فريد بيرتون وصموئيل كاتز في “بيروت تحكُم”: أسرار اغتيال مغنية وخفايا تعاون أجهزة الاستخبارات

سمير ناصيف
حجم الخط
0

قد يتساءل البعض حول الحكمة والإفادة من مراجعة كتاب من الواضح أن دوافع كاتبه سياسية منحازة، أكان ذلك في توقيت نشره أو في المعلومات الواردة فيه.

ولكن بعض هذه الكتب يتضمن معلومات مفيدة تاريخياً أو سياسياً خصوصاً للقراء الذين يستطيعون قراءة ما وراء السطور وليس فقط قبول المعلومات والآراء المنحازة.

فريد بيرتون، نائب الرئيس السابق لدائرة الاستخبارات في وزارة الخارجية الأمريكية ومؤلف حول مواضيع الاستخبارات الأمريكية في الشرق الأوسط وصموئيل كاتز، شريكه في عرض إنجازات الاستخبارات الأمريكية وحلفائها في العالم العربي، تشاركا في تأليف كتاب بعنوان: “بيروت تحكُم، اغتيال مدير الاستخبارات الأمريكية في بيروت وحرب حزب الله ضد أمريكا”.

توقيت نشر الكتاب يندرج في الحملة القائمة حاليا في أمريكا ولدى حلفائها في الشرق الأوسط لشيطنة إيران وحزب الله ونشاطاتهما في لبنان وسوريا والمنطقة عموماً. والمعلومات الواردة فيه تركز على أحداث جرت في ثمانينيات القرن الماضي، كان في الإمكان التطرق إليها سابقاً طالما أنها في حوزة المؤلفين.

المقاربة الأساسية في الكتاب أن مجموعة من المقاتلين اللبنانيين المتحالفين مع نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قادها العسكري اللبناني الراحل عماد مغنية اختطفت مدير “وكالة الاستخبارات الأمريكية” في لبنان وليم باكلي قرب منزله في منطقة رأس بيروت في 16 آذار(مارس) عام 1984 ونقلته إلى منطقة بعلبك في البقاع اللبناني واحتجزته مع رهائن أمريكيين وغربيين آخرين واستجوبته بعنف إلى أن أصيب بمرض وتوفي بعد ذلك بحوالي السنة.

هدف الخاطفين، حسب الكتاب، كان الإفراج عن شقيق زوجة مغنية مصطفى بدر الدين، المعتقل في الكويت لقيادته عمليات تفجير هناك، وهو كان قياديا بارزاً في “منظمة الجهاد الإسلامي” التي قادها مغنية. (وقد تم قتله لاحقاً بعد خروجه من السجن).

وبما ان إثارة هذه العمليات حاليا مفيد لأجندة سياسية تقودها أمريكا وإسرائيل وحلفائهما في المنطقة لتحويل وجهة الغضب الدولي والعربي عموماً من شجب ممارسات إسرائيل ضد الفلسطينيين وقمعهم وقتلهم يومياً إلى اعتبار إيران وحلفائها أسوأ المجرمين في فترة تحاول خلالها أمريكا وإسرائيل تحرير ما سمي “صفقة القرن”.

قد يكون من المفيد الإشارة إلى ما ورد في الفصل الثاني من الكتاب بعنوان “الشبح” عن سيرة عماد مغنية وتاريخ نشاطاته وخلفياته وأسباب انحياز الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية ضده بسبب ماضيه في المقاومة ضد مشاريع إسرائيل في المنطقة.

أول نشاطات مغنية، حسب ما ورد في الصفحات 25 إلى 29 من الكتاب، كان انتماؤه إلى حركة “فتح” الفلسطينية، وقد اختاره القائد (الذي اغتيل لاحقاً) علي حسن سلامة (أبو حسن) وهو في الرابعة عشرة من عمره. وبعد مقاومة مغنية للإسرائيليين خلال تنفيذهم عملية الليطاني ربيع 1978 ارتفعت رتبته في “فتح” وتم ضمه إلى “قوة الـ17” وارسل إلى دورة تدريبية في روسيا وتعيينه مرافقاً أمنياً للراحل صلاح خلف (أبو أياد) وسمي مغنية حركياً آنذاك “فهد”. ورافق مغنية أبو أياد في جولاته في الدول العربية المختلفة ودول المعسكر السوفييتي. واختارته لاحقاً الأجهزة الأمنية للجمهورية الإسلامية الإيرانية للعمل معها في عمليات التفجير التي نظمتها ونفذتها ضد المواقع الأمريكية (السفارة الأمريكية وقوات المارينز) في لبنان في عام 1983 بعد تفضيل مغنية التعامل مع ممثل الحرس الثوري الإيراني في لبنان علي رضا أصغري في هذه العمليات. وكان مغنية (حسب الكتاب) قد تعاون قبل ذلك مع منفذ عملية التفجير الضخمة ضد موقع الاستخبارات الإسرائيلية في صور (جنوب لبنان) الذي أدى إلى مقتل عشرات الجنود والضباط الإسرائيليين في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1982 ووفر له المتفجرات التي وضعها في سيارته (البيجو 504) التي اجتاح فيها هذا المركز. ويذكر الكتاب أن هذا الانتحاري اسمه أحمد قصير وأن المتفجرات في حوزته حصل عليها مغنية من قائد جهاز المقاومة الميدانية في منظمة “فتح” الراحل خليل الوزير (أبو جهاد). (ص 34).

ويتساءل القارئ: من أين حصل الكاتبان على هذه المعلومات “الدقيقة” سوى من استخبارات معادية للمقاومة الفلسطينية واللبنانية؟

ويأسف الكاتبان على “ضحايا التفجير الانتحاري لموقع الاستخبارات الإسرائيلية في صور وتفجير السفارة الأمريكية في بيروت” حيث قتل مسؤولون أمنيون كبار في الاستخبارات الأمريكية بينهم كينيث هاس مسؤول الـ”CIA” في لبنان آنذاك الذي كان مكلفاً تشغيل قادة الميليشيات المسيحية التي كانت متعاونة مع إسرائيل في لبنان، وروبرت أيمز المشرف على عمليات الوكالة الاستخباراتية الأمريكية في الشرق الأوسط في تلك الفترة ومسؤولين استخباراتيين وأمنيين آخرين من ضمن الـ63 شخصا الذين قتلوا في ذلك التفجير (ص 4).

في الفصل الثاني يشير المؤلفان إلى النية السيئة لمغنية وإلى ذكائه في الوقت عينه، حيث يقولان انه أدرك لو ترك ويليام باكلي على قيد الحياة بعد احتجازه لأبلغ المسؤولين الأمريكيين عما اعترف به لمحتجزيه، ولكنه في الوقت عينه أراد ابقاءه على قيد الحياة لأطول فترة ممكنة لكي يتأكد من اخراج عديله مصطفى بدر الدين من سجنه في الكويت (ص 201).

أما بعد وفاة باكلي بسبب المرض والتعذيب في حزيران (يونيو) 1985 وبعد تأثيرات تفجير ضخم في منطقة بئر العبد في الضاحية الجنوبية لبيروت في 8 آذار (مارس) من العام نفسه والذي أدى إلى مقتل شقيق عماد مغنية، فالقضية لم تعد فقط الإفراج عن مصطفى بدر الدين بل أصبح من الصعب كبح جماح مغنية في معاملته للمحتجزين وأصبح حانقاً وقاسياً في تعامله معهم ومع هذه القضية (ص 175 ـ 179). فقد تم احتجاز أمريكيين آخرين بالإضافة إلى الذين احتجزوا سابقاً بعشوائية “فقط لكونهم أمريكيين”.

في الفصل 22 يشير الكاتبان إلى أن مغنية اغتيل في 12 شباط (فبراير) 2008 قرب دمشق. ومن مهمات مغنية في سوريا التنسيق مع مسؤول الاستخبارات السورية السابق في لبنان رستم غزالة (الذي قُتل بدوره لاحقاً) ومع منظمات راديكالية فلسطينية في سوريا كانت تخطط للقيام بعمليات ضد إسرائيل في غزة والضفة الغربية (ص 326 ـ 327).

وقد أشارت صحيفة “واشنطن بوست” (حسب المؤلفين) في أحد أعدادها عام 2015 إلى أن عملية اغتيال مغنية تمت عبر التنسيق بين جهاز الاستخبارات الإسرائيلية “موساد” ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “CIA” وقد أيدها المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية مايكل هايدن (المتعاطف مع إسرائيل ضد خصومها). وقالت الصحيفة إن القنبلة التي وُضعت في سيارة مغنية صُنعت في ولاية كارولينا الشمالية الأمريكية وإن استخدامها تم بعد موافقة الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الابن (ص 339).

ورأى المؤلفان أن هذه العملية أثبتت ان “العدالة تحققت وان العين بالعين والسن بالسن، ثاراً لوليم باكلي وكينيث هاس وروبرت ايمز ومئات الأمريكيين والمارينز الذين سقطوا شهداء على يدي “معلم” هذه العمليات التفجيرية التي أودت بهم” (ص 341).

ولم تعترف الحكومتان الأمريكية والإسرائيلية علناً بمسؤوليتهما عن قتله رغم ان مسؤولين فيهما عبّروا عن ارتياحهم لهذا الحدث وبينهم رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ايهود أولمرت ومدير الاستخبارات السابق مئير داغان (ص341 ـ 342).

يذكرُ الكتاب ان مصطفى بدر الدين، أشرف على عمليات ميدانية عسكرية في سوريا لفترة بعد خروجه من السجن ولكنه قتل في عملية قصف جوي إسرائيلي لموقع لحزب الله قرب مطار دمشق خلال مقاومته لـ”تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش) على إثر تسلمه القيادة العسكرية لحزب الله في سوريا بعد مغنية في أيار (مايو) 2016.

ويشير المؤلفان إلى أن إيران، في المرحلة الحالية، لم تعد تعمل في الخفاء وراء مقاومين ومقاتلين لبنانيين في سوريا ولبنان بل هي ترسل قادة وعناصر إيرانيين من ضباط وأفراد “الحرس الثوري الإيراني” إلى مواقع القتال بشكل علني وخصوصاً بعد قرار الإدارة الأمريكية التراجع عن الاتفاق النووي بين إيران ودول (1 + 5P) وتصعيد العقوبات الاقتصادية وتنشيط التحريض السياسي والإعلامي ضد طهران.

ومن الجدير بالذكر ان المؤلفين يشيران في أكثر من مناسبة في الكتاب إلى التعاون الذي كان قائماً بين الأجهزة الأمنية الأمريكية والأجهزة الأمنية السورية، خلال فترة احتجاز وليم باكلي والرهائن الأمريكيين الآخرين في ثمانينيات القرن الماضي. فقد كان الرهائن يعودون إلى بلادهم عبر دمشق بعد الإفراج عنهم ابتداء من جيريمي ليفين ومن بعده لورنس جنكو، وغيرهما، وان هؤلاء الرهائن كانوا يؤكدون للمسؤولين السوريين ومسؤولي السفارة الأمريكية في دمشق أن القساوة معهم ومع باكلي كانت على مراحل ومرتبطة بشكل أساسي بما يجري من أحداث في المنطقة عموما وفي قضية الأسرى من حزب الله في الكويت، وان الأمور ساءت بعد متفجرة بئر العبد في الضاحية الجنوبية لبيروت.

ويذكر الكتاب أن مغنية حاول في نهاية أيلول (سبتمبر) 1985 الضغط على الاتحاد السوفييتي في قضية محتجزي الكويت، فخطف رجاله أربعة دبلوماسيين سوفييت وقتلوا أحدهم واحتجزوا الآخرين، فأتى رد فعل موسكو عنيفاً جداً إذ قتلت الاستخبارات السوفييتية أحد أقرباء الخاطفين بوحشية، فتم الإفراج عن المخطوفين الروس خلال أيام قليلة. ولكن قرار الخطف خلق لمغنية ومجموعته أعداء ربما كان من الأذكى والأبعد نظراً بالنسبة إليهم ألا يخلقهم.

Fred Burton and Samuel Katz: Beirut Rules

Penguin, New York 2018

390 pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية