نزل عليّ خبر وفاة فوزي فهمي صباح الجمعة الماضية، الخامس عشر من هذا الشهر أكتوبر/تشرين الأول، كخيمة من الحزن الكبير. رغم معرفتي بتاريخه الثقافي العظيم وإدارته أعظم إدارة لكل المناصب التي تولاها، وأعماله الفنية والفكرية المتعدد بين مسرح وكتب مترجمة للأطفال ودراسات، إلا أن وفاته عادت بي إلى أكثر من أربعين سنة، لم أسمع فيها أنه كان معاديا لأحد أو ظالما لأحد. وكان رغم المناصب العديدة المهمة التي تولاها، متمسكا بالاستغناء الذي يبعد الكاتب عن الصراعات التي لا قيمة لها.
ولد فوزي فهمي فى 21 أغسطس/آب 1938 وحاز بكالوريوس المعهد العالي للفنون المسرحية، وسافر في بعثة إلى الاتحاد السوفييتي، ثم حصل على درجة الدكتوراه في علوم المسرح سنة 1975، وقد تنقل في عدة مناصب فكان عام 1978 عميدا لمعهد النقد الفني، ثم وكيلا لوزرارة الثقافة أيام وزارة فاروق حسني، ورئيسا للمركز القومي لثقافة الطفل، ورئيسا لأكاديمية الفنون وغيرها. وكتب مسرحيات مهمة مثل «عودة الغائب» عام 1977، و«الفارس والأميرة» عام 1979، و«لعبة السلطان» عام 1986.
كانت المرة الأولى للقائي بفوزي فهمي مع مسرحياته في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، حين كنت متيما بمشاهدة المسرح وقادرا على السهر، فكان المسرح القومي ومسرح الطليعة هما أجمل سهراتي، وكانا يقدمان مسرحيات مصرية وعالمية مترجمة عظيمة، ولا تنتهي الليلة إلا بسهرة في مقاهي العتبة أو الحسين حتى الصباح. التقيت بأعماله وأعمال كثير من الكتاب العظماء يطول ذكر أسمائهم، لكن أذكر من بينهم الآن محمد عناني كاتب المسرح الذي قدم مسرحيات عديدة، والمترجم لعديد من الأعمال المصرية إلى اللغة الإنكليزية، وكان ثالثهم المرحوم سمير سرحان صاحب الدراسات الأدبية المهمة، الذي كتب للمسرح أيضا في ذلك الوقت مسرحيتين، والذي كان عملي معه في نهاية الثمانينيات باب المعرفة الشخصية لهذه الأسماء اللامعة، ومعهم المرحوم فاروق عبد الوهاب الأستاذ في جامعة شيكاغو، الذي ترجم لي إلى الإنكليزية روايات «البلدة الأخرى» و»لا أحد ينام في الإسكندرية» و«طيور العنبر» ثم أكملت زوجته كاي هكيكيان ترجمة «ثلاثية الإسكندرية» بعد وفاته، وترجمة رواية «الإسكندرية في غيمة».
لقد كان سمير سرحان وفوزي فهمي ومحمد عناني الذين لهم إسهامات مهمة في كتابة المسرحيات أو ترجمة بعضها، أو في النقد المسرحي والدراسات الجامعية في سنوات السبعينيات والثمانينيات وما بعدها، والأهم إدارة بعض المؤسسات أو الهيئات او السلاسل الأدبية، من أهم من قابلت في حياتي ممن أبعدو أنفسهم دائما عن الصراعات الصغيرة. بعيدا عن المقهي الثقافي الذي تم تأسيسه نهاية الثمانينيات برغبة الوزير المحترم فاروق حسني، وشاورني سمير سرحان أن أديره، ووافقت تقريبا لعشر سنوات، وكان ولا يزال أثناء معرض الكتاب في يناير/كانون الثاني من كل عام، وكنت ألتقي فوزي فهمي في زيارته لهيئة الكتاب، أو نتبادل الحديث تليفونيا وكان هو الذي يفاجأني بقراءة مقال أو رواية لي يثني عليها. ثم تقابلنا أكثر من مرة بعد أن أقمنا في شهر رمضان نشاطا فنيا وأدبيا في سرادق صغير في المساحة القليلة الخالية بين هيئة الكتاب والشارع، كذلك حين أقام فوزي فهمي نشاطا في حديقة السيدة زينب في رمضان، لا يزال مستمرا، وما أكثر اللقاءات والندوات التي شاركنا فيها. أول ما أخذ انتباهي هو هدوء صوته واستماعه لمن يحدثه ودرايته بما يكتب محدثه أو يفعل.
حافظ فوزي فهمي على الشعرة بين وضعه كمسؤول في الأجهزة الثقافية والعلمية التابعة للحكومة المصرية، وحريته في العمل، فلم يترك نفسه للانبطاح لأي جهة ولم يقف في طريق أي موهوب.
في كل ما تولى من مناصب لم يكن لي بها صلة ما، فلا أكتب المسرح ولا أعمل في التدريس في أكاديمية الفنون أو غيرها. أنا كاتب بعيد عن السعي لأي منصب، كما أني لم أكمل دراساتي للحصول على الماجستير ومن ثم الدكتوراه لأعمل في الجامعة. فقط مقالاتي ورواياتي وقصصي هي الباب الذي ينفتح على القراء والمحبين، وكان منهم فوزي فهمي، فما أكثر المقالات التي حدثني بعدها عن إعجابه بما كتبت. أذكر مرة كتبت في «روزاليوسف» مقالين عن أنيس منصور فيهما حكايتي معه ككاتب فتح لي باب الأدب والفكر العالمي في سن صغيرة منذ بدأت القراءة، وكان وقتها أنيس منصور يتعرض لهجوم بسبب موقفه السابق مع الرئيس السادات، وكيف اتصل بي فوزي فهمي يعلن سعادة أنيس منصور بالمقالين، باعتبارهما من جيل آخر غير جيله. في كل مؤتمر أو مهرجان يكون هو على رأس منفذيه أو مسؤوله الأول، كنت حين أصل ويكون هو على الباب بالصدفة يهتف مرحبا، ويطلب من أحد موظفيه أن يصحبني إلى الداخل قائلا «دا ابراهيم عبد المجيد يا شباب».. وكنت أسعد جدا بهذه الحفاوة المجانية فلا شيء لديّ أقدمه أو أفعله، وتأخرت جدا في الكتابة عنه حتى أصدرت كتابي «الأيام الحلوة فقط « منذ عامين تقريبا. كان ترحيبه بي يعكس لي اعجابه بما أكتب من روايات أو قصص أو مقالات. في المرتين اللتين حصلت فيهما على جائزة الدولة للتفوق أو الجائزة التقديرية عامي 2204-2007 كان هو رئيسا لأكاديمية الفنون وكان الترشيح من الأكاديمية. في المرتين كان هو الذي اتصل بي يطلب سيرتي مكتوبة ولم يترك ذلك لمساعد له. والمدهش أنه وهو عضو في اللجنة العليا للجوائز في المجلس الأعلى للثقافة لم يتقدم لجائزة، ولم يترشح أو يوافق على ترشيحه لها حتى غاب عنا، لا كما نرى منذ سنوات كيف أن المرشحين لجائزة النيل أكثرهم من أعضاء اللجنة العليا للجائزة. حين سألني أحد عن ذلك قلت يستحقون الجائزة، فقال لي لكن هل خروج المرشح من اللجنة لدقائق حتى يتم التصويت على الفائز يعني أنه يمكن ان يخسر؟ هل يمكن أن يعود إليهم ليجدهم خذلوه؟ قلت له الأولى طبعا بالمرشح الاستقالة من اللجنة بعد الترشح. هذا أفضل لهم حتى لا يصيروا محل انتقاد، أو حتى لا يفتحوا باب الانتقاد فهم كتاب كبار، وبالفعل انفتح باب الانتقاد رغم قيمتهم.
حافظ فوزي فهمي على الشعرة بين وضعه كمسؤول في الأجهزة الثقافية والعلمية التابعة للحكومة المصرية، وحريته في العمل، فلم يترك نفسه للانبطاح لأي جهة ولم يقف في طريق أي موهوب. كان ما يهمه هو ما ينتجه من أعمال أو طلاب علم أو كتب أو دراسات وليس الإعلام والدعاية، فنادرا جدا ما كنت تجد له حديثا في الصحف، ولا يقبل على أي حفاوة به، إذ يرى أن عمله هو حياته الحقيقية. والحقيقة أن مثقفا مثله كان مساعدا لفاروق حسني ومتعاونا معه في كثير من المؤسسات الثقافية كان مناسبا ومتوافقا جدا مع فاروق حسني الذي بدوره لم يكن يعادي أحدا أبدا، وهذه شهادة أقولها دائما. تماما كما كان سمير سرحان في عمله في هيئة الكتاب. لقد تابعت المراثي لفوزي فهمي على فيسبوك فتحقق لي ما رأيته فيه ومنه وانعكست وفاته محبة على كتاب ومسرحيين وفنانين في مراحل مختلفة من العمر، كلهم أجمعوا على نُبل الرجل وعلى روحه السمحة معهم وهم طلاب عنده، ثم وهم مخرجون للمسرح أو فنانون أو كتاب ونقاد. كان آخر حديث بيننا منذ شهرين تقريبا رأيت صوته غائما. كان صوته لي دائما مثل ندى الصباح، ولما سألته ماذا به قال بخير، ولم أدرك أن الصوت الغائم كان أشبه بإشارة وداع، لسحاب جميل ظللنا كثيرا يبتعد.
مراثي كثيرة وعظيمة قيلت لكني أختم مقالي بكلمة الفنان أشرف زكي نقيب الممثلين «وداعًا أستاذى وصديقى.. وداعًا سيد البنائين».. كم من قصور بناها فوزي فهمي في الثقافة والفن. رحمه الله ألف رحمة هو الذي أثري حياتنا الثقافية بالكتابة والعمل، وكان يعرف قيمة الثقافة والمثقفين، لا يبخل عليهم برأي أو جهد ولا ينازعهم في شيء، وكان اللقاء به أو الحديث معه مثل فجر يشرق أمامي.
روائي مصري