صنعاء-“القدس العربي”:كان أعضاء فريق الهاش اليمنيّ أو فريق صنعاء للمشي وتسلق الجبال، يدركون خطورة الوضع، لكنهم لم يتراجعوا عن استئناف بعض نشاطهم في زمن الحرب؛ فالمشي وتسلق الجبال صار جزءاً من حيواتهم، بل لقد رأوا، في فترة الحرب، فرصة لإعادة اكتشاف قيم التسامح والتعايش لدى اليمنيين في الأرياف والجبال والوديان والسواحل؛ فهناك اليمن الحقيقي الذي يجب أن يتعرف، من خلاله، اليمنيون إلى أنفسهم ليستعيدوا الثقة بثقافتهم في مواجهة تداعيات الحرب.
جاب هذا الفريق، حتى الآن، كثيراً من مناطق البلاد في رحلات ابتدأت من ثمانينيات القرن الماضي من خلال مرافقة فريق من المشاءين الأجانب؛ ليتطور الأمر لتأسيس فريق يمني؛ وتنظيم رحلات مشتركة للفريقين حتى مغادرة الأجانب قبيل الحرب، فيما واصل الفريق اليمنيّ رحلاته حتى انفجر الصراع. وفي عام 2016 استأنف ما تبقى من الفريق رحلاته بشكل جُزئي تحت دوي الرصاص فكانت تجربة مثيرة. هنا نقترب من التجربة، ونتعرف لخصوصيتها، ونتوقف عند بعض محطاتها لنشاهد، من خلالها، صورة غير مألوفة لليمن واليمنيين.
لقد استفاد أعضاء الفريق من مواقع التواصل الاجتماعي فينشرون، بشكل شبه يومي، صوراً وقصصاً من تلك الرحلات تُعيد الاعتبار لجمال بلادهم وخصوصيتها.
كلمة الهاش
عندما تأسس فريق للمشي بصنعاء نهاية القرن العشرين من يمنيين وأجانب كان هؤلاء يدركون أنهم يمارسون رياضة قديمة، فأول فريق لهذه الرياضة، وفق كابتن فريق صنعاء للمشي سعيد عبد الله السروري، “كان تجمعاً بدأ بمجموعة من الرعيان في كوالمبور بماليزيا لتجديد نشاطهم وكسر الرتابة بعد يوم شاق ومضن. وانقسم الرعاة إلى مجموعة تقوم بالرعي، وأخرى تقلي شرائح البطاطا؛ وسمي ذلك النشاط “هاش” وكانت الكلمة الصينية المتداولة بين الرعيان لوصف ذلك العمل الذي جمع بين الرياضة والبطاطا المقلية”.
“عام 1938 اقتدت مجموعة من الانكليز ممن عاشوا في ماليزيا بهذه التجربة، وضموا إليها آخرين من فئات عمرية وجنسيات عديدة، وشكلوا فريقاً يلتقي أسبوعياً للقيام برحلة يُعَدّ لها مسبقاً لممارسة رياضة المشي وتسلق الجبال”.
نادي صنعاء
في اليمن، يقول مساعد كابتن الفريق طاهر سيف عبد الحق لـ “القدس العربي” إن تنظيم الهاش بدأ في ثمانينيات القرن الماضي، من خلال عدد من الأجانب والعرب المقيمين في صنعاء وبمشاركة مجموعة من اليمنيين، حيث كان يتم اللقاء أسبوعياً كل يوم اثنين والقيام برحلة جبلية في ضواحي المدينة.
“يُمثلُ الهاش فرصة فريدة لممارسة الرياضة الترفيهية؛ فهو نشاط عام يمكن لأي شخص ممارسته، من خلال الانخراط في المشي الجماعي، والذي يحقق التواصل بين أفراد المجتمع. ويقام هذا النشاط في مناطق مختلفة من الأرياف بما يعزز العلاقة بين سكان المدن والمناطق الريفية المحيطة؛ وهو ما ينعكس أثراً إيجابياً في نشر الوعي الرياضي والتعرف إلى مناطق متعددة من اليمن والمزيد من الوعي حول الرياضة السياحية والعلاجية؛ وهي رياضة يمكن أن تُقام في بيئات مختلفة صحراوية وجبلية وأودية” ويضيف عبدالحق “من خلال اشتراكنا في نادي صنعاء للهاش، والذي تم تأسيسه من قبل الجاليات الأجنبية وموظفي السفارات والمنظمات بصنعاء، انخرطنا في صداقات واسعة مع جنسيات مختلفة، وكانوا من عشاق التسلق الجبلي والمشي لمسافات طويلة، ولديهم إمكانات تغطية المصاريف والنفقات، ويمتلكون وسائل نقل جيدة”.
مرحلة جديدة
انتقل ذلك النشاط لمرحلة جديدة، إذ أنشأ اليمنيون فريقاً موازيا للفريق الأساسي، وبدأ الفريق اليمنيّ بتنظيم رحلات لخارج صنعاء وإلى المحافظات البعيدة كل يوم خميس أو يومي الخميس والجمعة بالإضافة للخروج في العطل الرسمية. كما كان يحصل تبادل منفعة بين الفريقين؛ فكان اليمنيون المرشدون إلى الرحلات الجبلية والحصون واقتفاء أثر طرق القوافل القديمة بين المدن والبلدات التاريخية، وحسب عبد الحق كان نشاط المشي يستغرق مسافات طويلة.
يوضح الكابتن السروري لـ”القدس العربي” لقد “ذهبنا لننخرط ونزور أماكن لم تكن تخطر على بالنا يوماً ما، وكنا نحمل آلات التصوير الفوتوغرافي ووثقنا رحلاتنا لمناطق كثيرة، وأصبح لدينا أصدقاء كثيرون في الأرياف، فمثلاً طفنا مناطق خولان ونحن نقطع المسافات في جبل اللوز وبني بهلول وغابات عضية وهجرة شوكان وشوبان وشاحك والدرب وغيمان”.
التصوير الفوتوغرافي
كان للتصوير الفوتوغرافي مساحة في هذه الرحلات؛ فالتقطوا الكثير من الصور من زوايا مختلفة، وتراكم لديهم مخزون هائل من الصور. كما أضافت لهم رحلات المشي كماً هائلاً من الثقافات، وتعرفوا، من خلالها، إلى الجبال وتنوعها، وغيرها الكثير حتى تكونت لديهم – وفق طاهر عبد الحق، فكرة متكاملة عن فن العمارة وبناء السدود والجسور في الأودية، وطريقة حفر قنوات الري في الجبال، ومخازن الحبوب، وسلالم الطرقات إلى الحصون الجبلية. مقتربين من البيئة الجبلية الزاخرة بالتنوع النباتي وأنواع لا تحصى من جمال الزهور والورود البرية وتنوع الأشجار بالإضافة إلى بيئة العصافير والطيور الملونة والنادرة وغيرها من الحيوانات، كما تعرفوا لمصادر المياه العذية وينابيع العيون وبِرك الماء في الجبال.
بدأ الفريق بنشر بعض الصور منذ عامي 2009 و2010 في صفحات التواصل الاجتماعي، واحتفى بها عددٌ كبير من المعجبين والمعجبات. “كنا نذهب في رحلات بعيدة ومثيرة مع الحرص على دخول الحصون المندثرة والمظلمة بحثاً عن التاريخ وآثاره المُهمَلة والمطمورة والتي يتعمد البشر تدميره”. يقول عبد الحق.
الحرب
دخل اليمن منذ عام 2011 بفعل ما عُرف بثورات الربيع العربي، في مسار مختلف من عدم الاستقرار؛ مما أدى، وتحديداً منذ عامي 2012 و2013 إلى مغادرة الجاليات الأجنبية للبلاد. وعلى الرغم من ذلك استمر نشاط فريق الهاش اليمني خلال تلك الفترة الحرجة حتى توقف نهائياً عام 2014.
يقول عبد الحق “دقت طبول الحرب عام 2015 وكان القصف من قبل الطائرات مُدمراً، وطال المدن والجبال والأودية، وكانت معظم المناطق التي نعرفها وترددنا عليها قد اُستُهدِفت بشكل يبعث على القلق”.
نتيجة لذلك تَفرّق فريق الهاش؛ فمنهم مَن غادر الوطن، ومنهم مَن ذهب إلى الأرياف. كان الصراع الدائر في المدن اليمنية والحروب في عدن وتعز والبيضاء وعمران وصعدة قد مزق عضد الفريق، “كل ذلك جعلنا نعيش مأساة الموت وتشييع شهداء الحرب، الأمر الذي جعلنا نشعر باليأس؛ إذ دخلنا أنفاقا مظلمة لحروب لا نهاية لها” يضيف.
مع ذلك لم يستكين بعض الأعضاء، فقرروا استعادة بعض نشاط الفريق، وكان ذلك في كانون الأول/ديسمبر عام 2016 لكن من خلال شخصين أو ثلاثة، وحسب كابتن الفريق “فقد اقتصرت المشاركات على زملاء المهنة والأصدقاء الذين نرى فيهم القدرة على اجتياز المسائلات الأمنية والتفتيش الدائم على الهويات” وكذلك تحاشيا لعدم لفت الانتباه فقد بدأ الفريق برحلات خجولة إلى بني مطر والمحويت وعمران وإب وذمار.
ومن خلال تلك الرحلات “وجدنا أن الوطن نجا من الحرب الأهلية؛ فالناس حول مدينة صنعاء وخاصة الفلاحين قد سئموا الحرب، وكانوا سرعان ما يرحبون بنا” يقول الكابتن السروري موضحاً أن “عدد الذين يشاركون في رحلات الفريق حالياً هم ما بين 12 إلى 21 عضواً، وأحياناً يقل العدد بسبب حوادث الحرب التي تقع في المناطق التي تشمل برامج رحلاتنا الأسبوعية”.
لكن التصوير من خلال الكاميرا أوقعهم في مشاكل في ظل أجواء الحرب؛ حيث ظلت تحاصرهم، بين الحين والآخر، تُهم توزيع شرائح رصد المواقع التي يستهدفها قصف طيران التحالف؛ لذلك قرروا ألا يحملوا آلات تصوير، مستعينين بكاميرات هواتفهم المحمولة.
لم تقتصر رحلاتهم على القرى، بل كانوا يشقون طريقهم في الجبال، مستفيدين من معرفتهم بالطرق ما جعلهم ينجون من الملاحقات، بل كانوا يجدون مَن يعرف أنشطتهم السابقة فلا يعترضون طريقهم. “ولا نخشى الانتقال إلى الأرياف وظلينا نتردد إلى عمق التجمعات السكانية والذين ما يزالون يعيشون السلم ومناطقهم آمنة، وخاصة ريف محافظة صنعاء ونحضر ولائم الأعراس التي نصادفها في طريق رحلاتنا” يقول عبد الحق.
معسكرات
“حدث الكثير وخضعنا للتساؤلات، ونحن نغامر للوصول إلى القرى الجبلية والمحلات السكانية، وكنا ندخل في حوار وتفاوض، وسرعان ما يرحب بنا أهل المحل ونربط معهم صداقات بهدف العودة مرة أخرى” ويضيف عبد الحق، “وحدث أن وقعنا في خطر قاتل، ونحن نستعيد رحلات الهاش في ظروف الحرب، حيث سلكنا طرقاً نعرفها في ضواحي مدينة صنعاء، وتفاجأنا بوصولنا لمعسكرات مستحدثة، ولا أنسى مشهد توجيه الرشاشات نحونا، ونحن نحاول الصعود من قرية بيت زبطان إلى قرية بيت بوس، كما وقعنا في الاعتقال في منطقة آنس، حين اقتحمنا عُزلة الأودية، والتي تحولت إلى مناطق عسكرية”.
ووفق السروري فقد تعرض الفريق خلال مسيرته الطويلة لظروف مختلفة كالضياع بين الجبال والأودية، وخاصة مع حلول المساء، والتعرض للعطش القاتل، وكان البعض منهم يقع في حوادث انزلاق أو تقع صخور فوق رؤوسهم، وتعرضهم لعواصف رعدية وغيرها.
كما شهدت رحلات الفريق عديد من الطرائف، وبالذات خلال مرافقة الأجانب. يقول عبد الحق: في إحدى الرحلات سألني أهل القرية التي وصلنا إليها في المحويت، ماذا يعمل رفيقك؛ وكان هو فرنسي الجنسية، ويعرف بعض الكلمات العربية، وأجاب صديقي بقوله دكتور. وكرروا السؤال عليه ماذا تعمل زوجتك، وهي صديقة من ألمانيا، ولا علاقة لها بالفرنسي، لكنه قال دكتورة. وبعد قليل توجهت النساء والأطفال نحو الألمانية، والتي كانت لا تعلم أنها تحولت إلى طبيبة فجأة بسبب المزاح الثقيل من صديقنا الفرنسي، وكان الجميع يعرضون عليها عاهاتهم، ويشكون من أمراضهم… واضطرب حال الألمانية، وجاءت إلينا ننقذها من الموقف، أما الفرنسي فقد غادر القرية واختفى.
الرازحي
خلال ظروف الحرب استقبل الفريق عدداً من الأعضاء الجدد أبرزهم الشاعر والكاتب الساخر عبد الكريم الرازحي الذي أضاف الإصرار لزيارة مناطق العمق الجبلية في همدان وعمران والمحويت وغيرها من الأماكن، وفق عبد الحق.
“ما زلنا نعيش إلى اليوم ظروف الحرب وقوانين الطوارئ ونتعرض للتوقيف والمسائلة، ولكننا اكتسبنا الخبرات في كيفية الخروج من المشكلات حين نقع في دائرة الاشتباه، وأصبحت أسماءنا معروفة للدوائر الأمنية ومراكز التحريات” يضيف عبد الحق “ما يجعلنا ننجح في كل رحلة هو التوغل سيراً على الأقدام في مناطق وعرة بعيدة عن طرق السيارات، والتي نجدها تعيش الهدوء الأزلي، وهناك نجد اليمني يعيش بالفطرة ونشاركه العيش ونأكل معه الخبز، ويقدم لنا الكثير من الرعاة اللبن الرائب والشاي، ويسعدهم أن تكون ضيفاً لديهم” وأشاد بما وجدوا عليه الفلاحين والمزارعين الذين كانوا، رغم ظروف الحرب، يحرصون على إكرامهم بسخاء، ويطلبون منهم أن يشاركوهم الطعام، وخاصة في منطقة خولان.
الصور والحكايات
دأب أعضاء الفريق على نشر بعض صور رحلاتهم وحكاياتها عبر صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي؛ فلا يمر يوم للكاتب عبد الكريم الرازحي مثلاً بدون أن ينشر عددًا من الصور من مناطق مختلفة مع وصف لما شاهده وعاشه من قصص. واستطاع الفريق من خلال ما ينشره أعضاؤه أن يقدّم توثيقاً مختلفاً لمعالم كثيرة، ويعكس جمال ما يمتلكه البلد. يقول عبد الحق: “نشعر أننا وضعنا بذرة الفكرة لتأسيس فِرق مشابهة في عواصم المحافظات والمدن الكبرى”.
كيف تولد أفكار الرحلات، وكيف تُنفذ؟ تعتمد رحلات الفريق على قيام كابتن الفريق بإعلان برامج الرحلات واختيار وجهة الرحلة بعد التشاور مع أعضاء الفريق، ويكون الهدف من تحديد مسار الرحلة اكتشاف منطقة غريبة ومثيرة. ومن خلال رحلاتهم الكثيرة أصبح لدى أعضاء الفريق معرفة متكاملة بكل الاتجاهات؛ ولذلك يكون من السهل الذهاب إلى أي مكان، فجغرافية الجبال وتضاريسها المعقدة لها أسرار غامضة صار الفريق يكتشفها بسهولة من خلال تراكم الخبرات.
أما عن نفقات الرحلات؛ فيقول عبد الحق: “نعتمد على القليل من النفقات لإنجاح الرحلات، حيث ننتقل بشكل جماعي ثم نبذل جهوداً غير عادية للمشي حتى نصل لأهدافنا، وبذلك نوفر الكثير من الأموال في ظل ارتفاع أسعار تكلفة الانتقال”.
وعن الفائدة التي يجنوها من هذه الرحلات يؤكدون أنها تمنحهم إمكانية التأمل وإعادة اكتشاف البلاد وبخاصة في الجبال، وتعلم كيفية العيش بأقل القليل من دون اسراف في الانفاق؛ فالحياة مع المشي والتسلق مختلفة.
ويحلم الفريق عقب إشهاره بعد الحرب بفتح مقر رسمي للنادي بصنعاء وانشاء فروع له في المحافظات لتعميم ثقافة المشي وتسلق الجبال كوسيلة لإعادة اكتشاف الإنسان والمكان باعتبارها طريقاً لإعادة الاعتبار للذات والوطن حد قول أحدهم.