اشتغلت السينما المصرية عبر مرحلتين مُختلفتين على رصد وقائع الجرائم التاريخية لقتلة نساء الإسكندرية البالغ عددهن 17 امرأة، بأيدي عصابة تتزعمها شقيقتان، الكُبرى تُدعى ريا والصغرى تُدعى سكينة، حيث أدى تكرار الجرائم وتشابهها إلى الإيقاع بمُرتكبيها في الحادي عشر من ديسمبر/كانون الأول عام 1920، عندما تلقى اليوزباشي إبراهيم حمدي اتصالاً هاتفياً يُفيد بالعثور على جثة امرأة وجدت مقتولة ومُلقاة بالطريق العام، فتم التحرك على الفور وتولت النيابة التحقيق وتتبُع الخيوط المتفرعة للجريمة حتى تم الوصول للجُناة وتقديمهم للمُحاكمة، وانتهت القصة المُثيرة بإعدام الشقيقتين.
وبعد مرور 33 عاماً قدمت السينما توثيقاً مهماً للحكاية الشعبية بفصولها الكاملة في فيلم روائي طويل حمل اسم بطلتي القصة المأساوية ريا وسكينة، كتب له السيناريو الكاتب نجيب محفوظ وأخرجه مخرج الواقعية صلاح أبو سيف، وقام ببطولته كل من أنور وجدي ونجمة إبراهيم وزوزو حمدي الحكيم وفريد شوقي. وكان لهذه الرؤية السينمائية الأولى تأثير شعبي كبير عكس في ما بعد اهتماماً خاصاً من الكُتاب والمُبدعين، ما أسفر عن إبداعات أخرى ذات صلة، جاء أبرزها مُتضمناً في كتاب بعنوان «رجال ريا وسكينة» للكاتب الراحل صلاح عيسى، الذي تناول من خلاله السيرة الاجتماعية لأبطال القصة الحقيقيين، والمناخ السياسي لمصر في تلك الفترة، وكان التناول بمثابة تشريح كامل للمرحلة التاريخية وملابساتها وظروف وقوع الجرائم والخلفيات الاجتماعية والإنسانية للقتلة، وتفاصيل ووقائع المُحاكمة.
وكما هو معلوم تم تحويل القصة ذاتها إلى مسرحية كوميدية أخرجها المخرج جلال الشرقاوي، وشارك في بطولتها، شادية وسهير البابلي وعبد المنعم مدبولي وحمدي أحمد، الذي تم استبداله بأحمد بدير، بعد اعتذاره عن الاستمرار في أداء الدور، غير أن هناك عملاً مسرحياً نادراً ورائداً بعنوان «ريا وسكينة» أيضاً، قام ببطولته وإخراجه نجيب الريحاني في عام 1922.
الفيلم الكوميدي
أما الفيلم الكوميدي الذي تم إنتاجه عام 1983 تنويعاً على القصة نفسها فكان للمؤلف والمخرج أحمد فؤاد، وبطولة شريهان ويونس شلبي وحسن عابدين ونعيمة وصفي وسميحة توفيق ونعيمة الصغير. هذا الفيلم اعتمد في تناوله على المواقف الكوميدية بين البطل والبطلة، والمُفارقات الباعثة على الضحك في العلاقة العاطفية التي تربط بين شريهان ويونس شلبي، أو فلة وعزوز، حسب أسمائهم الدرامية، فعزوز شاب يهوى التمثيل المسرحي ويمتلك موهبة متوسطة، ومع ذلك يتمسك بأصول الأداء الكلاسيكي، ويقتدي بالأساتذة والأساطين الكبار عزيز عيد وجورج أبيض. أما فلة فهي خادمة في بيت جناب الحكمدار ضابط البوليس المُرعب «حسن عابدين» الذي يخشاه الجميع، بينما هو يموت خوفاً ورعباً من زوجته «نعيمة وصفي» سليلة الباشوات التي كانت سبباً في ترقيه وصعوده الوظيفي، حتى صار على قدر كبير من الأهمية، فهو المُكلف بالقبض على عصابة ريا وسكينة، وواضع الخُطط الرئيسية للإيقاع برؤوس العصابة الخطيرة التي تُهدد أمن الإسكندرية.
ينتهز عزوز، أو يونس شلبي، فرصة وجود خطيبته فلة داخل سرايا الحكمدار ويتسلل إليها في غفلة من الحراسة كي ينعم بما لذ وطاب من أشهى الأكلات، لسد رمقه، كونه مُمثلاً بائساً مُعدماً دائم الإفلاس والفشل، ولأنه يعرف مدى حرص الباشا الحكمدار، ورغبته في القبض على العصابة، يمارس هوايته التمثيلية في تقمص دور ريا مُرتدياً الملابس النسائية، ويقنع فلة بتجسيد دور سكينة كي تقوم معه بالمُغامرة، كي يتمكنا من اصطياد الضحايا وتجريدهن من مقتنياتهن الذهبية وتكوين ثروة تمكنه من بناء مسرح قطاع خاص، وتكوين فرقة يكون هو صاحبها ومديرها.
وبين التناقض من حالة الجُبن الشديد، إلى ادعاء البطولة والجسارة تتراوح سلوكيات عزوز وفلة فتتولد الكوميديا الساخرة، وتسير الأحداث في مسارها الساذج بلا هدف غير استهلاك الوقت في الإفيهات واستعراض مُحاولات البطلين البلهاء للإيقاع بالضحايا وسلبهم ونهبهم. وبينما هما يمارسان البلاهة الدرامية بالمقاييس الكوميدية للمخرج والمؤلف، يُصادفان ريا وسكينة الأصليتين ويقعان في أسرهما، وعندئذ يحاولان المقاومة والاستعانة بالشرطة، مُستغلين قربهما من شخصية الضابط الكبير حسن عابدين، بحكم وجود فلة ضمن فريق الخدم بالسرايا، ويفلتان من القتل بمُعجزة، ويُبلغان بالفعل الحكمدار الذي ترتعد أوصاله من اقتراب ساعة المواجهة مع العصابة الخطيرة، رغم ادعائه الشجاعة.
وربما تُشير هذه الجزئية إلى خواء السُلطة الحاكمة في فترة العشرينيات من القرن الماضي، وعجزها عن مواجهة أي أخطار تُهدد كيانها واستقرارها، إذ تكشف الأحداث عن موالاتها لقوة أكبر كانت تدعمها وتعمل على بقائها، فرغم الرؤية الكوميدية بامتياز للفيلم، وبساطة تناول الفكرة وسطحيتها، إلا أنها لا تخلو من مفهوم ومعنى ينطوي على ضعف الدولة آنذاك، في ظل الاحتلال قبل أن تقوى شوكتها بعد تمكنها من تحقيق الاستقلال التام، فجرائم ريا وسكينة في السياق الفني، ما هي إلا رمز لحالة المجتمع في فترة العشرينيات، حيث لا يمكن فصل الجرائم بتفاصيلها المؤلمة عن المناخ العام للمجتمع حينذاك، لذلك كان ضرورياً أن نُشير إلى الدراسة الاجتماعية والإنسانية التي أجراها الكاتب صلاح عيسى، وسجل فيها ملاحظاته الخاصة بالحالة الاجتماعية والسياسية لتلك الفترة من حُكم مصر، لتصدر في كتابة المذكور «رجال ريا وسكينة» وهو الوثيقة الأهم في هذا الصدد.
كاتب مصري