رغم انتشارها وذيوع صيتها في الأوساط الشعبية في أحياء القاهرة القديمة، إلا أن تاريخها من حيث البداية والنشأة والتأسيس يُعد مجهولاً بالنسبة للغالبية العُظمى من الجمهور، لا سيما الشباب الذين انصرفوا عن هذا اللون من الفن التراثي القديم وانشغلوا بأغاني الفيديو كليب ومطربي الإيقاعات السريعة والراقصة.
احتلت فرقة حسب الله الموسيقية موقع الصدارة لعدة عقود فلم يكن هناك من ينافسها في إحياء الأفراح الشعبية والمناسبات العائلية بمُختلف أنواعها، فالفرقة التي أسسها محمد حسب الله أحد أفراد فرقة السواري في عهد الخديوي عباس حلمي عام 1860 وخرجت من شارع محمد علي أشهر معالم وسط العاصمة، ارتبط اسمها ونشاطها بالفن التلقائي ومهارة أعضائها في العزف على آلات النفخ النحاسية والخشبية، فالمؤسس والرائد وصاحب الفرقة كان من أمهر العازفين على آلة الكلارينيت.
ولأن الفن الموسيقي بطبيعته قابل للتطوير والتجويد لم يتوقف أعضاء الفرقة عند حدود الموهبة الربانية في ممارسة هوايتهم كعازفين وإنما خضعوا للدراسة الأكاديمية على يد أساتذة إيطاليين مُتخصصين في علم النوتة الموسيقية وتدريس الصولفيج والفوكاليز والإيقاع وأتموا دراستهم في هذا الصدد، ثم احترفوا بعد ذلك العزف وصاروا مُتحكمين في أدواتهم مُتمكنين من الأداء، يمتلكون ثقافة موسيقية رفيعة المستوى علماً وتذوقاً.
ولما كانت الفرقة بقيادة محمد حسب الله قد صنعت لنفسها مكانه واكتسبت شهرة واسعة داخل نطاق شارع محمد علي والمناطق الشعبية المجاورة، وامتدت أصداؤها إلى كل ربوع القاهرة، أتتها الفرصة للعمل في الدول العربية لإحياء أفراح الأثرياء وعلية القوم، ولعل الفرصة هذه توافرت للفرقة بعد نجاحها في إحياء فرح الأميرة زاهية حفيدة محمد علي باشا، الأمر الذي زاد من شهرتها وثقة الأعيان والطبقة الأرستقراطية في فنها وأداءها واللون الذي تُقدمه بطريقة بديعة وبسيطة.
لقد تميز الأعضاء العازفين بالفرقة بإتقان العزف على آلات النفخ كما أسلفنا، فضلاً عن تميزهم في استخدام الطبول ذات الأحجام الكبيرة والمتوسطة والصغيرة وتمكنهم من مزج الأصوات الإيقاعية للطبول مع ألحان الآلات النحاسية في هارموني يبعث على البهجة والمُعايشة الكاملة مع الأصوات الصادرة عن الآلات المُختلفة.
ولشدة الأثر القوي الذي أحدثه الفن الشعبي لفرقة حسب الله نال صاحبها الجاويش محمد، العازف السابق بفرقة السواري رُتبة الباشوية من الخديوي إسماعيل كنوع من التقدير للأداء الفني وخصوصية الألحان الفريدة من نوعها آنذاك، بالإضافة إلى إعجاب الخديوي بدأب ونشاط الأسطى والفنان حسب الله الذي عكف على فنه وتابع مسيرة فرقته وأعضائها وارتقى بهم من حيز البيئة الشعبية بالحواري والأزقة القديمة بالقاهرة إلى الأوساط الراقية في مصر والعالم العربي. ولأن الموسيقى كفن لا تعرف الطبقية وليست مقصورة على فئة بعينها، راج إبداع فرقة حسب الله في كل مكان ووصلت أنباؤه إلى كبرى العائلات فتهافت البكوات والهوانم على الفنان التلقائي مؤسس الفرقة الشعبية الشهيرة وعرف طريقه إلى الصالونات الثقافية وصار حديث الصحف والمجلات وعظُمت ثروته وازدادت أناقته، حتى أنه كان يرصع حذائه الجلدي الطويل بقطع من الذهب وصار مشهوراً بمُبالغته في المظهر المُبهر والبذخ الشديد في الإنفاق على مٌقتنياته الشخصية إلى الحد الذي عرضه للإفلاس عند تقدمه في السن وتفكك فرقته وضعف أدائها وعودتها مرة أخرى إلى حيث بدأت، الأحياء الشعبية واقتصار نشاطها على الأفراح البلدي وإحياء المُناسبات التقليدية المعهودة لدى العائلات المتوسطة والبسيطة!
لكن برغم التدهور المُلفت للفرقة جراء إسراف صاحبها وسفهه لم تفقد رصيدها من الشهرة حتى بعد وفاة محمد حسب الله فقيراً مُعدماً، فقد تداولت الأوساط الشعبية سيرة الرجل العبقري الذي تحول من مجرد عسكري بسيط يقوم بالعزف في فرقة السواري ضمن مجموعة من العازفين إلى فنان كبير ذائع الصيت حاصل على لقب باشا من الخديوي إسماعيل شخصياً.
هذا التاريخ الطويل للفرقة الموسيقية ومؤسسها ظل باقياً إلى الآن بفعل الترويج السينمائي والتلفزيوني للفن الذي أصبح علامة تجارية وماركة فنية مُسجلة، فقد ظهرت فرقة حسب الله في مئات الأفلام والأعمال الدرامية بالزي الرسمي الذي يُميزها، حيث السترة المائل لونها للصفار الباهت «الكاكي» والقبعة الدائرية بحوافها العريضة والحذاء الأسود الطويل اللامع ذو الرقبة والمُزركش من الأمام والأجناب.
وهناك على وجه التحديد فيلم شهير بطولة عبد الحليم حافظ وصباح وحسين رياض وزينات صدقي بعنوان «شارع الحُب» جسد فيه عبد السلام النابلسي شخصية حسب الله صاحب الفرقة الموسيقية الذي اكتشف المُطرب الصاعد عبد المنعم «عبد الحليم» وقدمه للأوساط الفنية فنجح نجاحاً باهراً.
وقد أشارت أحداث الفيلم إلى اسم الفرقة للتنويه عن دورها وأهميتها، كجزء من التاريخ الموسيقي والفولكلور المصري القديم الباقي أثرة والمحفوظ إلى الآن في مكتبة دار الأوبرا المصرية.