فانوس رمضان التراث مصري والصناعة مستوردة

كمال القاضي
حجم الخط
0

كما اقتبست شركة الإنتاج الأمريكية ووالت ديزني الفولكلور المصري الخاص بحواديت الأطفال وألف ليلة وليلة وست الحُسن والشاطر حسن وأعادت تدويره بصور فنية مُختلفة ليُصبح إبداعاً أمريكياً خالصاً وسلعة يتم تصديرها للبلاد العربية بأسعار مُبالغ فيها، جرى نفس الشيء على فانوس رمضان وهو علامة مصرية رئيسية من علامات الشهر الكريم، طالما ورد ذكره وعُرضت له صور كثيرة في السينما والدراما.
لقد اعتادت الصين منذ سنوات على تصنيع فانوس رمضان بأشكال فنية جذابة ليتم بيعه في بلد المنشأ الرئيسي مصر وهو نوع من الاستثمار المُربح، حيث تقوم الصين بتوزيع مُنتجاتها من الفوانيس بأسعار مُخفضه نسبياً في العديد من العواصم العربية التي اكتسبت عادة الاحتفال بشهر رمضان، بما فيها القاهرة ذاتها عبر وكلاء لها مُتخصصون في ترويج مثل هذه البضائع السنوية مضمونة العائد الربحي الكبير.
ومن دواعي الاستغراب والدهشة أن الصين ابتكرت تصميمات صناعية للفانوس الرمضاني المصري بعيدة كل البعد عن الشكل التقليدي المُتعارف عليه منذ عشرات السنين، فمرة يتم تصنيع الفانوس على شكل حصان أو فيل ومره ثانية على شكل بطة أو عصفور أو سيارة، وأخيراً جاءت ابتكارات غير متوقعة فخرجت نماذج للإنسان الآلي وغيرها من الأنماط الإلكترونية التي لا تتوافق شكلاً ومضموناً مع دلالة الفانوس ومعناه وطبيعة استخدامه.
لقد بدأ ظهور فانوس رمضان في العصر الفاطمي في الخامس من شهر رمضان عام 358 هجرية يوم أن دخل المُعز لدين الله الفاطمي مدينة القاهرة قادماً من إحدى الدول، وحسب إحدى الروايات أن ارتباط الأطفال بالفانوس جاء ترجمة للاحتفال والفرح بقدوم المُعز ومحاولة لإضاءة موكبه بتوصية من الكبار فصارت بعدها عادة استخدام الفوانيس في شهر رمضان سارية ومُستحسنة وتوارثتها الأجيال عبر السنين والمراحل ولم يفلح أحد في القضاء عليها، حتى في أحلك الظروف التي مرت بها البلاد لم يمتنع الأطفال عن الاحتفال بليالي رمضان على طريقتهم الخاصة في حفظ الأغاني الخفيفة المُصاحبة للمناسبة الدينية السعيدة والجليلة .
ولم يكن الأطفال وحدهم أصحاب الغواية في تعليق الزينة وإنارة الفوانيس في شهر رمضان وإنما مارس الكبار أيضاً نفس العادة فدأبوا على تعليق الفوانيس بأحجامها الكبيرة في الشوارع والمحلات، خاصة في الأحياء القديمة كالحُسين والغورية والدرب الأحمر والسيدة زينب والعطارين وباب زويله وباب الخلق وغيرها من الأحياء الشهيرة.
وكذلك انتشرت الظاهرة فشملت الأحياء الراقية والأحياء الجديدة وامتدت إلى عواصم المُدن الأخرى كالإسكندرية والسويس والإسماعيلية وأسيوط وسوهاج وغيرها، فلم يعد هناك مكان لا يتم الاحتفاء والاحتفال فيه بشهر رمضان وتعليق الزينة والفوانيس.
وبرغم ظهور الصور الصينية المشوهة من المُنتج لا يزال هناك من يتمسك بالشكل التقليدي المُعتاد للفانوس وبصفه خاصة الفانوس الصاج الذي يُضاء بالشمعة فهو المُفضل للكثيرين من أصحاب المحال التجارية الكُبرى التي تستخدم الفانوس بشكله التقليدي وحجمه الضخم للدعاية طوال الثلاثين يوماً للترويج وزيادة المبيعات مع استبدال الشمعة باللمبة الكهربائية.

تميمة خير وبركة

وبهذا أخذ الفانوس المصري طابعاً تجارياً دعائياً مهماً كعنصر جذب رئيسي يساعد في نجاح الموسم التجاري ويزيد من الأرباح، كما أنه أصبح عنصراً للتفاؤل أيضاً وتميمة خير وبركة حسب عقيدة البعض من التجار، ولكن هذا الاعتقاد يرتبط فقط بالفانوس الأصلي وليس المُستنسخ والمزور، فلا يوجد من يُعلق على باب متجره فانوساً على شكل قطة أو بطة أو كإنسان آلي أو غير ذلك من الأنماط المُقلدة التي هي أقرب للعب الأطفال منها إلى فانوس رمضان.
وقد اعتنت السينما والدراما المصرية قديماً وحديثاً بإظهار الفانوس في العديد من الأفلام والمُسلسلات التي تدور أحداثها في شهر رمضان وهناك نماذج شهيرة يحفظها الجمهور عن ظهر قلب لهذه الأعمال على اختلاف ألوانها وقصصها وموضوعاتها، مثل فيلم «الفانوس السحري» بطولة إسماعيل يسن الذي بدأت أحداثة في رمضان ولعب فيه الفانوس دوراً محورياً.
كذلك مسلسل «صيام ـ صيام» بطولة يحي الفخراني وفردوس عبد الحميد ومسلسل «رمضان كريم» بطولة سيد رجب وأيضاً فيلم أحمد حلمي «عسل أسود» هذا بخلاف الإسكتش الشهير للطفلة بسيمة التي غنت فيه أغنية «إصحى يا نايم صحي النوم دا إحنا بقينا في شهر الصوم» مع مجموعة من الأطفال منذ ما يقرب من سبعين عاماً.
هكذا تم تخليد فانوس رمضان بوصفه مرتبطاً بالفولكلور المصري ارتباطاً قوياً وعلامة تجارية مُسجلة من علامات شهر الصوم بما يؤكد هويته وأصالته المصرية التي لا يمكن محوها أو سرقتها مهما تعددت محاولات التنويع والتحريف بالأشكال التجارية المستوردة .

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية