فرنسا لا تفكّ عزلة لبنان ولا تسمح بانهياره وسط الاشتباك الأمريكي الإيراني

سعد الياس
حجم الخط
0

لعبت فرنسا دور الوسيط على الساحة اللبنانية بين الأطراف المتنازعة، وكان لها دور أساسي في التوصّل إلى تفاهم نيسان عام 1996 الذي رسم معادلة جديدة للمقاومة ضد إسرائيل.

بيروت-“القدس العربي”:  في ظل العزلة العربية والدولية على العهد والحكومة في لبنان بسبب اتهام السلطات اللبنانية بالخضوع لسيطرة حزب الله، برزت زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت حيث التقى المسؤولين الرسميين إلى جانب لقاء خاص مع رأس الكنيسة المارونية البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، تعبيراً عن العلاقة التاريخية التي تجمع فرنسا والموارنة منذ الملك لويس التاسع عام 1250 وصولاً إلى الملك لويس الرابع عشر عام 1649 الذي تعهّد حينها بحماية الكنيسة المارونية ورعيتها في جبل لبنان. واستمر هذا التعهّد حتى قيام متصرّفية جبل لبنان عام 1860 وصولاً إلى إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 بعد زيارة البطريرك الماروني الياس الحويّك إلى مؤتمر الصلح في باريس.

واليوم بعد زيارة لودريان والحديث المتكرّر عن زيارة محتملة ولكن مؤجّلة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قد يسأل البعض هل ترغب فرنسا في العودة للعب دور في لبنان ليكون موطئ قدم لها في الشرق الأوسط الذي تتنازعه صراعات نفوذ بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وروسيا؟ فلبنان هو البلد الأكثر قابلية على التفاعل مع فرنسا على الرغم من انتهاء الانتداب عام 1943 وجلاء الجيش الفرنسي بعد نيل الاستقلال، وعلى الرغم من النفوذ المتصاعد لحزب الله داخل الدولة بموازاة النفوذ الأمريكي.

وسبق لفرنسا أن لعبت دورا للتوفيق بين اللبنانيين في خلال فترة الحرب الأهلية وأمّنت الحماية لرئيس الحكومة العسكرية الجنرال ميشال عون في السفارة الفرنسية بعد عملية 13 تشرين الأول/اكتوبر التي نفّذتها القوات السورية، مروراً بعلاقتها القوية في ولاية الرئيس جاك شيراك مع الرئيس توفيق الحريري ولمساتها على القرار الدولي 1559 وصولاً إلى جمعها الأطراف اللبنانية المتصارعة في مؤتمر “سان كلو” عام 2007 والذي طرح فيه ممثل حزب الله لأول مرة موضوع المثالثة في النظام بدل المناصفة التي أقرّها اتفاق الطائف.

ومع بدء ملامح الأزمة الاقتصادية والمالية وتسجيل العجز المتراكم في الموازنات، احتضنت العاصمة الفرنسية مؤتمر “سيدر” الذي جاء استكمالاً لمؤتمرات “باريس 1″ و”باريس 2” ولعبت فرنسا دوراً بارزاً في إقناع الدول المانحة بتخصيص حوالي 11 مليار دولار كمساعدات ومشاريع وقروض للبنان مشروطة بتنفيذ الإصلاحات لمكافحة الهدر والفساد. لكنها عبّرت عن استيائها من عدم الالتزام بهذه الإصلاحات ما أدى إلى تفاقم الأزمة وانفجارها.

وإذا كانت الحركة الدولية غائبة عن لبنان وطلب المساعدات من الدول الخليجية والغربية لا يلقى آذاناً صاغية طالما حزب الله يهيمن على قرار الشرعية اللبنانية ولا يلتزم النأي بالنفس، فإن فرنسا أوفدت وزير خارجيتها لمنع انهيار لبنان بشكل كامل ولمدّه بجرعة أوكسجين ولو من خارج الدولة المركزية حفاظاً على آخر معاقل الفرنكوفونية في المنطقة وما يمثّله هذا البلد من حضور ثقافي ولغوي ومن روابط تاريخية. ومن هنا جاءت المبادرة الفرنسية بدعم المدارس الفرانكوفونية بمبلغ 15 مليون يورو وهي مدارس تستقبل طلاباً من مختلف الطوائف وليس فقط من المسيحيين، على أمل أن تتجاوز الأزمة في ضوء عدم قدرة الأهالي على دفع الأقساط وبالتالي عدم قدرة المدارس على دفع رواتب المعلّمين. وكان لودريان واضحاً بقوله لممثلي المدارس الكاثوليكية “يمكنكم أن تتكّلوا على فرنسا فنحن لن نسمح بإنهيار قطاع التعليم ولاسيما المدارس الفرنكوفونية في لبنان”. ومن المعروف أن أكثر من نصف الطلاب اللبنانيين يدرسون في مدارس تعتمد التعليم الفرنكوفوني الثنائي اللغة، وأن أكثر من 5 آلاف طالب لبناني يقصدون فرنسا لمتابعة شهاداتهم العليا. وهناك في لبنان 40 مدرسة تتبّع المناهج الفرنسية بينها 6 مدارس فرنسية، إضافة إلى 9 مراكز للمعهد الفرنسي. أما الاستثمارات الفرنسية في لبنان فبلغت 598 مليون يورو، وهناك أكثر من 4700 منشأة فرنسية تصدّر منتجاتها إلى لبنان، وأكثر من 100 منشأة فرنسية لديها فروع في لبنان، إضافة إلى وجود 700 جندي فرنسي في قوات اليونيفيل.

في ضوء هذه المعطيات، تحرص فرنسا على استقرار لبنان وشراكتها معه وعلى الحفاظ على صيغته وهويته وعلى قيام أفضل العلاقات مع مختلف الأطراف انطلاقاً من التعددية المجتمعية. فهي وإن كانت على علاقة مميّزة مع الموارنة وبكركي، إلا أن علاقة خاصة تربطها أيضاً بالزعيم الدرزي وليد جنبلاط ورئيس الحكومة السنّي بدءاً برفيق الحريري وصولاً إلى نجله سعد الحريري، كذلك هناك انفتاح على رئيس مجلس النواب الشيعي نبيه بري وعدم إقفال الباب في وجه حزب الله على الرغم من تجنّب لودريان عقد أي لقاء معه. واللافت أن زيارة لودريان مرّت بهدوء وسلاسة خلافاً لزيارات المسؤولين الأمريكيين التي تستدعي ردّات فعل من قبل حزب الله، ففرنسا تتحاشى لغاية تاريخه استفزاز حزب الله على الرغم من تأييد لودريان لطرح البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي حول حياد لبنان عن أزمات المنطقة، وهي لطالما استطاعت لعب دور الوسيط على الساحة اللبنانية بين الأطراف المتنازعة، وكان لها دور أساسي في التوصّل إلى تفاهم نيسان عام 1996 الذي رسم معادلة جديدة للمقاومة ضد إسرائيل، كما قامت باتصالات على خط إيران والسعودية لوقف الشغور في رئاسة الجمهورية ولحل أزمة الرئيس سعد الحريري بعد تقديم استقالته الملتبسة من المملكة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية