فضاء أرضه ممهدة لاستقبال البذور: الفراغ المهدور في الأدب

إبراهيم محمود
حجم الخط
0

هناك شكوى لا تُخفى لدى الخاصة والعامة، وبنسَب متفاوتة من الفراغ، تحيله ربما إلى الخصم أو العدو «رقم واحد» للطرفين: فراغ في الحياة، حديث عن الكلام الفارغ، عن النص الفارغ أو المفرَّغ من المحتوى، إشارة إلى أحدهم بأنه «فارغ»، وحتى توصيف مجتمعات بأنها «فارغة»… ويبدو أن هناك سلاسل طويلة وأنساب للفراغ، أو تُهَم لبّس بها الفراغ. ويبقى للأدب بوصفه إبداعياً نشأة في الواجهة، فهو وإن سليل واقع ما، ولكنه مجاز بدمغة خيالية معينة.
ثمة إدارة سيئة التكوين لإدارة المفهوم. فما نشكوه ونشكو منه ليس الفراغ بعلامته الفارقة سلبياً، وإنما العجز عن إقامة علاقة مع الفراغ نفسه، إذ من خلاله يضاء عالم معتم داخلنا لا نعبأ به.
المعاناة من الملء، من عدم ضبط العلاقات بينه والفراغ الذي يعمّد مجمل ما نقوله ونقوم به، وفي عالم الكتابة، وفي الإبداع سهمٌ وافر له. فثمة أكثر من «جريمة» تُرتكَب باسم الفراغ، وحيث تتمثل مقدرة الكاتب الفعلية في كيفية مكاشفة الثراء الجمالي والوظيفي فالقيمي للفراغ، هذا الذي لم يكن يوماً مفارقاً لنا. إنه يتنفسنا، بقدْر ما يترجم سلوكياتنا ويجلو بواطننا كثيراً.
لنُشِر إلى مدى التقابل بين النص والنسيج في الأجنبية: النص Text، والنسيج Texture. أن يكون النص نسيجاً، هو تحصيل حاصل، لكنه تشبيه يعرّي جوانب حيّة فينا (رولان بارت في «لذة النص» ربط بين الجسد والنص، الجسد نفسه مفهوم نسيجي، فاعل حيوي في تعزيز مقولة، أو فكرة أو نفيها أو إضعافها. هكذا تصرف جاك دريدا في مستهل «صيدلية أفلاطون»).
في الحالتين، يمكن للمشهد الجسدي الحي والسليم بطبقاته أن يعيننا في تقريب مكانة الفراغ وخطورته، أي حيث يكون الجسد مأخوذاً بمساماته، جلده الذي يحوطه ليكون فاعلاً ومنفعلاً. إنه تنفيسه وتنفّسه، ودونه لا إمكان للحياة إطلاقاً. وفي ذلك فعل «بيان وتبيين» إن جاز استخدام التشبيه العربي القديم، في إضاءة واقعة دلالية كهذه. فأي لباس نرتديه يكتم أنفاسنا!
النص نسيجاً، هو أن يتضمن قدراً كافياً، وبما يتناسب وطبيعة الفكرة المطروحة فيه، من المسافات التي تسمح بقراءته، برؤيته متخيلاً. في النسيج، تتراءى تلك الثقوب/ المسامات التي تشكّل «الجلد المساماتي» للنص المكتوب أو يكون قيد الكتابة أو الانبناء.
والمبدعون هم الذين يحسنون لقاء المختلف، أي حيث يهندسون العلاقات بين عباراتهم، وهي تتناثر في الفضاء الورقي أو ساحته، إنه فضاء جار إخصابه، وأرضه ممهدة لاستقبال البذور.
لا غرابة حين يأتي التركيز على معنى النص الذي يركّز على الفراغ ونوعه بالذات. الفراغ هو الذي يعزز معنى ما أو ينفيه أو يسقطه أو يشهد على وهنه أو ضحالته: نص كالماء ينساب، كالهواء الذي يهب عليلاً، كالنور الذي يمتد محيطياً، انطلاقاً من رصيد الفراغ.
إن نصاً لا يُسبَر غوره، هو الذي يستوقف باعتباره متطفلاً على اسمه، لأن هناك فراغاً مهدوراً.
هذا يستدعي النص المحبوك بإتقان (رجعنا إلى مفهوم الخياطة، ومهمة النسج، وما يمكن «إنتاجه» بمفهومه الاعتباري!). حيث إن انفجار المعاني أو انتثارها يتناسب مع القدرة الهائلة للنص في طرح «ثماره» الرمزية، في إغواء القارئ لأن يعيش لحظة خارج زمنه المألوف، كون الإبداع استيلاد الزمن الخاص لكاتبه أو مبدعه، ومن هنا يجري الحديث عن بصمته.
ومن المعلوم هنا، وبما أننا في مضمار النص: النسيج، وما يمكن للنسيج أن يؤطّر خيالنا في بنية علاقة محلّية، حيث التعامل مع أشخاص معينين بقياساتهم الجسمية، لا بد أن يشار هنا أن رهان الكاتب المبدع هو في كيفية التحليق بخياله الذي يتكلم لغته ورؤيته الخاصة، ويخرج عن نطاق المتداول، ويكون هناك مجتمع متخيل، جواز مرور إلى الزمن الممتد إلى المستقبل.
الفراغ المهيب اسماً، العظيم أثراً، هو الذي يصل ما بين مختلف النصوص الإبداعية في الأدب: شعراً، ونثراً، وهي التي تنسَّب إلى المستقبل، انطلاقاً من تلك الفراغات التي جرى تأكيدها. وعلي أن أشير هنا إلى أن مفهوم الأدب بمحتواه القيمي عربياً لازال مثقَلاً بما هو أخلاقي، وليس ما يمنح الفرد خصوصيته، وحق التعبير عن ذات ناطقة باسمه، بالمعنى الجمالي هنا طبعاً.


الحديث عن نصوص معينة، ومن لغات مختلفة، يعني وجود قاسم مشترك للإبداع، وهو قاسم يمضي بنا إلى عالم المكتوب والمعزَّز بفراغات هي مسافات تسمح بالقراءة، برؤية الخفي، ومن ثم بمكاشفة العميق الغور في هذا النص أو ذاك، أي وجود فراغات هي جيولوجيا المعاش ثقافياً.
بغية إيصال المعنى وتوسيع نطاق عمله، يشار إلى السلّم الموسيقي، فهو ليس أكثر من ملء وفراغات، دون ذلك لا اهتزاز للأوتار، والاهتزاز يسمّي الفراغ الواهب المعنى للصوت، حتى في ملامس البيانو التي تحتفظ بفراغات تسمح باستعمالها وإسماع أصوات معينة. كما يشار إلى جمالية الرسم ومأثرة المعنى وذائقته، حيث يكون الملء والفراغ فاعلين، جهة العلاقات بين توزيع الألوان، وحدود انتشارها، وطبيعة نثر اللون بالريشة…الخ، كما يفصّل في ذلك فرانسوا شينغ. والنص لا يعدو أن يكون نسيجاً لونياً متخيلاً، والرسم نصاً مقروءاً متخيلاً.
في بنية هذا المفهوم المُساء إليه نشأة وتوظيفاً وتوصيفاً: الفراغ، يمكن الحديث عن الاختلاف الذي يصل من ناحية ما بين كاتب وآخر، ويقيم فصلاً بينهما، جهة المميَّز لدى كل منهما.
أترك الأسماء الدالة بجنسياتها المختلفة وأزمنتها التاريخية. حسبي الإشارة إلى نقطة مهمة قاتلة أحياناً هنا، تمس الفراغ بالذات، وهي في التأكيد المسلَّم به بصدد النص المتضمن لما لا يحاط به من التصورات، أو حالات التناغم، وهي تتعايش معاً في المجتمع «النصي». والناقد حين يشهد على براعة نص ما، يسمّي فيه أبعاده التضاريسية وتنوع العوالم والرموز المتصادمة، والتي تضمن وحدها جواز ولادة النص الإبداعي، ومن ثم انتشاره واستقطاب قراء من لغات شتى.
إن بدعة الفراغ هنا تتأتى في إتيانه لما يصدم الفراغ الذي يستهلك عامته وحتى خاصته في المجتمع. فراغ المبدع غير فراغ المستهلك اليومي. إنه يقوم على النقيض. إنه ينبّه، يحرِج، يربك، يستفز، وربما يستثير عالماً داخلياً بكامله. وفي وسع أي كان النظر في تلك الأعمال الأدبية من شعر، رواية، قصة ومسرحية، وكيف أنها بطابعها الصدامي العميق تمارس تصديعاً في أرض الواقع القاحلة، أو حيث يكون الناس نوّماً أو شبْه ذلك، أي ما يعدِم الفراغ أصلاً.
ما الذي يشدنا إلى نص دون آخر، ما الذي يثير فينا حماس القراءة لهذا النص أو ذاك، وكذلك الترويج له، أو الإشادة به؟ إنه انسكاننا بالفراغ المبصر، بـ»دودة» الفراغ الأرضية التي تمارس تنفيساً من الداخل، وتسمّي فينا ذائقة مغايرة للسائد، وتوقنا إلى مجتمع يتاخم المؤلَّف نصياً.
إن التشهير بنصوص تمتلك قامات تصلها بالشمس ولا تطال لسموها الجمالي، وفي مجتمعات تنغلق على ذاتها وهي طوع زمن كهفي، لا يخفي مدى خوف القائمين بذلك، حيث تتهدد قيم يحرَص على بقائها نظراً لعائدها الوظيفي والتقليدي طبعاً. وما في ذلك من تمييز كبير بين مجتمعات تراهن، بنسبة لافتة، على خصوبة فراغات تضيء ما هو معتم داخلها، لتبصر غدها أكثر، أي وهي تعيش حيوية الزمن المختلف وتدابيره الموشورية وكثرتها كما هو اليوم، ومجتمعات تساكن، بنسبة لافتة كذلك، فراغات معهودة، موقوفة في زمن كان حصراً.
إن الاحتفاء بالنصوص الإبداعية، تأكيد حي على سباق الزمن المستجد، والاعتراف القانوني نفسه بأن المجتمعات التي تريد أن تأمن على نفسها في البقاء لزمن طويل، ويشار إليها بالبنان، هي التي تسجّل اعترافاً مستمراً بالفراغ الذي ينتمي إليها، أو تعرَف من خلالها: الفراغ الحيوي، فراغ «الهندسة الفراغية» الذي يقود إلى أجواز الفضاء، وفراغ النسبية الذي يعطي لأي كان، في أن يستثمر قواه الحية، طاقته «الروحية» وينمّي الجسد المجتمع قدر استطاعته.
وللغة أن تقول شهادتها في ذلك، لغة من يتكلم، والزمن المسجَّل في كلامه، ووجهته، والمجال الاجتماعي والنفسي والثقافي الذي يضاء من الداخل، فهي التي تكون الدالة الكبرى على الفراغ في مردوده السلبي والإيجابي، وهي الذاكرة المحمولة في مفرداتها وكيفية توظيفها ومن هم الذين يحرصون عليها، أو يحرسونها، كما هو مجرى الخطاب السياسي القائم والموجه. وليس من شك في أن أيّ ممعن ِ نظر ٍ في لائحة المحظورات التي يعرَف بها مجتمع دون آخر، لا بد أن يدرك في الحال جنسانية الفراغ المعتمد، وأي رصيد قيمي، معرَّف به، وتسمية زمنه ووجهته بالمقابل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية