مع جريان الكرة في براح الملعب الأخضر، وانتقالات الأقدام البارعة، يجري الغناء أيضاً على ألسنة الجمهور في المدرجات، ويتصاعد مع ارتفاع الهتافات المدوية، والتصفيق والإيقاعات الحماسية. ومن وحي هذه الأغنيات والإيقاعات، أبدع بعض المطربين والفرق الغنائية، مجموعة من أشهر الأعمال، كما وقع اختيار الجمهور على عدد من الأغنيات السائدة، التي لا علاقة لها بكرة القدم، ليجعل منها نشيداً كروياً يشجع به فريقه المفضل. وعلى الرغم من أن رياضة كرة القدم، ليست من الرياضات التي ترتبط بالموسيقى، ارتباطاً أصيلاً مباشراً، ولا تعتمد على وجودها كرياضة الرقص على الجليد مثلاً، التي لا يمكن لها إلا أن تقترن بالموسيقى. فهي إحدى الرياضات الأوليمبية، التي تقام من أجلها البطولات الدولية والمحلية، لكنها مزيج بين الفن والرياضة وتجمع بينهما، ولا تُؤدى إلا على أنغام الموسيقى، سواء الأغنيات أو المعزوفات الموسيقية البحتة، ويكون على الراقص المنفرد، أو الذي يرقص مع شريك آخر، أن يعبر بالجسد من خلال الرقص عن معاني الأغنية، وأن يتبع إيقاع الموسيقى. وهذا ما لا تتطلبه رياضة كرة القدم بالطبع، لكنها على الرغم من هذا، تعد من أهم وأشهر الرياضات التي ارتبطت بالموسيقى على أكثر من مستوى، وبشكل أكثر عمقاً. وكما أن كرة القدم هي اللعبة الشعبية رقم واحد في العالم، والرياضة الأكثر جماهيرية، كان لموسيقاها الأثر ذاته أيضاً، والقدرة على الوصول إلى مناطق بعيدة، وخلق التأثير الذي لا يستهان به.
أغاني التشجيع
ظهرت أغاني التشجيع التي يرددها جمهور كرة القدم، كما يظهر أي فن، كاحتياج من احتياجات الإنسان، الذي لا يستطيع أن يحيا دون خيال، أو دون لمسة خفيفة من لمساته على الأقل. فعندما يشجع جمهور ما فريقه، ويكون جالساً أو واقفاً وسط المدرجات، بينما يشاهد الفريق أمامه على أرضية الملعب، في فعل واقعي تماماً، يقوم في أوقات متفرقة من المباراة، سواء في بدايتها أو وسطها أو نهايتها، بالغناء الذي يصور بالخيال، ما يمثله هذا الفريق في نفسه من معنى وقيمة، يمنحها في خياله أبعاداً قد تكون أكبر من كونه فريق كرة قدم. كأن يكون هو الحياة، أو الكيان الذي ينتمي إليه ويمنحه ولاءه الكامل، ويفديه بروحه وعمره، ويبذل في سبيله الوقت والجهد وكل الأمور الغالية الثمينة. وكلها صياغات خيالية للتعبير عن مدى الحب للفريق، وصدق الانتماء إليه، وتضيف إلى الغناء بعض الجماليات الفنية في الوقت نفسه.
وهذا الفن الذي تنتجه ملاعب كرة القدم، إنما هو دليل على تمكنها من النفوس، ورسوخها في قلوب البشر أو الغالبية العظمى منهم، وتتطور أغاني التشجيع باستمرار، وتسعى نحو ارتقاء التكوين والشكل الفني، واستكمال أركانه الأساسية، التي تؤهله للسماع كأحد الفنون الغنائية، خارج إطاره الأصلي أو خارج الملاعب. فصارت هذه الأغاني تسجل في استوديوهات متخصصة، بمصاحبة بعض التنفيذ الموسيقي البسيط، ولهذه الأغاني محبوها ومستمعوها، وتحظى بأرقام عالية من المشاهدات على موقع يوتيوب كمثال. أوجدت رياضة كرة القدم الفن الذي يتماشى مع طبيعتها ويعبر عنها، لذا تعتمد أغاني التشجيع في أغلب الأوقات، على الحماس والفخر والانتماء، والفتوة والبطولة، والدعم والمساندة. فإذا تخيلنا أن مباراة كرة القدم، هي أشبه بمنافسة أو بمعركة «سلمية» تخلو من القتل والدماء والعنف الشديد، وأن جمهور الفريقين المتباريين، يمثل كل منهما شعباً مخلصاً ينتمي لوطنه، أو لفريقه الذي يحمل أعلامه وراياته، ويردد النشيد الرسمي الخاص به. هذا في ما يخص الفرق والأندية الرياضية المحلية، أما في حال المنتخبات الوطنية، تكون أعلام الدول هي المرفوعة، تمسك بها أيدي الجماهير، وتردد حناجرهم النشيد الوطني للبلد، الذي يُعزف قبل بدء المباراة، ويغنيه اللاعبون أيضاً بحماس هائل، ومشاعر وطنية لا تقل قوة عن مشاعر الجمهور.

