فيلم «أحمر وأخضر»… الرهان على حاسة السمع واستفزاز المخيلة

لو أردنا تعريف السينما باختصار شديد لقلنا إنها «صورة وصوت». تُرى، ماذا يحدث لو أن المخرج قرر أن يستغني عن أحد هذين المُعطيين؟ هل يمكن القول إننا نشاهدُ فيلمًا مكتمل الجوانب؟ ربما تستغني الصورةُ عن الصوت أو المؤثرات السمعية لكنها تظل قادرة على صياغة قصتها أو روايتها بشكل بصري، على الرغم من بعض التحديات السردية القائمة التي يمكن أن تُذللها قابلية المُشاهد على التلقي، لكن ماذا لو استغنى المخرج عن الصورة وترك لنا إمكانية مُشاهدة فيلمه بواسطة المُعطى الصوتي فقط، كما فعل المخرج العراقي التجريبي محمد توفيق في فيلمه القصير «أحمر وأخضر» الذي غيب فيه الصورة مكتفيًا بعرض اللونين الأحمر والأخضر، اللذين يتناصفان الفيلم بمدته القصيرة ثلاث دقائق وخمسين ثانية لا غير؟ وقبل أن نطلق أي حُكم مُسبق لابد من رواية القصة السينمائية المكثفة زمنيًا، التي حاول المخرج وكاتب النص اختصارها إلى حدٍ كبير وكأنه يضعنا قسرًا أمام صيغة تجريدية تقول كل شيء دفعة واحدة. لا تكتمل القراءة النقدية لهذا الفيلم التجريبي ما لم نشاهده بطريقة مجازية، بدءًا من العنوان، فالأحمر لا يرمز إلى المعنى الحقيقي للون الأحمر المُتعارف عليه في الفن التشكيلي، وإنما يذهب مباشرة إلى الدم والموت والدمار، تمامًا كما يخرج الأخضر عن معناه اللوني المبسط ليتشبث بالمعنى المجازي، الذي يحيل إلى الحيوية والرخاء والحياة في أبهى صورها. فالأحمر نقيض الأخضر، وعدوه اللدود. ووفق هذه المعادلة يمكننا أن نشرع في تحليل الصور البصرية المُتخيلة التي تتناسل أمام «المُستمع» الذي يُرهف السمع وهو يحدق في المستطيل الأحمر لمدة دقيقتين ليرى في مخيلته البصرية المتأهبة الطائرة الحربية النفاثة بواسطة المُعطى الصوتي الذي ألِفته الأذن البشرية في الجهات الأربع من هذا العالم المسعور، الذي يقود بعض دوله المتغطرسة حُكام مجانين لا يجدون ضيرًا في إشعال الحروب مهما كانت فواجعها كبيرة، وخسائرها جسيمة تفوق الخيال. يستدعي صوت الطائرة الحربية المُغيرة أصوات الدوشكات الثنائية والرباعية التي تتصدى لها برشقات أوتوماتيكية طويلة أو متقطعة، ترافقها انفلاقات متكررة هنا وهناك، ثم نسمع أصوات اشتباكات نارية أرضية توحي لنا بأن هناك هجومًا على جنود يتمترسون في خنادقهم الحصينة والعكس صحيح ضمن ثنائية الدفاع والهجوم، التي تعقبها غالبًا عملية استثمار الفوز، ومسك الأرض، وتطهير الجيوب من الجنود المذعورين الذين يختبئون في المغاور أو خنادق البقاء على قيد الحياة. المُستمع الذي جرب الحرب، وشارك في أهوالها وفظاعاتها، يستطيع أن يستحضر ساحة الوغى بكل تفاصيلها، خاصة حين يسمع دوي القنابل بصفيرها المرعب الذي يستغرق بعض الوقت في أثناء المرور قبل أن تنفلق على سطح الأرض. ثمة انفجارات لأسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة تبث الفزع والرعب في نفوس المستمعين، وثمة دبابات مخيفة وهي توجه أهدافها النقطوية إلى سواتر العدو «المُفترَض» وتحول حياته إلى جحيم لا يُطاق.

لا تكتمل القراءة النقدية لهذا الفيلم التجريبي ما لم نشاهده بطريقة مجازية، بدءًا من العنوان، فالأحمر لا يرمز إلى المعنى الحقيقي للون الأحمر المُتعارف عليه في الفن التشكيلي، وإنما يذهب مباشرة إلى الدم والموت والدمار.

في القسم الثاني من الفيلم وهو الأقصر زمنيًا بعشر ثوانٍ من القسم الأول وكأن المخرج يريد أن يقول لنا من طرفٍ خفي بأن زمن الحرب أطول من زمن السلم الذي نعيشه وحتى إن غابت فإن شبحها حاضر على الدوام، في شكل تهديدات علنية أو مبطنة. مع تلاشي اللون، وزوال أخطاره ومخاوفه، وظهور بوادر اللون الأخضر، نسمع خرير المياه الرقراقة، وتدفق أمواجها، وتكسرها على الضفاف المنحدرة، ثم يدهمنا شدو البلابل، وسقسقة العصافير، وهديل الطيور من دون أن تتلاشى رقرقة المياه المنسابة، وهي تختلط رويدًا رويدا بأصوات الأطفال الذين يلعبون ويمرحون، ولعل بعضهم كان يتدرب على الكلام قبل أن يتخلص من احتباس الحروف في جوف الحنجرة، ولثغتها على أطراف اللسان، ثم تتلاشى أصوات الأطفال والأطيار والطبيعة، ليكتمل المشهد النابض بالحياة التي ينبغي أن تُعاش بالطول والعرض والعمق معًا، وينبغي ألا تُبدد بالحروب الشعواء، والمناوشات المجنونة التي تفتك بالطبيعة ومنْ عليها مِن بشر وكائنات حية، وحضارات راسخة ساهمت فيها معظم شعوب الأرض، إن لم نقل كلها من دون استثناء.
في أثناء مشاهدتي لهذا الفيلم القصير راودتني غير مرة فكرة مفادها، أن هذا الفيلم الذي يروي ويوثق في الوقت نفسه قصة «الحرب والسلام» بصيغتها السمعية، قد يكون مخصصُا لذوي الاحتياجات الخاصة من الأكفاء (مفردها كفيف) الذين فقدوا نعمة البصر، تُرى، كيف سيستقبلون هذا النمط من الفيلم التجريبي الذي يراهن على حاسة السمع، وتفعيل المخيلة واستفزازها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن حاسة السمع عند الكفيف مُرهفة، ويتذكر بواسطتها أسماء الأشخاص من نبرات أصواتهم، فكيف سيتذكرون أصوات الحرب والسلام برمتها؟
ينتمي فيلم «أحمر وأخضر» في جانب منه إلى السينما الشعرية أيضًا، وقد سبق للمخرج أن أنجز عددًا من الأفلام الشعرية والتجريبية، التي يتلاقح فيها الحس الرومانسي بالتحديات المُشار إليها سلفًا مثل غياب الصوت أو الصورة أو بعض المؤثرات التقنية المهمة التي لا يفرط بها أي مخرج سينمائي إلا ما ندر. وسأكتفي بذكر بعض الأمثلة القليلة من أفلامه التجريبية مثل «ظلال» و«ليل وثلج وأوتار» و«الفصول الأربعة» وما سواها من أفلامه الروائية القصيرة، التي تكشف عن براعة محمد توفيق مخرجًا متميزًا، وكاتبًا للنصوص المكثفة، إضافة إلى رؤيته الإخراجية التي تنطوي على كمٍ كبير من الخبرة التعبيرية، التي يلمسها مُشاهد فيلمه أو المستمع إليه كما في حالة فيلم «أحمر وأخضر» الذي مَنتجته بسلاسة عالية المخرجة رانيا توفيق.

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية