مدريد: يعد فيلم «دي بيرنت أورنج هيريزي» ثاني فيلم طويل للمخرج الإيطالي جوزيبي كابوتوندي، بعد فيلمه»ساعة الجريمة» الذي أبدعه سنة 2009 معلنا عن ميلاد مخرج سينمائي واعد، حيث فاز بجائزة أحسن فيلم إيطالي ولقبي أحسن ممثل وممثلة في مهرجان البندقية.
ومع فيلمه الثاني، الذي يحمل اسم «تحفة فنية» في نسخته الإسبانية، يؤكد جوزيبي كابوتوندي على تبنيه أسلوبا يمزج بين الدراما والجريمة، في خلق حكيه الفيلمي، حيث عمل على اقتباس رواية بالعنوان نفسه للكاتب الأمريكي تشارلز ويلفورد وتتعلق بجرائم عالم الفن في سنة 1971.
وتولى كاتب السيناريو الأمريكي سكوت بي سميث اقتباس الرواية، ونقل أحداثها من فلوريدا إلى مدينة ميلان الإيطالية، كمكان ساحر لهذا النوع من الحكايات .
قصة الفيلم
يحكي الفيلم قصة جيمس فيغيراس، ناقد فني محترف، يلقي محاضراته الفنية للسياح في مدينة ميلانو الإيطالية.. ويعمل على أن ينحت اسمه ضمن كبار النقاد الفنيين، بعد أن قام بإصدار مؤلفه الموسوم بـ«سلطة النقد». يعيش جيمس فيغيراس (كلاس بانغ) فوق إمكانياته المادية، التي كادت أن تخلق له متاعب، وتنهي مساره النقدي. وفي آخر محاضرة له، يلتقي ببيرنيسي هوليس (إليزابيث ديبيكي) فتاة أمريكية شقراء مولعة بالأسفار، ومقبلة على الحياة كما يحلو لها أن تعيش.. يتلقى جيمس رفقة ببرنيسي دعوة من كاسيدي (ميك جاغر) أحد كبار جامعي اللوحات، قصد زيارته في إقامته الفخمة قرب بحيرة كومو.. وعند وصولهما، سيقترح كاسيدي على ضيفيه التعرف على جيروم ديبني (دونالد سادرلاند) أحد الفنانين ذائعي الصيت، الذي يعيش في منزل منعزل قرب بحيرة كومو. يقدم المخرج كاسيدي على أنه شخصية براغماتية، معتدة بنفسها وواضحة في تعاملاتها مع الآخرين، بارع في التفاوض والابتزاز والإهانة.. فيما تبدو شخصية جيروم ديبني مغلوبة على أمرها، ونموذجا لفنان يعيش على الماضي ورهينة في يد جامع اللوحات.

اقتراح جهنمي
وبعد دراسته عن قرب لعلاقة الثنائي ومستواهما المادي، سيقترح كاسيدي، رجل التجارة بامتياز، على الناقد الفني مشروع اتفاق سري، سيدر في حالة الموافقة عليه دخلا ماليا خياليا. سافر كاسيدي وترك الناقد والفنان يرتبان معا مضمون الاتفاق، حيث سيحكي جيروم ديبني قصة الحرق، الذي تعرضت لها أعماله الفنية وإصابته باكتئاب جعله لا يقوى على الرسم من جديد. وحتى يمر الاقتراح بشكل عادي وبدون إثارة انتباه صديقة الناقد الفني، سيسهل الفنان ولوج ورشته، وأخذ لوحته الإطار، التي تحمل توقيعه فقط، ومختلف قنينات الألوان التي سيحتاجها.. عند عودته إلى منزله، بعد أن دبّر بسرعة أمر مغادرة منزل كاسيدي وسرقة إطار اللوحة وحرق المرسم، يقوم الناقد الفني برسم اللوحة محاولا جاهدا ألا تراها صديقته.. لكن، بعد توجهه إلى الحمام، ستكتشف بيرنيسي إثراستفاقتها المفاجئة أن الألوان التي رسمت بها اللوحة لم تجف بعد تأكدها بواسطة لمس اللوحة وترك بصمتها ..
قتل الشهود
أمام مطالبة بيرنيسي لجيمس بعدم المساهمة في تدليس تاريخ الفن، بل إصرارها على موقفها الرافض لما تم اقترافه من طرف شخص تجمعها به علاقة غرامية.. سيواجهها جيمس بأن ما يقوم به ليس جريمة كما تتخيل، بل لأن الضرورة تدفعه إلى ذلك وأن عليها قبول الأمر الواقع. لم يجد جيمس من طريقة لإخراس صوت صديقته سوى تعنيفها والتخلص منها، وذلك بقتلها ورمي جثتها في البحر. وفي الوقت نفسه تعلن وسائل الإعلام، في خبر عاجل، موت الفنان جيروم ديبني واحتراق ورشته الفنية بشكل غامض..
إيقاع الفيلم
يبدأ الفيلم بإيقاع هادئ، حيث تقربنا الكاميرا من عالم الناقد الفني، لنتعرف على الأجواء التي يشتغل فيها، سواء داخل المنزل أو عند إلقاء محاضراته.. كما ترصد لنا بداية العلاقة التي ستجمعه مع السائحة الأمريكيه، وتتابع ارتباطهما الحميمي.. اختار المخرج أن تكون اللقطات مقربة لرصد ملامح شخصياته، حيث تركز على قسمات الوجه لتعرفنا أكثرعلى نفسية بيرنيسي، التي تجسد براءة شابة تحتفي بالحياة.. وجيمس الذي يبدو هادئا في تصرفاته، لكنه مضطرب يعطي الانطباع بأنه يخفي بعض الأسرار وكأنه يقدم لما يأتي. دخول كاسيدي على الخط يجعل الخط الدرامي يتصاعد شيئا فشيئا، حيث تجعلنا الكاميرا نتنقل، عبر لقطات متوسطة وعامة، في أجواء بيته المحاذي للبحيرة، وطبيعتها الخلابة، ليبدأ مسلسل الاتفاق على جرعات..
يأخذ إيقاع الفيلم في التسارع عندما يريد الناقد أن ينتهي كل شيء بسرعة، فبعد أن أصر بدون سابق إنذارعلى ذهاب صديقته لجمع ملابسهما لمغادرة البيت، فيما يتوجه إلى سرقة لوحة الفنان وإحراق مرسمه.
قتل مزدوج
يصل الفيلم إلى الذروة عندما يشرع الناقد بتعنيف صديقته، التي لم ترد تغيير موقفها، بل سيزيد احتجاجها في الوقت الذي يصر فيه الناقد على عدم التراجع. ورغم تعنيفها الشديد ومحاولتها الفرار تعود من جديد لمعنفها، وبعد أخذ ورد في الكلام سيجهز عليها ويرمي جثتها في البحر.. وبالموازاة مع ذلك يقع قتل آخر تم خارج الحقل، بدون أن نراه ولنا أن نتصور كيف تم، فقط كان عبارة عن مادة خبرية تناقلتها وسائل الإعلام.
ظرف الذباب
وبسرعة أيضا، بعد دعاية مكثفة، يتم الإعداد لتقديم لوحة ديبني الشهيرة، وتوقيع مؤلف خاص تحت عنوان «ديبني: من تحت الأنقاض» من إنجاز الناقد الفني، الذي سيسطع نجمه، وسط حضور هائل من المهتمين ووسائل الإعلام بمختلف أصنافها في دار العرض التي يملكها كاسيدي.
وأثناء حفل الافتتاح سيتلقى الناقد صدمات متتالية، سواء عند تنبيهه من طرف إحدى الصحافيات إلى وجود بصمة تظهر بجلاء على قماش اللوحة، وكذلك عند فتحه لظرف أبيض مليء بالذباب تسلمه من عند جامع اللوحات، وكأنه يردد مقولة «الناقد أســوأ حشرة في العالم».
الحوار
طيلة مدة الفيلم 98 دقيقة، كانت أغلب الحوارات ثنائية أو ثلاثية، ورغم طولها أحيانا فقد عرف المخرج كيف يجعلها تنساب بدون ملل، موظفا تحركات الكاميرا بين شخصيات الفيلم عبر توظيف لقطات مقربة ولقطات متوسطة وعامة أحيانا، لالتقاط المجال الذي تدور فيه الأحداث (لوحات فنية ومناظر طبيعية).
اختلاق الحقائق في عالم اليوم
منذ بداية الفيلم يقدم لنا المخرج الإيطالي جوزيبي كابوتوندي الناقد الفني، شخيصة قابلة للمساهمة في تزوير وقلب الحقائق.. حيث يقوم جيمس فيغيراس بخلق قصص خيالية أثناء حديثه عن لوحات فنية، ليجذب انتباه المستمعين إليه، ويغريهم بقيمة اللوحة وصاحبها.. فهو يعتبر أن وظيفة الناقد بيع الوهم للمتلقي، وأن يشعره بأن روايته للأشياء حقيقية. ويفضح الفيلم جامعي اللوحات ومالكي دور العرض.. كما يطرح أيضا تسخير وسائل الإعلام، التي يتم تجهيزها لبث ما يقترفه تجار الفن وتواطؤ أشباه الفنانين النقاد في تزوير الحقائق. ومن جهه أخرى يشير الفيلم إلى وجود أشخاص يشكلون استثناء ويتمتعون بقدرة فائقة في دقة الملاحظة، ومؤهلين لكشف التزوير وقول الحقيقة بدون مواربة.
الفن مجرد ذريعة
لقد تناول الفيلم الفساد الفني نموذجا فقط، وساهم في تحديد عناصره وضحاياه والآليات التي يشتغل بها، كما يدعونا إلى التأمل والتفكير في كون الفساد الفني يمثل أيضا ما يقع في باقي المجالات، ويتحدث الفيلم عن دور المال والسلطة وتوفرهما على الإمكانيات الهائلة لاختلاق الحقائق في عالم اليوم، للاستفادة منها ماديا ورمزيا.. حيث يعتبر المخرج السينمائي الإيطالي أن ذلك «يحدث في كل مكان، في السياسة والمؤسسات المالية». ويضيف السينمائي الإيطالي أن «الفن هو مجرد ذريعة للحديث عن خلق الحقائق الزائفة، وفي هذه الحالة من خلال سحر الفن وجمال لغته». ويثير الفيلم أيضا عودة الضحية، بعدما حاولت الهرب لمعنفها والحالة النفسية التي تمر منها وتجعلها مشلولة التفكير، حيث اعتبر مخرج الفيلم أنها كانت مصدومة وتبحث عن الأمان وأملها في تغيير الوضع.
طاقم الفيلم
يمكن اعتبار أن مخرج الفيلم نجح في اختيار شخصيات فيلمه، بما يخدم الحكاية، التي من شأنها أن تقع في أي بلد في هذا العالم وفي مجالات مختلفة، حيث انتقى أبطال فيلمه الأربعة من جغرافيات مختلفة… فقد قام بدورالناقد الفني الممثل الدنماركي كلاس بانغ، بطل فيلم «دي سكوار»، وأدت دور بيرنيسي هوليس الممثلة الأسترالية إليزابيث ديبيكي، بطلة فيلم «غاتسبي العظيم»، وشخص دور جيروم ديبني الكندي دونالد سادرلاند.. وقدم شخصية كاسيدي ميك جاغر، نجم فرقة فرقة الروك البريطانية الرولينغ ستونز، الذي عاد للتمثيل بعد غياب دام 8 سنوات.
للمرة الثانية يبدع جوزيبي كابوتوندي (كورينالدو، إيطاليا 1968) عملا فنيا يجمع فيه ما بين الدراما والجريمة والإثارة الجنسية ويقدمه في قالب تشويقي يعرف كيف يتحكم في مقاييس خلطته، حتى لا يطغى أي منها على الآخر.. حيث يعتبر أن «الحياة تحكمها العاطفة والمشاعر وليس العقل».
ويعد جوزيبــــــي كابوتوندي، حاليا، من أشهر مخرجي الوصلات الإشهارية والفيديو كليب، حيث تم تتويجه بجائزة «التصميم والإخراج الفني البريطاني» و«أسد كان» وله أيضا مجموعة من المسلسلات التلفزيونية والبرامج الوثائقية.
٭ كاتب مغربي