتم الاعتداء عليها. المهم في المسألة أن هذه الصور كانت ترفع أعلى السينمات وفي الشوارع، والآن ثمانون في المئة من سينمات البلاد ـ أعني مصر ـ هدمت وقامت مكانها صالات أفراح أو عمارات قبيحة أو مصانع صغيرة وسط الزحام. أما أكبر الحسرات فهي المقارنة بأسعار زمان. منذ أربعين أو ثلاثين سنة فقط، حين كانت العشرة جنيهات تساوي الألف جنيه الآن. أما إذا ابتعدت إلى السنوات الأولى من القرن العشرين فستصاب باليأس، حين ترى كيف كانت الرحلة إلى فلسطين ذهابا وعودة بالقطار لا تتجاوز سبعة جنيهات. اليأس ليس بسبب السعر لكن بسبب فلسطين طبعا التي يتعرض ما بقي منها للضياع. وستنسي فانتازيا السفر والإعلان.
٭ روائي من مصر