فلسفة المقابر في مصر

بناء المقابر أمر تختلف فيه البلاد الإسلامية، فهناك بلاد لا تبني المقابر، وتكتفي بوضع لافته تحمل اسم الميت بعد دفنه أو لا تضع. اختلف الفكر بين المسلمين فالوهابيون مثلا لا يؤيدون بناء المقابر، ويرون فيها نوعا من الشرك، خاصة حين تصير المقبرة لأحد أولياء الله، ويتم اعتبار زيارتها نوعا من العبادة له والشرك بالله. شاركتهم بعض الدعوات السلفية المتشددة، وانتشر هذا الرأي في مصر منذ أيام أنور السادات، لكن ظل المصريون على حالهم يبنون المقابر ويدفنون موتاهم فيها.
على طول التاريخ في مصر كان يتم بناء المقابر، ووراءها دائما فلسفة هي الخلود. فالموت لا يعني النهاية، لكنه يعني الطريق إلى يوم الحساب، وأشهر مقابر مصر القديمة مثل، الأهرامات تنتهي نهاية مثلثة لتسهيل رحلة صعود الروح إلى بارئها يوم الحساب. أعظم الآثار في مدينة الأقصر تقع في الجانب الغربي من المدينة، وكانت فيها توابيت الموتى التي انتقلت إلى كثير من المتاحف. لم يكن اختيار البر الغربي من فراغ، بل هو حيث تغرب الشمس، وفي غروب الشمس نهاية واقتراب من خالق الكون، ومن ثم تكون رحلة الصعود إليه سهلة يوم الحساب.
ساعد على ذلك الفكر حالة الاستقرار في البلاد التي تعيش على الزراعة، وظلت المقابر على طول التاريخ المصري تقع غرب القرى. لم يعد المصريون يبنون أهرامات، ولا يقومون بتحنيط الموتى ووضعهم في توابيت ومعهم ما ينفعهم يوم الحساب من مأكولات وأشياء يشتهونها، لكن ظل الدفن طريقا للخلود. البسطاء يبنون مقبرة والأغنياء يبنون مع المقبرة حوشا يرتاح فيه من يزورهم، بعد أن يوزعوا الصدقات ويجلسون بعض الوقت، ولا بد سيكون الحديث عن الموتى. كثير من الأحواش تحف فنية في ما تحتوي من مقاعد أو نوافذ أوغيرها، كأنها حياة جميلة رغم أنها حول ميت فكل شيء يذكرك بالحياة.

من المدهش مثلا أن مقامات أولياء الله جميعها في مصر لرجال دين وفدوا إلى مصر في طريقهم إلى الحج، من المغرب أو الأندلس، ووجدوا في الاستقرار في مصر نهاية جميلة، فماتوا فيها وأنشئت حول مقابرهم مساجد عظيمة مثل أبو العباس المرسي، وسيدي ياقوت، وسيدي القناوي وأبو الحجاج وعشرات من مقامات ومساجد أولياء الله. في الوقت أيضا الذي لاذ فيه بمصر أحفاد الرسول الكريم مثل، السيدة نفيسة والسيدة زينب بعد ما جرى للحسين بن علي بن أبي طالب، ومات أحفاد الرسول وبنيت حول مقابرهم مساجد أو مقامات، بل صار حول مسجد ومقام السيدة نفسية مكان للدفن لغيرها واتسعت، فالدفن جوارها كرم جميل، فضلا طبعا عن أسطورة نقل جزء من جسد الحسين إلى مصر ودفنه فيها وإقامة مسجد الحسين، سواء كان هناك جزء من جسده أم لا، فهذا ما يقال وهذا ما حدث.
لا أجد تفسيرا لهذا كله غير أن مصر وهي ملاذ آمن لرجال الدين الأولياء، أو غيرهم كانت مثالا على الأمان في الطريق إلى الخلود وإلى يوم الحساب، وأن هذا تراث إنساني مصري لا علاقة له بفكر حاكم أو مسؤول، لكنها عادات وأفكار المصريين المستقرين حول النيل بلا خوف من قطاع الطريق مثلا، تعرضت المقابر في مصر إلى مواقف معادية بعد دخول العرب إلى مصر في فترات ما بعد الدولة الأموية.

تشهد مصر في الفترة الأخيرة حركة هدم كبرى للمقابر بحجة بناء طرق وجسور (كباري) لتسهيل الحركة. أثار الموضوع الناس وأعلن الكثيرون غضبهم، وبدأت صور كثيرة تظهر على السوشيال ميديا لعمليات الهدم التي لا تستثني أحدا، فرأينا كيف تعرضت مقابر لعظماء في التاريخ المصري.

صار للحكام وجنودهم من الأغراب مدافن ولم تعد هناك مدافن للشعب العادي، وبلغ الأمر درجة عالية مع الحكم العثماني والمملوكي، فصار المصريون يدفنون موتاهم في بيوتهم، مما كان أحد أسباب انتشار الطاعون في مصر، ولم تنته الظاهرة إلا مع دخول نابليون بونابرت، الذي منع هذه الطريقة للدفن، فعادت المدافن تظهر للناس ولم تعد للحكام فقط. تعرضت مدافن الطوائف التي حكمت مصر إلى الاعتداء أحيانا ممن جاءوا بعدها، فمدافن الفاطميين مثلا تعرضت للهدم، وأقيم مكانها حي خان الخليلي في عهد المماليك. ذكرني بذلك الصديق عمار علي حسن. كان جهاركس الخليلي أحد أمراء السلطان الظاهر برقوق، مقربا إليه ويحمل لقب «أمير أخور» ويُنسب إلى مدينة الخليل في فلسطين، وكان المشرف على الإسطبلات والبريد، ويذكر المقريزي أن الأمير جهاركس كان خبيرا بأمر دنياه، وعندما أراد أن يبني لنفسه خاناً كبيرا تمارس فيه شتى أنواع التجارة، رأى أن يشيد الخان على موضع قريب من مسجد سلطانه «الظاهر برقوق» وكانت في المكان مقابر الفاطميين، وهو ما كان يستدعي نبش قبورهم للبدء في البناء. حصل جهاركس على مسوغ شرعي من صديق له هو الشيخ شمس الدين محمد القليجي وهو شيخ حنفي يعمل في الإفتاء. سأله جهاركس عن الرأي الشرعي في نبش القبور التي تعيق إنشاء مشروعه، فأفتاه بجواز إزالتها وإلقاء ما فيها من رفات. كانت نهاية الأمير جهاركس مفزعة حين ذهب إلى الشام يترأس جيشا من المماليك ليواجه بعض الأمراء في دمشق، كانوا قد خرجوا على الظاهر برقوق، فقُتل في إحدى المعارك وتُرك على الأرض عاريا سوءته مكشوفة إلى أن تمزق واعتبر ذلك عقابا على نبش القبور، أو بلغة المقريزي «عقوبة من الله بما هتك من رمم الأئمة وأبنائهم».

والي مصر محمد سعيد ابن محمد علي باشا الذي تولى ولاية مصر في ستينيات القرن التاسع عشر قام بإطلاق المدافع على مقابر الخلفاء في حي الخليفة حول مسجد السيدة نفيسة، لأنه كان يعرف أنهم يريدون الخلود، ولا خالد غيره، لكنه توقف عن ذلك بسرعة. شهدت المدافن في عصور الانحطاط مظاهر لا تتفق معها تجدها في كتاب الجبرتي فكانت أيام الموالد مثلا تتحول حول مسجد الولي إلى حفلات فسق ودعارة وخمور ومخدر الحشيش، كنوع من الفرح بالحياة، لكن هذا كان مرتبطا بحالة التخلف التي صار عليها الشعب، الذي تقريبا كادت تتم إبادته عبر العصور وبالذات منذ الحكم الأموي، وشهد مذابح كبيرة حتى أنه حين دخل نابليون مصر عام 1798 كان تعداد مصر مليونين أو مليونين ونصف المليون بينما كانت في العصر الهلليني عشرة ملايين. في النهاية لم يعتدِ المصريون على المدافن، لكنهم الحكام والطوائف المتناحرة دينيا، وهو أمر لم يشغل المصريين أنفسهم به، فهم مثلا من أتباع المذهب السني، لكنهم من أحب الشعوب لأبناء وأحفاد الحسين، أو كما يقال أحيانا عقولهم مع السنة وقلوبهم مع الشيعة، رغم أن الشيعة مع الفاطميين لم تنتشر في مصر، والموجودون منهم الآن قليلون جدا تقريبا لا يشعر بهم أحد. فقط أيام حكم الإخوان المسلمين تعرضوا للبطش، لكن لم يوافق أحد على ما جرى، وكان ذلك مرة واحدة لم تتكرر.
تشهد مصر في الفترة الأخيرة حركة هدم كبرى للمقابر بحجة بناء طرق وجسور (كباري) لتسهيل الحركة. أثار الموضوع الناس وأعلن الكثيرون غضبهم، وبدأت صور كثيرة تظهر على السوشيال ميديا لعمليات الهدم التي لا تستثني أحدا، فرأينا كيف تعرضت مقابر لعظماء في التاريخ المصري مثل، الشاعر أحمد شوقي للهدم والأسماء كثيرة جدا، وكيف نفذت من الهدم مقبرة طه حسين بعد أن بلغت الاحتجاجات فرنسا، وأبدت فرنسا رغبتها في نقل رفات طه حسين إلى مقابر العظماء هناك، فتم ترك المقبرة، وصارت تحت المحور أو الكوبري الجديد في وضع مزرٍ. كل يوم حكاية عن مقبرة مهمة ومساجد صغيرة حولها ومآذن أثرية، وعن ناشطين وكتاب يحتجون ولا أحد يتوقف، فبدا الأمر كأنه محو لتراثنا الإنساني المادي، مجسدا في المقابر والأحواش من ناحية، لكني أتساءل ما هو نوع الفهم الديني الذي جعل من يفعلون ذلك ينامون مرتاحي البال، بعد نبش كل هذه القبور والآثار، وهل يكفي إبلاغ أصحابها أو أحفادهم لينقلوا رفاتهم ليكون ذلك مبررا للهدم، وكم عدد من يستطيعون ذلك؟

روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية