فيلم «أولى ثانوي»… الرومانسية والواقعية في خلطة سينمائية واحدة

الحاضر هو الحد الفاصل بين الماضي والمستقبل، فإذا جاز للإنسان أن يكون مشدوداً إلى أي من الأزمنة الثلاثة فغالباً ما يكون مشدوداً إلى الماضي، الذي يُمثل المساحة الأكبر من حياته، على اعتبار أن الحاضر هو اللحظة الراهنة القصيرة، والمُستقبل هو ذلك العالم المجهول الذي نتحسس إليه الخُطى وندخله حذرين. وتعود أهمية الماضي بالنسبة لمن يتعلقون به إلى كونه رصيدهم الذي ادخروه من التجارب والذكريات، يجترونه كلما تكتلت أمامهم العوائق وعازتهم الفرحة، أو ضنت عليهم الأيام فحرمتهم من التفاؤل والشعور بالأمان.
وبتفاقم الإحساس بالماضي والحنين إلى كل ما هو قديم لدى الإنسان الرومانسي الحالم، تسقط من مُخيلته القديمة لحظات الضجر والقسوة، إلا ما عظم منها، فلا يرسخ في ذاكرته إلا كل ما هو جميل ومُثير. وهناك مقولة لأحد الشعراء الغربيين مفادها أن الحنين للماضي يتأجج داخل الإنسان كلما بعدت المسافة بينه وبين الحاضر.
هذه بالضبط هي الفكرة التي دارت حولها أحداث فيلم «أولى ثانوي « الذي أنتج عام 2001، وهو التجربة الثالثة للمخرج محمد أبو سيف، نجل المخرج الراحل صلاح أبو سيف في السينما الروائية الطويلة. ويُمكن القول إن هذا الفيلم ينتمي مجازاً إلى السينما الواقعية، وإن كانت بعض مشاهده تحمل بُعداً رومانسياً، خاصة في الأحداث الأعلى تأثيراً. وعلى الرغم من الأبعاد الرومانسية والإنسانية للفيلم، ظلت القاعدة الأساسية التي انطلق منها كل من السيناريست أشرف محمد والمخرج محمد أبو سيف هي الواقعية، حتى إذا كان هناك اختلاف نوعي في شكل هذه الواقعية وعلاقتها بواقعية صلاح أبو سيف بوصفه أباً ومُعلماً لابنه محمد أبو سيف.
وتأتي عملية الالتباس أو الازدواج بين الهاجس الرومانتيكي والخط الواقعي داخل الفيلم، نتيجة تداخل الأحداث، فهناك شق يتعلق بشخصية حمزة البطل الذي ينتمي نفسياً وروحياً إلى الماضي، ويكتنفه الغموض ويُحيط نفسه بسياج من السرية، تلك السرية التي تكشف عن تفاصيل دقيقة يعيها المُتفرج تدريجياً، كلما سنحت الفرصة له باستشفاف المعنى، من خلال مشاهد غير مُكتملة وجُمل حوارية مبتورة ومُقتضبة يسوقها السيناريست عمداً على لسان البطل، ليظل المتفرج في حالة ترقب وانتظار للجديد والمُفاجئ من الأحداث. إنها حيلة المخرج لخلق نوع من الإثارة والتشويق في ما يخص البطل غريب الأطوار، الذي اختار الوحدة والبُعد عن زوجته وابنته، اللتين لم تظهرا معاً طوال الفيلم إلا في مشاهد قليلة وقصيرة. يرى حمزة البطل الرومانسي النبيل (نور الشريف) سلوته في الماضي، ويُشبع حنينه المُتدفق إليه باقتناء التحف والأنتيكات وقضاء معظم وقته في صالات المزاد التي يهيمن عليها سماسرة مُتخصصون في هذا الشأن، يُطاردهم حمزة ويوقع بهم خسائر فادحة، وكأنه يُطالب المُشاهد بضرورة المُحافظة على التراث والأصالة والتخلص من كل ما هو مغشوش ورديء. وقد تكرر ذلك في أكثر من مشهد للدلالة على دق ناقوس الخطر، ولفت النظر إلى ظاهرة البيع والتفريط والإيحاء برفضها بشكل قاطع.
ثمة جانب آخر مواز يُمثل حسب تصورنا الشق الواقعي للأحداث الذي يتمثل في المنهج التربوي الذي اتبعه البطل حمزة في تقويمه لسلوك المُراهقين الثلاثة، وغلب عليه الخطاب التلقيني المُباشر، حيث اتبع حمزة أسلوب النهي والردع بطريقة تقليدية في عملية الثواب والعقاب. ويُعد هذا الجزء هو الأضعف في رسالة الفيلم ومضمونه، وإن كان نور الشريف بأدائه المتميز حاول أن يُقلل من التأثير السلبي للرتابة والملل في هذا الجانب، وربما ساعده في ذلك أداء المُمثل ماهر عصام الذي اتسم بخفة الظل والإتقان، رغم صغر سنه وقلة خبرته في ذلك الوقت. يُضاف إلى مفردات سيناريو أشرف محمد الذي لم يخل من الإبداع والموهبة، العلاقة الرومانسية اللائقة بين البطلين، نور الشريف وميرفت أمين، التي مثلت جسراً ربط بين الماضي والحاضر، أو بين رومانسية الأمس وواقعية اليوم وفق أجواء الفيلم الرومانسي الواقعي الاجتماعي.
ونستطيع رغم التباين الفني في مستوى المشاهد، وعدم ثبات الإيقاع بشكل عام، أن نجزم بأن لغة الحوار كانت على أعلى مستوى من الرُقي، وارتفعت كثيراً بالموضوع وعالجت الكثير من نقاط الضعف، لاسيما أن الفكرة في حد ذاتها لم تكن تحمل جديداً يُذكر، لكنها أعطت تأثيراً قوياً بفضل طريقة العرض والأداء الأمثل للبطلين الرئيسيين والأبطال المُساعدين. وبالطبع كان للديكور الذي صممه محمد حسن، والموسيقى التصويرية لعمر خيرت، أثر بالغ في الإقناع بالحكاية الرومانسية الممزوجة بالواقعية بغير ارتباك أو نشاز، خاصة أن هناك مشاهد بعينها ظهر فيها التماس الواضح بين الماضي والحاضر، ولعبت خلالها الصورة دوراً رئيسياً، حيث جرى التصوير بالأبيض والأسود في حوالي أربع أو خمس لقطات لعقد المقارنة بين مرحلتين من حياة البطل الذي يعيش بإحساسه في الماضي، بينما هو مُجبر على أن يحيا الواقع رغم قسوته، محاولاً تزيينه لنفسه ورسم صورة تعكس التفاؤل للأجيال الجديدة في المستقبل.
لقد أوصى الفيلم في سياق ما هدفت إليه رسالته الضمنية بضرورة التفاهم بين الأجيال المُختلفة ومحاولة إيجاد لغة مُشتركة لتحقيق إمكانية التعايش بشكل أفضل، دون فجوات ومسافات تؤثر على فكرة التلاقي في الأفكار والأمزجة والعلاقات السوية، لخلق مُجتمع صحي متوافق.
كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية