منذ تاريخ النكبة عام 1948 لم تفوت السينما المصرية فرصة إلا وادخرتها للتعبير عن شجونها وآلامها إزاء القضية الفلسطينية التي وصفتها جميع الأفلام السياسية التي دارت أحداثها في هذا السياق بقضية كل العرب بغير استثناء أو إعفاء لأي من الحكومات أو الزعامات من مسؤولية الدفاع عن فلسطين الأرض والوطن والتاريخ. وهناك علامات سينمائية مصرية ناقشت الصراع العربي الإسرائيلي وطرحت تفاصيله من جوانب عديدة وأبدت انحيازاً واضحاً للقضية العادلة وحقوق الشعب الفلسطيني.
وربما تسبب وضوح الرؤية السياسية في دخول السينما المصرية في معارك جراء حرصها على تقديم شهادات صادقة عن الواقع الفلسطيني والممارسات الصهيونية الهمجية تجاه الشعب المسالم، فهناك نماذج كثيرة حملت نبرة الرفض القاطع للعدوان الإسرائيلي السافر عبر مراحل وأزمنة مُختلفة.
كان فيلم «فتاة من فلسطين» للمخرج والمُمثل محمود ذو الفقار والذي أنتج في عام 1948 أكثر مباشرة من ناحية العنوان والمضمون، فالفيلم الذي قامت ببطولته الفنانة سُعاد محمد قدم رؤية إنسانية للحياة الفلسطينية بما يُفيد المعنى المطلوب، حيث أقرت الأحداث بحق المواطن الفلسطيني في حياة طبيعية كريمة تقوم على الأمن والأمان ونمو الشعور الوجداني والعاطفي في أجواء مُستقره تبعث على الطمأنينة وتبادل المودة والحُب.
ولأن الجمهور في تلك المرحلة الزمنية كان واعياً بدقة وأمانة الطرح السياسي السينمائي الخاص بالقضية الفلسطينية فقد أدى ذلك إلى نجاح الفيلم وتميزه، فصار نواة لأفلام أخرى من نفس النوعية الرومانسية الإنسانية الرافضة لنوازع الحقد والشر والمُترجمة لسماحة وطيبة المواطن الفلسطيني الذي لا يعرف العدوان ولكنه ينحاز للحق وينتفض للدفاع عنه إذا ما استشعر الجور والظُلم.
وبشكل يشابه المضمون الإيجابي ذاته ويدور في نفس الفلك، قدمت السينما المصرية في عام 1955 فيلم «الله معنا» بطولة فاتن حمامة وماجدة وعماد حمدي، وفيه اعتنى المخرج أحمد بدرخان ببلورة القصة التي كتبها الأديب الكبير إحسان عبد القدوس وسجل من خلالها بطولات فدائية لضباط وجنود مصريين آمنوا بالقضية الفلسطينية ودافعوا عنها بكل ما يملكون من وسائل الدفاع المشروعة وأبلوا بلاء حسناً في المعارك والحروب الضارية التي دارت رحاها على مدار سنوات الصراع من 48 إلى ما بعدها، حيث العديد من المواجهات والانتصارات للفصائل الفلسطينية وكتائب الفداء والتحدي ونوبات الخيبة والعار للعدو الصهيوني.
وفي عام 1957 أُنتج فيلم «أرض السلام» للمخرج المتميز كمال الشيخ ولعبت دور البطولة أمام عمر الشريف سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، كما شارك في الفيلم نخبة من كبار المُمثلين المصريين من بينهم عبد الوارث عسر وعبد السلام النابلسي وآخرين.
ولأول مرة نطق الفيلم المصري باللهجة الفلسطينية كناية عن روح الوحدة والتضامن وتحقيق عنصر المصداقية والمُعايشة الدرامية الصادقة للأحداث، وبالفعل نجح الفيلم في ترسيخ مبادئ الحق الفلسطيني في أذهان الجمهور المصري والجماهير العربية، إذ كان للسينما المصرية آنذاك تأثير كبير في المسألة الثقافية والقُدرة على تصحيح المفاهيم المغلوطة وتثبيت الحقائق التاريخية وهو ما كان مطلوباً في وقتها من السينما ومرجواً من الإبداع الفني كله.
ولم تقتصر إسهامات السينما المصرية في هذا الصدد على هذه النماذج وإنما امتدت لتلاحق الأحداث وتسير في هذا الصراع المُتنامي والمُحتدم لنرى تجليات أخرى لأفلام يأتي في مقدمتها فيلم «ناجي العلي» للمخرج عاطف الطيب وبطولة نور الشريف، وهو الفيلم الذي أحدث دوياً كونه تطرق لسيرة فنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي وأوضح الكثير من جوانب الصراع العربي الإسرائيلي وسلط الضوء على وظيفة الكاريكاتير كإبداع نقدي مهم له خصائص وسمات فريدة تتصل بالمعارك الأدبية والثقافية والسياسية.
كما أن فيلم «باب الشمس» للمخرج يسري نصر الله بجزئية الرحيل والعودة كان سباقاً في العرض البانورامي الواسع للقضية التاريخية من جميع زواياها، فقد اعتمد على الصورة كلغة قوية لها الكثير من الدلالات والتفسيرات وامتلاك بلاغة التأثير الصامت بدون الحاجة إلى أصوات المدافع والبنادق.
وهذه المهمة نجح فيها نصر الله بامتياز ونال عنها العديد من شهادات التأييد والإشادة وقبول الفكرة باعتبارها أسلوباً جديداً في التأثير والإقناع.
ولو استعرضنا الإنتاج الأحدث للسينما المصرية سنجد حضوراً قوياً للقضية الفلسطينية وإشارات ضمنية مُتعددة، فهناك على سبيل المثال فيلم «القُبطان» للمخرج سيد سعيد وهو التجربة الروائية الوحيدة له، نراه لم يغفل الهم الفلسطيني ولم يغض الطرف عنه وإنما وضعه في بؤرة الحدث الدرامي بطريقته الفلسفية الخاصة وقد حصل الفيلم الذي قام ببطولته الفنان الراحل محمود عبد العزيز على بضعة جوائز دولية ومحلية من مهرجانات رسمية مهمة.
كذلك الفيلم الكوميدي لمحمد هنيدي «صعيدي في الجامعة الأمريكية» كان معنياً بشكل أساسي بقضية الصراع العربي الصهيوني وفي مشهد رئيسي من الفيلم تم حرق العلم الإسرائيلي في بهو الجامعة الأمريكية وهو ما مثل استفزازاً بالغاً لإسرائيل ودعا الصحافة العبرية في حينه لنقد الفيلم بقسوة والاحتجاج على حرق العلم.
ولا يمكن نسيان فيلم «السفارة في العمارة» لعادل إمام، فبرغم أن الفكرة قائمة على المفارقات الكوميدية إلا أن البعد السياسي الذي يخص القضية الفلسطينية ورفض وجود سفارة لإسرائيل داخل عمارة سكنية كان عاملاً مهماً في النجاح الجماهيري للفيلم، خاصة أن رفض وجود السفارة داخل العمارة كان إسقاطاً على الرأي الجمعي لرفض وجودها في مصر بالكلية وليس في العمارة فقط.
هذه نماذج من أفلام قديمة وحديثة اعتنت السينما المصرية بإنتاجها وتقديمها للجمهور العربي كي تظل القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في الأذهان والوجدان بتفاصيلها وتداعياتها ومراحل تطورها وتفاقمها.