رغم وجود مسرح خاص لفن العرائس في قلب القاهرة وتوافد جمهور الأطفال على العروض بشكل ملحوظ في الإجازة الصيفية والعُطلات الرسمية أثناء فترة الدراسة، إلا أن الثقافة الفنية المُتصلة بهذا اللون لا تزال تواجه صعوبات وتحديات لانصراف المُتخصصين من فناني العرائس المُحترفين إلى العمل في شركات الإنتاج ذات العائد المُجزي خارج البلاد، حيث استقطبت مؤسسات إنتاج أفلام الكارتون عدداً من صُناع العرائس وفناني التحريك فأفرغت الساحة من مُبدعيها الأصليين فبقي الفن الاستثنائي مُهدداً بالانقراض.
ومن الأسباب الرئيسية لتعطيل الحركة المسرحية لفن العرائس، انتشار وسائل الفرجة عبر المحطات الفضائية واستحداث أشكال متطورة من فن الكارتون أدت إلى استغناء الطفل عن متابعة الجديد في عروض المسرح، خاصة أن شركة ووالت ديزني الأمريكية للإنتاج نجحت منذ سنوات في سرقة التراث العربي وأعادت إنتاجه في شكل قصص وحكايات جذابة وصدرته باعتباره إبداعا أمريكيا خالصا وهي الأكذوبة التي حصدت الشركة العالمية بموجبها ملايين الدولارات.
من بين النماذج التي تمت سرقتها والسطو عليها حكايات الشاطر حسن والفانوس السحري ومغامرات سندباد ونوادر جُحا وغيرها الكثير بما فيها بعض حكايات ألف ليلة وليلة المحفوظة عن ظهر قلب والمعروفة بطابعها العربي الخالص.
وقد نوقشت أزمة التراث العربي قبل سنوات طويلة وتم التنويه في المحافل والمهرجانات الدولية عن اتصالها بثقافة الطفل التي صارت ثقافة مُهجنة نتيجة العبث بالنسخ الأصلية من الإبداع العربي وتحريفها لتُصبح قريبة من الذوق الأمريكي.
وعلى هذا الأساس تم الاتفاق بين الأطراف المعنية من المُنتجين والمخرجين وخرجت بعض التوصيات الهادفة إلى حماية التراث والفولكلور المصري والعربي من قرصنة الشركات الإنتاجية الكبرى والعمل على إنتاج أفلام كارتون تواجه الأفلام المستوردة وتؤكد الهوية العربية.
صورة الطفل العربي
ومن بين من شاركوا في وضع الدراسات والأبحاث المخرجة الفلسطينية ليالي بدر التي دافعت بدورها عن صورة الطفل العربي وسماته الشخصية والإبداعية وشددت على أهمية العناية بالمضمون التراثي في كافة الإبداعات الفنية سواء الكارتونية السينمائية أو المسرحية المُتمثلة في العرائس الخشبية والقطنية التي يتم تشغيلها في عروض الأطفال بتقنيات التحريك الخاصة وخبرات الفنانين المتخصصين.
وتقودنا هذه الأزمة التي بدأت مع رحيل المخرج الكبير وصانع العرائس الفنان محمود رحمي في عام 2001 إلى الحديث عن دوره الإبداعي المهم وحرصه الشديد على تثبيت الهوية العربية في كافة ألوان إبداعه فهو من ابتكر شخصية بوجي وطمطم وأكسبها طابعاً مصرياً شعبياً وبعث من خلالها للأطفال بأكثر من رسالة تخص التربية والتوعية وتحض على التحضر في السلوك ونبذ العنف والكراهية والتحلي بالأخلاق الحسنة والعمل على التعاون المُثمر والتمسك بروح المودة والرحمة إلى آخر المبادئ السامية التي حاول الفنان ترسيخها طوال رحلته الإبداعية.
أما الآن وبعد اغتراب النماذج العربية المذكورة سلفاً والمُستوحاة من التراث والفولكلور الشعبي باتت مسألة الابتكار الجديد تواجه أزمات كبرى تأتي على رأسها أزمة الإنتاج والتمويل وهي المُعضلة الأساسية التي تتسبب عادة في إحباط أي مشروع إبداعي جديد، وهي ذاتها التي حالت دون تمكن الفنانة التشكيلية فوقية خفاجي زوجة الفنان محمود رحمي من مواصلة مسيرته الفنية علماً بأنها منحت مسرح العرائس حق استغلال إبداعه الخاص لإعطاء الفرصة لإعادة تقديمه مسرحياً بشكل يضمن بقائه واستمراره كثقافة فنية نوعية مهمة.
وبطبيعة الحال يتم التركيز في هذا الخصوص على حلقات بوجي وطمطم بوصفها الأشهر في العالم العربي والأقرب لذائقة الأطفال وأكثر النماذج الإبداعية تأثيراً فيهم كونها عاشت طويلاً واكتسبت من تكرار عروضها الرمضانية في التلفزيون والقنوات الفضائية شعبية كبيرة وكونت قاعدة جماهيرية واسعة فلا يزال الأطفال يذكرون كافة الشخصيات المساعدة لبوجي وطمطم، عم شكشك وطماطم وزيكو وزيكا وغيرها.
واستغلالاً لهذا النجاح الكبير الذي حققته العرائس اتجهت بعض شركات الدعاية منذ عام 1988 إلى تصميم نماذج منها لتكون مُعبرة عن الاحتفال بشهر رمضان الكريم، ونجحت الفكرة تنفيذياً نجاحاً مُذهلاً إلى الحد الذي شكل ظاهرة فنية تتجدد سنوياً مع حلول الشهر الكريم وتُمثل حضوراً قوياً لفن رحمي وعرائسه وخصوصية أفكاره وإبداعه المصري الأصيل النابع من البيئة المحلية والثقافة الشعبية بكل دلالاتها ومواصفاتها وعمقها الفني والإنساني.