نتيجة لكل هذا، كان الفن الذي أنتجته كرة القدم، هو أقرب ما يكون إلى الفنون الحربية، أو أغاني الحروب، فأصوات المشجعين تكون هادرة قوية عالية، تبث القوة في نفوس لاعبي فريقهم، وتهز الثقة لدى الفريق المنافس وتزعزعه. وفي كأس العالم، أهم مسابقات كرة القدم على الإطلاق، وربما أهم البطولات الرياضية أيضاً بشكل عام، التي تحقق بهجة ومتعة كبرى للعشاق المشغوفين بكرة القدم، يبدو كل منتخب من المنتخبات الوطنية، كما لو أنه يخوض معركة ما باسم الوطن والشعب الهائل، ويعد فوز المنتخب الوطني، انتصاراً رياضياً للوطن يحتفل به الشعب بمختلف طبقاته، وكذلك الرؤساء والأمراء والملوك. انطبعت إذن هذه الفنون بطابع الأغاني الحارقة والأناشيد الملتهبة، التي تقوم بحشد المشاعر وتجنيد الأحاسيس، وإلى جانب التشجيع الخالص وأغراضه، تحتضن هذه الأغنيات أحياناً، جانباً من جوانب النقد السياسي والاجتماعي، والدعاية لأفكار معينة، والإعلان عن بعض المواقف الجماعية. وعموماً تنتعش مباريات كرة القدم بالروح الحماسية للجمهور، ومن غير هذا الجمهور، تفقد اللعبة الكثير من متعتها، كما حدث في مصر في السنوات الأخيرة، عندما تم منع المشجعين من الذهاب إلى الملاعب، لحضور المباريات وتشجيع الفرق المختلفة، بعد مأساة دامية ومجموعة من الحوادث، وفي مصر أيضاً نُشّبه كرة القدم بالموسيقى، فنقول: «دي مش كورة دي مزيكا» عندما تكون المباراة شيّقة واللعب ممتعاً.
الملعب والمغني والإلهام المتبادل.
ألهمت أغنيات المشجعين وإيقاعاتهم، بعض المطربين والفرق، كفريق البيتلز، الذي ظهر في مدينة ليفربول، ونشأ وسط محبي كرة القدم. فكانت الإيقاعات الحماسية والألحان السهلة، والغناء الذي يمكن أن يردده الجميع. وكذلك اعتمد جمهور نادي ليفربول، على غناء بعض أعمال البيتلز أثناء تشجيعهم، ويعد مشجعو نادي ليفربول الإنكليزي، الذي بات يحظى بالمزيد من التشجيع العربي، بسبب وجود محمد صلاح بين لاعبيه، من أقوى المشجعين من ناحية الغناء، واختياراتهم للقطع التي يرددونها، وعلى رأسها الأغنية الرئيسية، أو النشيد الرسمي للنادي «أبداً لن تمشي وحيداً» You›ll Never Walk Alone وهي أغنية لفريق Gerry and the Pacemakers الذي ظهر في ليفربول، ولمع في حقبة الستينيات أيضاً. يغني جمهور نادي ليفربول هذه الأغنية كأنها نشيد وطني، حيث يقف الجميع ويرفع الأعلام والرايات وصور بعض اللاعبين. وكذلك صنع فريق الروك الإنكليزي كوين، علاقته القوية بكرة القدم، من خلال أغنيتي We Will Rock You و We Are the Champions اللتين تم تأليفهما من وحي حماس الجماهير في الملاعب، وليتم تقديمها أيضاً إليهم ليغنوها هم من جديد. وبالفعل تعد هاتان الأغنيتان من أكثر القطع التي تتردد في الملاعب، حيث تغنيهما جماهير الفرق والأندية الكروية المختلفة، كأرسنال ومانشستر سيتي وريال مدريد، وغيرها من فرق كرة القدم، كما أن أغنية We Are the Champions كانت الأغنية الرسمية لبطولة كأس العالم سنة 1994.

أغاني الكرة العربية
للجماهير العربية أيضاً أغانيها التي تشجع بها فرق كرة القدم، والملاحظ أن هذا النوع من الغناء، له سماته التي تميزه، سواء كان باللغة العربية أو باللغات الأجنبية، كمد الحروف بطريقة معينة، وعلو الصوت الجماعي وإلى ما هنالك، فهو مزيج من الهتاف التشجيعي والغناء، ولا تختلف الأغاني العربية عن الأغاني الأجنبية، في التركيز على مفاهيم الولاء والانتماء والفخر، وتبني بعض القضايا الإنسانية والسياسية، كقضية فلسطين، والتعبير أيضاً عن بعض الانتقادات للأوضاع الداخلية في البلاد. لكن أغلب الأغنيات تعبر عن حب الجمهور لفريقه الرياضي، كأغنية جمهور نادي الوداد البيضاوي في المغرب «غرام كبير» التي تقول: «بغرام كبير تغرمنا بيه وحنا صغار بالفرحة نطير». وأغنية ألتراس الأهلي في مصر «التالتة شمال» التي تقول: «من التالتة شمال بنهز جبال، وفي كل مكان دايما بنشجع الأبطال، فريق كبير، فريق عظيم، أديله عمري وبردو قليل». ويغني جمهور الوداد المغربي لفلسطين أغنية «القدس لفلسطين» وكذلك يغني جمهور نادي الرجاء البيضاوي في المغرب أغنية «رجاوي فلسطيني» التي تقول: «يا اللي عليك القلب حزين، وهادي سنين، تدمع العين، الحبيبة يا فلسطين، آه يا وين العرب نايمين، آه يا زينة البلدان، قاومي ربي يحميك، من ظلم الإخوة العديان، واليهود اللي طامعين فيك». ومن الجماهير الأجنبية التي تغني للقضية الفلسطينية أيضاً، جمهور نادي سيلتيك الأسكتلندي، الذي يعبر دائماً عن مواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية، ويرفع العلم الفلسطيني في المدرجات، وتضامنه مع الشعب الفلسطيني، وإعلانه عن مواقفه الأخلاقية والسياسية، كرفضه لقرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس على سبيل المثال.
ومن أجمل الأغنيات التي يغنيها جمهور نادي سيلتيك أيضاً، أغنية «غريس» وهي أغنية قديمة تتردد كثيراً على مدرجات هذا الجمهور. وتذاع أحياناً بصوت المغني البريطاني السير رود ستيوارت لاعب الكرة القديم، وأحد أشهر مشجعي نادي سيلتيك، وتروي أغنية «غريس» قصة حقيقية مؤثرة، وقعت أحداثها في إيرلندا، بعد فشل ثورة الفصح سنة 1916، وتم القبض على من قاموا بمحاولة التحرر، وتم وضعهم في سجن كيلمينهام، الذي كان يعد من أكثر السجون لاإنسانية في ذلك الوقت، ثم تم إعدامهم سريعاً بعد ذلك. وكان من بين الذين أعدموا، الشاعر جوزيف بلونكيت، والأغنية مستلهمة من قصيدة له بعنوان «دماء على الوردة». وتدور الأغنية على لسانه، حيث يتحدث إلى حبيبته غريس غيفورد، الفنانة التشكيلية التي تزوجته أثناء وجوده في السجن، الأغنية مؤثرة بلحنها وكلماتها، خصوصاً تلك الجملة التي تتكرر في نهاية كل مقطع، وفيها يطلب الشاعر من حبيبته أن «تحتضنه بين ذراعيها وأن تدع هذه اللحظة تطول» وعندما يقول لها إنه عندما سيأخذونه فجراً ليعدموه، لن يفعل شيئاً في لحظة الموت سوى أن يفكر فيها. وتصف الأغنية حالة الشاعر الثائر في اللحظات الأخيرة من حياته، وألمه الشديد عندما سيقولون بعد أسابيع إن الثورة فشلت. وتعد نسخة السير رود ستيوارت من أفضل النسخ التي يمكن سماعها، إذ يغنيها بصوت جريح حزين متألم، بعد أن قام بزيارة إلى سجن كيلمينهام، الذي تحول إلى متحف، ورأس بنفسه محبس الشاعر ومكان إعدامه، واستحضر هذه الأجواء القاتمة، التي نقلها ببراعة في أدائه للأغنية.
كاتبة مصرية