«فلسطينياذا» مجموعة الفلسطيني علي العامري: ملحمةُ شعريةِ الأرض في صُنْعِها لإنسانها

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

لا شك أن كتابة الملحمة الشعرية أمرٌ بالغ الصعوبة، ولا يلاقي النجاح المرجوّ في النهاية إن لم يكن شاعرُها على قدْر تحدّي كتابتها، إذ تشترط عليه: الموهبةَ التي لا يمكن إسراج أحصنة السير بغيرها، والتجربةَ التي تمنحه القدرة على تنويع إيقاعاته بما يتطلّبه التنوّع، لتفادي التكرار غير المتناسب، مثلما تشترط أن يكونَ واسعَ الثقافة، عميقَ المعرفة بتاريخ جوانب موضوعه، إضافة إلى الحكمة التي تبعده عن التحيّز. ولا يمكن نسيان المتعة التي تشدّ القارئ لمتابعة موضوعٍ طويلٍ ومتشابكِ الأحداث والأبطال الخيرين والشريرين من دون أحكامٍ، هذا إن لم نذكر زيادة الصعوبة حين يقوم شاعرُ الملحمة بمقاطعتها أو مداخلتها بما سبقَ من ملاحِم، تفتح لخيوله هوّة السقوط في التشبيه القاسي، عند المقارنة الخفية الجارية في ذات القارئ، وبالأخص إن كانت الملحمة المتداخَل بها هي «الإلياذة»، الأشهر في تاريخ الملاحم.
وفي النهاية التي تستدعي فلسطين «أمّ البدايات، أمّ النهايات»، وفق قول شاعرها محمود درويش، بقصدية كونه شاعرَ الملحمةِ الفلسطينية، «الطرواديُّ» وفق قول يانيس ريتسوس له، فإن صعوبة كتابة الملحمة الشعرية تزيد فعلاً إن تناولتْ موضوعاً معقّداً أصبحَ قضيةَ تهزّ عالمنا هي القضية الفلسطينية التي تتشابك وتتصارع فيها العوالم، وتسيل الدماء. كما تزيد فعلاً بتشابه ما جرى للطرواديين من إحراق مدينتهم، مع ما جرى ويجري للفلسطينيين من تدميرِ مدنهم وقتل أطفالهم، وتهجيرهم من جهة؛ وتماثُلِ شاعرهم محمود درويش من جهة أخرى، مع هوميروس شاعر «الإلياذة»، وإنْ بالتضاد؛ حيث لا يبقى من أبوابٍ مفتوحةٍ للتداخل بهذا التماثل إلا للمبدعين المنتجين أعمالاً متفرّدة.

في التآلف والتخالف:

الشاعر الفلسطيني الأردني علي العامري، يخوض تحدّي كتابة ملحمةٍ شعرية يقاطع عنوانَها «فلسطينياذا»، بعنوان الإلياذة، ومن دون «ألـ» التعريف بدايةً، كي لا يقع في الحصر القاتل، كما يبدو في ذكاء التناول الذي يشمل كذلك عدم تسميته لها بالملحمة، واكتفاءَ مقدّم المجموعة الدكتور إبراهيم السعافين بتسميتها كتاباً شعرياً يتقاطع مع ملحمة الإلياذة، رغم إشارته إلى أن «الملحمة في كل جيلٍ تعبيرٌ عن روح الجماعة وبطولة  الأمة وقيمها المتمثلة في شجاعة فرد أو أفراد، حيث النبل والمروءة والإقدام والقيم الخُلقية والسّمات الخَلقية». وهو ما تعالجه قصيدة العامري المطوَّلة التي ترقى إلى كونها إحدى ملاحم الأعمال الشعرية الحديثة المميَّزة التي يبدعها شعب لا يستطيع الموت حتى لو أراد، بما يمتلك من مقومات الحياة التي نثرها العامري شعراً في مطوَّلته، ومَحْوَرَها بالأرض والمكان الذي يصنع إنسان الحياة، بتفاصيلَ مذهلةٍ تجسّد التحامَ الفلسطيني بأرضه، حجراً وتربة ونباتاً وماءً وكائناتٍ وأساطيرَ وتاريخاً حضارياً وتراثاً شعبياً ثريّاً، يشملُ كلَّ شبرٍ من جسدٍ كُلِّيٍّ أصْلٍ ينصهرُ فيه الزمكان والإنسان فيما يُسمَّى ولا يُستَبدل ولا يُخترَق من غازٍ محتلٍّ أو دخيلٍ سوف يكونُ عابراً حتماً في الأصل: «فلسطين».
وما كان هذا سيكون فَلَاحاً لنثر العامري، لو لم يختلف بأسلوب كتابة الملحمة عن أسلوبها القديم، ولو لم يلجأ إلى أسلوب ما بعد الحداثة في كتابة القصيدة المتداخلة المتفاعلة، التي لم تُضِرْها كتابتُها بإيقاع التفعيلة، لقدرة العامري الواضحة على ذلك. ولم يُضِرْها كذلك التماهي بشعر المعلِّم محمود درويش، الذي يصعب أن يَسْلَم من مَسِّه شاعرٌ يلجأ للكتابة بإيقاعات أمواج البحر البسيط التي كادت أن تسير بإرادته، كما لم يُضِرْها، بقدْر تفهم قلب القارئ لها وإعجابه بها، إعلانُ شاعرها عن ذلك بالتماهي مع جداريّة درويش، وجعل شعره جزءاً من تكوين فلسطين الذي يَنثر شعراً:
«في ‘الجدارية’ أبوابٌ على الأسماءِ، ليلٌ أبيض الأطراف يستلقي على ظلٍّ يتيمٍ. كلُّ بابٍ آيةٌ من خشب البطم يؤدي نحو فردوسٍ على أرض فلسطينَ من الماء إلى الماء، من المعنى إلى المعنى، من المأوى إلى المثوى، إلى صبحٍ قديمٍ في أريحا الجدَّة الأولى لكل المدن الأولى.
في «الجدارية» تنمو شتلةُ البرق، وتنمو زهرة البابونَجِ البرّيِّ، تنمو زهرة التطريز في ثوبٍ من المجدلْ.
في «الجدارية» تعلو نجمةٌ في قُبَّة الأرواح، تعلو.
والندى
ضوءٌ من الماء
نداءُ التين والزيتون».

في «فلسطينياذا»، يشكِّل العامري بنيةَ سرديته الشعرية من قصيدةٍ واحدةٍ طويلة، تتكون من تسعةٍ وثلاثين مقطعاً رئيسياً بفواصل نجمتين، يتخلّلها أحد عشر مقطعاً بفواصل نجمة واحدة، من دون عناوين أو أرقام. ويضع لموضوع هذه البنية حياتَه وحياة عائلته الجدّ والأمّ والأب، مثالاً لما جرى للفلسطينيين من نكبة اقتلاعهم من أرضهم بالخداع وعنف المجازر، وما عانوه من قتل لهم في الحروب بعدها. ويمدّ العامري سردَ حياة العائلة بجسور سردِ حياة الفلسطينيين المتشابكة في كلِّ شبر على أرض فلسطين، ومقاومتهم الجمعية الأسطورية للاحتلال؛ ويطلق لهذ سرديةً متشابكةً بلغةٍ متداخلةٍ تجسّد تفاصيلَ أرض فلسطين وكائناتها الأصل، وتمايزَها عن الدخيل العابر في هذا الأصل، مختاراً ما يركّب لها من خفق أجنحة الإيقاع، منظومةً إيقاعيةً تتوالى فيها بالتناوب تقريباً، وباستقلال المقاطع، ثلاث تفعيلات: الأولى، تفعيلةُ بحر الخبب الوحيدة فَعلُنْ مسكّنةَ العين ومكسورِتِها، بإيقاع خبّ الخيل، ثلاث ضرباتٍ وسكون، مع قدرة تهدئة أمواج هذا البحر الذي يساعد على حرية الاسترسال، لكنه يوقع راكبَه في ارتفاع صوت النشيد إن لم يكن فارساً متحكّماً بحق. والتفعيلتان الثانيتان هما تفعيلتا أمواج البحر البسيط: فاعلن، وفعلن، التي يتحكّم بتردّدها درويشُ كما أسلفنا.

تداخلٌ ملْحميٌّ:
في «فلسطينياذا»، تتخالف الملاحم القديمة والحديثة في توافقها على الروح العامة التي تتناول أرواح الشعوب، إذ لا يجد القارئ ما اعتيد من ملاحم واضحة الأبطال والأحداث والقيم التي ينقلها الشعر القديم بمباشرياته، وصوره ذات البعد الواحد. ويجد عوضاً عن ذلك قصيدةً حديثةً تعتمد الصورةَ الشعرية المتراكبة المتداخلة بالأحلام، واستخدامَ الواقع اليومي المعاش، وأسطرته وفق ما يقتضيه موضوع قصيدته الملْحميّ، مع استخدام الثقافة الإنسانية وبالأخص الجانب الأسطوري منها. كما في استخدامه أسطورة بينيلوبي المقتطفة من «الأوديسة»، من دون غضاضةِ أن بطلَها المنتَظَر هو من أحرق طروادة بحصانه الخشبي، تداخلاً وتجسيداً لحالة الانتظار التي يضع فيها المحتلُّ النساءَ الفلسطينيات المنتظرات خروج رجالهن وأبنائهن وإخوتهن من معتقلاته، وهنَّ يخادعْنَ قهر الزمان بنسج الأمل والعمل.
وكما في استخدامه أسطورةَ الحصان الخشبي، أهم محاور «الإلياذة»، تداخلاً وتجسيداً لما قام به البريطانيون في فلسطين من خداعٍ مُمهِّدٍ لنكبة احتلالها، في المقطع الواحد والعشرين، حيث:
«قالت لي أمي: دعْ حدسك في القلب يرى
هذا العالم أعمى
يَدْبِي
في زمنٍ أعمى
نحن ذُبِحْنا برصاص رجال عصابات اشْتِرنَ وإرغون وبلماخ وهاغانا، إذ خرجوا من جوف حصانٍ خشبيٍّ ضخمٍ من صنع بَريطانْيا. خرجوا بقلوبٍ مظلمةٍ كالقطران، وعاثوا قتلاً فينا. بقروا بطنَ الحامل، وانقضُّوا فوق بيوت الأجداد، وداسوا فوق قبور الموتى. قتلوا أطفالاً كانوا تحت الأشجار، وهدّوا الأحواشَ، ارتكبوا مجزرةً في الطنطورة، حيث قبورٌ كبرى ضمَّ الواحدُ منها عشراتِ الشهداء».
ويمكن للقارئ هنا في جملة الأم الأولى «دعْ حدسك في القلب يرى»، وفي وصايا الأجداد وأفعال الآباء والأمهات والشاعر نفسه، في تعاملهم مع الأرض، ملاحظةَ ما يصل إليه حبّهم لفلسطين من صوفيَّة العشق. كما يمكنه أن يَلْمَس استخدام العامري للتراث الذي يندمج بشرايين الأرض ونباتاتها وكائناتها، مثلما بشرايين إنسانها، بدءاً من فاتحة الكتاب: «في أرض الدَّحنون»، شقائق النعمان، النبتة المبشِّرة بقدوم الربيع، التي تعكس روح سوريا الأسطورية الشاملة وروح العراق، حيث دمُ الإله القتيل تموز، المتكرِّر في النعمان بن المنذر الذي داسته فيلة الاحتلال الفارسي، آدون المقتَبَس من قبل اليونانيين باسم أدونيس، والفدائيّ الفلسطيني الذي يُعلي العامري قيمتَه إلى أمل استرجاع مرحلةِ الفدائيين في ستينات القرن الماضي، التي حوّلت الفلسطينيين من لاجئين يرثى لحالهم، إلى أصحابِ حقٍّ ومقاومينَ تُشرِّع القوانين الدولية لهم حقَّهم في الأرض وحقَّ مقاومتهم للاحتلال.
ولا يغيب على القارئ رفع العامري استخدامه للتراث إلى أن يكون التراثُ هو الأرض وإنسانُها في كل ما تنبت الأرض وما يُنتِج الإنسان ويشكِّل من منظومة قيمه الممتدة إلى الكنعانيين أصحاب الأرض الأوائل، الذين دمجوا في تطورهم قيمَ دياناتِهم الوثنية بقيم دياناتِهم التوحيدية المسيحية والإسلامية، حيثُ تحضُر مريم ويحضر المسيح ويحضر القرآن في ملحمة التشبث بالأرض، وحيث لا هناك، في فلسطينَ هنا: «وهنا، حتى الطِّين يضيءُ كأشجار الزيتون، ولو لمْ تَمْسَسْه شرارةُ نار».
كما لا يغيب على القارئ في خداع حصان طروادة البريطاني الممهِّد للنكبة، والداعم للاحتلال الصهيوني في حروب الهزائم التي تعالج القصيدة مآسيها، ارتباطُ هذا الحصان بما يحدث الآن من قدومِ الأحصنة الطروادية الغربية الداعمة للاحتلال، وأحصنة أنظمة الفقه العربي والفارسي الخشبية التي أحرقتْ الربيع العربي، كما لو كان تكراراً لحربٍ صليبية جديدة شاملة. وارتباطُ ما يحدث الآن بأفعال المقاومة التي تُعلي ملحميتَها القصيدةُ، بردود الأفعال الجمعيّة المقاومة للإفناء، وتعزيزُ دخول «فلسطينياذا» العامري في هذه المقاومة، من خلال إعلان شاعرها جعلَ ريع مبيعاتِها دعماً لأطفال غزة تحت نار مجرمي الفصل العنصري والتهجير.

 علي العامري: «فلسطينياذا»
الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان 2024
134 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية