«فلسطين» العامل العربي المشترك بين السينما والدراما والجمهور

كمال القاضي
حجم الخط
0

في أزمنة ماضية كان التعبير عن بعض الآراء السياسية التي تحمل وجهة نظر مُعارضة داخل سياق درامي مُعين أمراً محظوراً إلى حد ما، لذا كان كُتاب الأفلام والمُسلسلات يلجأون إلى بعض الحيل لتمرير الأعمال رقابياً وبالطبع كانت لغة الإسقاط السياسي واحدة من الحيل أو الحلول التي تُستخدم للابتعاد عن المساءلة القانونية أو الرقابية.
وهناك الكثير من الأفلام والأعمال الفنية التي تمت الموافقة عليها بعد إجراء تعديلات خاصة على السيناريو والحوار لتفادي المصادرة. غير أن بعض العينات من أفلام سياسية بعينها عُرضت لمدة يوم أو يومين ثم سرعان ما تم رفعها من دور العرض كفيلم «درب الهوى» و«خمسة باب» و«عنتر شايل سيفه» بالإضافة إلى نماذج أخرى لم تستمر طويلاً في دور السينما لأسباب كثيرة ومُتعددة، لذا كانت الرمزية هي الوسيلة الوقائية لحماية المُنتج الإبداعي من الأزمات.
القضية الفلسطينية واحدة من القضايا ذات الأبعاد الشائكة التي تحتمل في بعض الأحيان التحفظ الرقابي على تفاصيل معينة، لكن لم يمنع ذلك تناولها سينمائياً ودرامياً، خاصة أن الكُتاب والمُخرجين أصبحت لديهم مهارات وخبرات بحكم التجارب في تفادي عوامل الإعاقة والتصادم مع الجهات الرقابية وعلى رأسها رقابة المُصنفات الفنية.
ولعل الحرب الدائرة الآن في غزة حركت الماء الراكد في بحيرة الإبداع المصري الخاص بالقضية العربية المحورية الكُبرى فجعلتها الأبرز على السطح وربما تجددت فكرة الرمزية في المُعالجة الدرامية لبعض المُسلسلات التي أوردت في أجزاء مطولة منها تفاصيل الصراع العربي الإسرائيلي باعتباره موضوع الساعة الذي يُلقي بظلاله الكئيبة على كافة دول المنطقة ويهدد استقرارها بالكامل.
هناك مُسلسلات مصرية عُرضت حديثاً عمدت إلى استخدام الإشارات المُركزة في تعويضها عن المعاني الضمنية المتوارية خلف الصورة ولغة الإسقاط غير المُباشر، وهو ما يُمثل عودة لنمط إبداعي وفني كان قد اختفى منذ سنوات عن الشاشة المصرية الصغيرة لكن حتمت الظروف السياسية رجوعه بحكم المُتغيرات السلبية الجديدة والواقع الراهن الذي تشهده المنطقة العربية.
في عدد ليس قليلا من المُسلسلات المُنتجة حديثاً تمت الإشارة بوضوح للواقع الفلسطيني القاسي الذي تفرضه إسرائيل بالحصار وقوة السلاح للحيلولة دون استطاعة الشعب التغلب على مُشكلاته الاقتصادية القاتلة، وهناك أمثلة سبق ذكرها سلفاً كمسلسل «حالة خاصة» ومسلسل «زينهم» وهما اللذان حققا نسبة مشاهدة مُرتفعة بين عشرات المُسلسلات الأخرى المنافسة.
وفي ما يخص الدراما العربية ذات الصلة هناك عمل تلفزيوني فارق هو مسلسل «التغريبة الفلسطينية» الذي أنتجته سوريا في عام 2004 من تأليف وليد سيف وإخراج حاتم علي وهو ناطق باللغة العربية الفصحى واللهجة الفلسطينية، ويعد من أنجح الأعمال السينمائية والدرامية التي تناولت القضية الفلسطينية وألقت الضوء بكثافة على تفاصيل الأزمات الكثيرة التي عانى منها الشعب المناضل على مدى سنوات طويلة.
وقد لعب دور البطولة في العمل التاريخي الإنساني المهم كل من جمال سليمان الذي جسد شخصية المناضل أحمد الشيخ يونس أبو صالح وهي شخصية محورية في الأحداث وكان له دور رئيسي في المقاومة والمواجهة بشكل فعال.
كما شارك أيضاً في البطولة كل من خالد تاجا وجوليت عواد ويارا صبري وتيم حسن وباسل خياط ونادين سلامه ونسرين طافش وقيس الشيخ نجيب ومكسيم خليل وآخرون، حيث ساهم المسلسل في التوعية الجماهيرية والشعبية على مستوى العالم العربي كله بأهمية القضية وضرورة الالتفات للمؤامرات التي تُحاك منذ زمن ضد الفلسطينيين الآمنين بكل طوائفهم وأعمارهم فلا يُستثنى منهم أحداً حتى الأطفال والنساء والشيوخ دأب العدو الصهيوني على استهدافهم أيضاً بالقتل والتعذيب.
كانت الصرخة التي أطلقها صُناع المسلسل قبل عشرين عاماً بمثابة استشراف للواقع المرير الذي تعيشه المُدن والقرى الفلسطينية في الوقت الحالي كأنها قراءة مُبكرة في دفتر أحوال الشعب الفلسطيني لكن أحداً لم يُحرك ساكناً إلى أن تداعت الظروف والأحوال من سيء إلى أسوأ حتى وصلت لما هي عليه.
وهنا يبرز دور الإبداع في دق جرس الإنذار للتوعية، بيد أن الإبداع وحده لم يكن كافياً للحد من الأزمة أو تقليل الخسائر على كل المستويات، خاصة أن السينما المصرية والعربية لعبتا أيضاً دوراً لا يُستهان به في هذا المضمار والأفلام التي طرحت القضية من جميع جوانبها كثيرة، وربما يأتي على رأسها فيلم «باب الشمس» بجزئيه «الرحيل والعودة» للمخرج يسري نصر الله والذي تم عرضه في التاسع عشر من كانون الثاني/يناير عام 2005 وهو بطولة ريم تركي وعروة نيربية وباسل خياط وميادة درويش وهيام عباس ونادرة عُمران ونادرة خالد.
وهذا الفيلم صُنف إبان عرضه ضمن أهم الأفلام التي أنتجت عن القضية الفلسطينية ونال بجدارة إعجاب الجمهور والنقاد وجاء ترتيبه 42 في قائمة أهم مئة فيلم في السينما العربية قاطبة، ومع ذلك مضى الفيلم كغيره من الأفلام ولم يحدث تغييراً يُذكر عالمياً أو دولياً أو إقليمياً في آلية التعامل مع أم القضايا العربية وأكثرها حيوية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية