فيلم «التحدي»: رؤية سينمائية تسجيلية لحكاية شعب يستحق الحياة

ربما تأتي الحالة السينمائية الإبداعية المُتضمنة في فيلم «التحدي» للسيناريست والمخرج الفلسطيني سعود مهنا، مُعبرة عن العنوان بالفعل، فهي ترجمة حقيقية للمعاني الإيجابية كافة التي أخضعتها الصورة لتكون نواة لحكاية شعب أبي عنيد يرفض الهزيمة، ويتمسك بحقه في الحياة، رافعاً شارة النصر أمام هجمات العدو المتوالية على الأطفال والنساء والشيوخ، وفقاً لكل المواقيت في جميع دول العالم.
«التحدي» هو الفيلم الذي تم عرضه في سياق الاحتفال بافتتاح الدورة الثامنة لمهرجان العودة السينمائي، في تزامن دقيق مع مرور 300 يوم على بداية الضربات العسكرية الهمجية للكيان الصهيوني على قطاع غزة بلا تمييز، إذ استهدفت الصواريخ والطائرات المواقع كافة بلا استثناء، ولم ترحم ضعيفا أو قعيدا أو شيخا أو امرأة.
يذهب السيناريست والمخرج سعود مهنا إلى توثيق اللحظات الحرجة في حياة المواطن الفلسطيني داخل المُخيمات، فيستعرض في جولة تفقدية عبر يوم كامل نمط الحياة الجديدة بكل تفاصيلها القاسية، الدالة على استثنائية الشخصية الفلسطينية، العامدة إلى التكيف تحت أصعب الظروف في ظل الانعدام الكامل لسُبل العيش، وفرص التقاط الأنفاس، فلا وجود للغذاء أو الماء أو الكهرباء، كل شيء يتم الحصول علية بجهود مُضنية، وكل الاستعدادات الواجبة للاستمرار والبقاء متروكة للصدفة.
الساعات تمر ثقيلة بطيئة كأنها الموت يزحف ليهلك الحرث والنسل، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث فكل أماني الكيان الصهيوني تتحطم على صخرة المقاومة الباسلة، والتشبث بالحياة في كبرياء وشمم، فلا وجود لقوة تُعجز المواطن الفلسطيني عن القيام بدوره لحماية أرضه وعرضه، مهما زادت حدة القصف والقتل والدمار.
تتجول الكاميرا بين صفوف المُخيمات والطرقات والممرات لتستعرض الواقع، وتنقل الصور الحية المُفعمة بالحيوية، رغم كل دلالات العوز والاحتياج، لأن قوة خفية كامنة في النفوس الصابرة المُحتسبة تشحذ العزائم وتُلهب القلوب بالحماس وتقوي الهمم.
يُشارك المخرج سعود مهنا، الذي اعتاد الالتزام بالوقوف في مكانة الطبيعي خلف الكاميرا لأول مره كراو للأحداث، فيظهر في الصورة متوسطاً الكادر السينمائي وهو يحكي مع صديقه ورفيق رحلته الإبداعية عن تفاصيل يوم من أيام الحصار والتجويع، يتحدث بطلاقة دون اكتراث، مُتفاخراً بقوة أهله وذويه وجيرانه، وكل سكان المُخيمات داخل قطاع غزة فهم المثل والقدوة وعنوان الصمود والتحدي. وبتلقائية تدل على شخصيته المُتفائلة نرى مهنا يُمازح الصغار، وينشر الضحكات ويشتبك في حديث ودود مع أحد المُتخصصين في صيانة الموبايلات والمسؤول عن شحن البطاريات بالكهرباء، وتغذية الأجهزة بالأرصدة الداعمة للاتصالات وبرامج تشغيل فيسبوك وتويتر والواتساب وغيرها. إنها ملامح إنسانية حرص المخرج على تضمينها، لإكساب المشهد السينمائي التسجيلي حيويته وألقه وصدقه، حيث ينبغي أن لا تكون الصورة مُعتمة في فيلم يتحدث عن التحدي، ويطرح بدائل كثيرة غير الموت والفناء، لتمتد المسيرة الفلسطينية على الدرب النضالي بأقل الخسائر المعنوية، لاسيما أن الطاقة الإيجابية لدى المواطن، أو بالأحرى المُقاتل الفلسطيني متوافرة بقوة، ولا يعوق نموها وكثافتها شيئاً مهما تعاظمت الكوارث واشتدت المحن، فالحُلم بالاستقلال لا يزال هو القيمة الأعلى بين القيم، وزوال المُحتل وشيك إذا ما استمرت المقاومة على ثباتها وبقي الإصرار.
هكذا كان الخطاب الذي تبناه المخرج وأوضحته الصور والعبارات والجُمل الحوارية بشكل غير مباشر، في تأكيد مقصود على أنه لا مناص من المقاومة ولا بديل عن النصر. قد يكون الزمن الإبداعي لفيلم التحدي قصيرا، لكن تأثيره الذهني والوجداني يتجاوز زمنه بكثير، بمقياس الأهمية وعمق الرسالة وجدوى الحالة الفنية الداعمة والفاعلة والمُطمئنة. لم تغب أدوات التأثير التقنية في الفيلم التسجيلي الوثائقي الخاص، رغم قلة الإمكانيات وتواضع الإنتاج الشديد في الميزانية الصفرية الخالية من كل الأرقام الحسابية، حيث تتجلى آيات الحضور القوي للموسيقى التصويرية والمونتاج والمكساج ونقاء الصوت والتوظيف الدقيق الموحي للإضاءة بدرجاتها المُختلفة.
إنها تجربة إبداعية فريدة من نوعها جديرة بالدراسة والتحليل، تأتي صناعتها في ظروف بالغة القسوة والصعوبة، لكنها لم تفقد أيا من معانيها الثقافية والسياسية والفنية كونها فلسطينية ـ فلسطينية فكراً وذكراً وإبداعاً.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية