كثيرة هي الأحلام التي تراود الشباب وهُم في سن المُراهقة، لكن ثمة أمنيات كثيرة تسقط من الإنسان أثناء رحلته الحياتية لا يعرف لسقوطها سبباً مباشراً على وجه التحديد، تلك هي الفكرة التي دارت حولها أحداث فيلم «الحريف» الذي أنتج عام 1983 وكتب له السيناريو والحوار بشير الديك وأخرجه محمد خان.
لقد كان مُقرراً في بداية الأمر أن يقوم ببطولة هذا الفيلم الفنان الراحل أحمد زكي، ولنشوب خلاف بسيط حول الشكل الخارجي للشخصية، اعتذر أحمد زكي عن أداء الدور فأسنده خان إلى عادل إمام الذي كان في تلك الفترة نجماً ساطعاً ملء السمع والبصر.
يتمحور دور البطل «فارس» حول المهارات التي يُمكن أن تتوافر لإنسان ما دون أن يمتلك مقومات استغلالها بالشكل الأمثل، فالبطل في القصة السينمائية موهوب في لعب كرة القدم، لكنه يُعد لاعباً محلياً لا يزيد نشاطه الكروي عن صيت ذائع بين لاعبي الساحات الشعبية. ومن ثم فهو محدود العلاقات، لا يُمارس اللعبة بشكل جماهيري، إلا من خلال عبد الله فرغلي سمسار المباريات الودية بين الفرق المحلية، بينما هو يعمل صانعاً للأحذية في إحدى الورش الصغيرة، وتتسم طباعه بالتمرد، وهو الخط الواضح في شخصيته والمُتسبب في كل مُشكلاته العائلية، فوالد فارس منفصلان، وأسرته مُفككة، يعيش في فقر مُدقع، وزوجته ناشز هجرت بيتها وأخذت ابنها الصغير واستقلت عنه.
ولم يعد للشاب الطموح غير موهبته التي وضعها الله في قدميه الساحرتين بلا حظ، أو قُدرات تسمح بتحقيق أحلامه العريضة، التي طالما اتسعت وارتفعت إلى عنان السماء، إلا أنه لم يُحقق منها غير اليسير.
المعنى الذي استهدفه بشير الديك في الإشارة إلى الشخصية لم يخرج عن دائرة القضاء والقدر، حيث يظل البطل مسيراً في كثير من الأحيان، يتحرك في الحياة بقوة الدفع الذاتي، لاسيما في ظل انعدام الفرص ووجود التحديات الصعبة التي تواجهه بلا استعداد منه.
ويحاول السيناريست بشير الديك أن يُدلل من خلال مسيرة البطل الشقي على الحقيقة التي طالما برزت عناوينها في كثير من صفحات ومواقف فارس، ذلك البطل البارع في لعب الكرة الشراب، بيد أنه قليل الحظ، فاقد الحيلة، لا يملك إلا قلباً طيباً وحُلماً مفقوداً يركض خلفه طوال الوقت، لعله يتحقق ولو بشكل نسبي.
وبالقناعة ذاتها حاول المخرج محمد خان في فيلمه، أن يُثبت نظرية الحظ الذي كثيراً ما يقف، حسب وجهة نظره، خلف النجاحات الكبيرة لأصحاب المواهب الفذة، فمن غير الحظ والاجتهاد معاً يصعب تحقيق الأماني، إذ يُشكل العنصران ثنائية كونية يحار العقل فيها وتتبدد جراءها كل الرؤى العقلانية الخاضعة للمنطق والحسابات الرياضية الدقيقة.
وقد يكون هذا التفكير نوعا من الفلسفة حاول خان ترجمتها، من خلال رؤيته السينمائية الناعمة، والمُنحازة بقوة لبطله الفقير المُنتمي للطبقة الشعبية، التي كثيراً ما دافع عنها المخرج الكبير في مُعظم أفلامه الإنسانية. وفي ذلك ما يعكس انتماء محمد خان للبسطاء واحترامه لكفاحهم وأحلامهم، وإيمانه المُطلق بالمواهب الفطرية التي يولد الإنسان الموهوب مزوداً بها، فإما تجد سبيلاً للتعبير عن نفسها، أو تُقمع ويُحبط صاحبها فتموت في مهدها أو تبقى مجرد ظل في خلفية حياته. وبمرور الوقت تتحول إلى ذكرى بعد أن يفوت أوان استغلالها، تماماً كحالة البطل الذي أجهدته الأزمات والعقبات، فجاء من سرق منه حُلمه وأكمل مشواره في الساحة الشعبية لكرة القدم عبد الله محمود، أو «مختار» حسب اسمه الدرامي، فهذا المختار هو الضحية الثانية للحظ العاثر والفقر القاتل، لاعب ماهر لكنه فاقد أيضاً لمقومات الشهرة والنجاح وقانعاً بدورة كلاعب محلي. ولم يستثن الكاتب بشير الديك أحداً من الهزيمة، فعبد الله فرغلي الذي يراهن على اللاعب المتميز دائماً، هو أيضاً عاجز عن تحقيق أي حُلم، فهو مبتور الساق قعيد، لا يمتلك أي مهارات شخصية غير تسويق المباريات والاستفادة المادية منها.
وفردوس عبد الحميد الزوجة المضطرب شعورها نحو زوجها فارس لاستهتاره وإهماله وفوضويته، هي ذاتها تعيسة ومُحبطة وتُعلق كل آمالها على ابنها الوحيد ذي العشر سنوات.
كذلك زيزي مصطفى عاملة المصنع، التي ترتبط عاطفياً بفارس وترى فيه ما لم يره أحد غيرها، جدعنه وشهامة وقُدرة على النجاح، هذه الفتاة حائرة بين حُبها وخوفها، وعاجزة عن امتلاك حبيبها وفارس أحلامها، كونه متزوجا وأبا ومشدودا لحُلمه لأبعد مدى.
أما نجاح الموجي ساكن السطوح فهو أحد أفراد المُجتمع التحتي، الذي قهرته الظروف وبات طريد السُلطة، ينتهي به المطاف إلى الانتحار ليضع علامة استفهام كبيرة، حول أسباب المأساة الاجتماعية الذي راح ضحيتها بلا ذنب أو جريرة، غير أنه فقير مُعدم فاقد للعائل والسند!
دائرة واسعة رسمتها أحداث فيلم «الحريف» وسُجنت داخلها الشخصيات كلها بلا تمييز بين البطل الرئيسي، أو الرموز الهامشية من البشر، سُكان الحواري والعطوف والبدرومات، ولاعبي الساحات الشعبية ونوادي الدرجة الثانية، العُمال المهنيين أو أصحاب المصانع، الجميع يعيش تحت درجة واحدة من الضغط، بلا هدف أو عنوان.. لكنهم في النهاية أبطال.