«فيلولوجيا الأزهار» مجموعة الشاعر السوري أمارجي: فلسفة الحياة بلغة الأزهار

سارة سليم
حجم الخط
0

أن تقرأ الشعر شيء، وأن تقرأ شعر أمارجي شيء آخر تماماً، القراءة لهذا الشاعر السوريّ لا سقف لها ولا حدود للدهشة التي تفتحها. إنه شاعر خارج التصنيف، إذ انتبذ لنفسه بالشعر مكاناً قصيّاً لم يسبقه إليه أحد، وعصيّاً على من اعتاد أن يقرأ كتابة من انتحل صفة الشعر وليس له منه غير الاسم، فعالم أمارجي الشعري موغل في الكثافة، والكتابة بالنسبة إليه «شفرة حياةٍ تكثِّف التجربة وتجعلها ممكنةً» على حدّ تعبير ريكاردو بيجليا، فأيَّ شيء يصبح ممكناً عندما يستحيل شعراً عنده.
العبارة الشعرية عند أمارجي مركَّزة، بحيث يتحتّم عليك قراءتها أكثر من مرّة لفهم تأويلاتها التي قد تختلف بين أوّل وآخر قراءة، وقد تواصل عباراته التواري عن الأنظار، فهي ليست من النوع الذي يتكشَّف سريعاً وهو يمضي نحو حضوره، كما يقول روبارتو خواروث: «كلّ الأشياء تمضي نحو حضورها».
يخلق أمارجي عوالمه الشعرية من ذاته الباحثة عن الفرادة في أصل كلّ الأشياء، ولعلّ الفرادة التي استطاع أن يحوزها دون غيره هي المقاربة بين فلسفة الشعر وفلسفة الطّبيعة اللّتين لم ولن تلتقيا أبداً في كتابة شاعر آخر كما التقتا في ديوانه «فيلولوجيا الأزهار». لقد خلق للأزهار موطناً من ورق، ولم يكتف بذلك بل راح يشرّح الزهرة تلو الزهرة كاشفاً عن تمظهرات أخرى لها، أبعد من تلك التي يمكن أن يراها أيّ واحد منّا، ومع ذلك لا يمكننا إلَّا أن نصدّق تلك التمظهرات. يتساءل: «كم شاعراً انتبه إلى الجمال/ في زهرة الأقصليس المبرقش؟».
جاء ديوانه في نصّ واحد يطرح تساؤلات تنطلق من العتمة لتصنع جمالها. يقول رينيه شار: «في ظلماتنا، ليس ثمّة مكان واحد للجمال… كلّ الأمكنة للجمال.» ففي كلِّ تساؤلاته في «فيلولوجيا الأزهار» جرعة فكر زائدة صوب فهم الحياة والسبر في أغوارها. يتساءل:
«أليست النيلوفرات هي المآوي البيضاء
التي تهبط فيها جفونُ الليل؟»
ويتساءل ثانيةً:
«هل قشَّر أحدٌ السماءَ
والقشرُ المنفوض على الأرض هو أزهار الونكة؟».
كذلك يسأل:
«كم مرّةً ستلوم زهرة الروْمِيْرِية البنفسجيّة
زهرةَ خشخاش طروادةَ على قلبها الأسود؟ «
إنَّه ليس شاعر كلمة وحسب، بل شاعر فلسفة، شاعر التساؤلات الكثيرة والقطع الصغيرة التي تفيض الحياة عن جانبيها، فالشاعر داخله تماهى مع الأزهار وبعدها الوجودي، ونجده يستحضر بتساؤلاته شعراء كان لهم بالحياة تجربتهم الخاصة من خلال الشعر، فنجده مثلاً يختصر كلّ ما مرّت به سيلفيا بلاث بتساؤل يمزج فيه الشعر بالألم. يقول:
«كم زهرة أزالية
شربَتْ من دموع سيلـﭭـيا بلاث على ممرِّ الأزالية؟»
وكذلك الحال في ذِكْره وليام وردزورث متسائلاً:
«ألم تشرب غيمةُ وليام وُردزورث ما يكفي
من الدمع المتروك في طاسات النرجس؟»
ولربَّما تساءل قارئ أمارجي كيف استطاع أن يخلق لنفسه هذه الفرادة الشعرية، وكيف تمكن من أن يصوغ فلسفته في الحياة بين العلم والشعر في تساؤلات تقرأها ولا تفهمها في الحال. ذلك أنه ديوان لا يمكن أن يُقرأ براحة، ولا يمكن أن تقرأ بيتاً واحداً دون أن يدعوك إلى التساؤل والانفتاح على كلّ شيء، فعباراته الشعرية عبارة عن نقد عقليّ صرفٍ تقول لك وتشدّد على أنه يجب أن يكون لديك عقلٌ ناقد.
ولعلني لا أبالغ إن قلت إنه من أهمّ شعراء عصرنا الحالي، فهو بالفعل تجاوز الصورة النمطية التي يطرحها أغلب الشعراء، وربما لا تجوز المقارنة، فأمارجي خلق لنفسه صوتًا شعريّاً يقنعك بفرادته في الحال، وشكَّل بالشعر عالماً موازياً لعالمنا، ويكفي اليوم أن تُذكر الأزهار في الشعر حتَّى يأتي على البال اسم أمارجي. يتساءل:
«إذا أمسكتُ أقحوانة بيضاء بيميني، وأقحوانة صفراء بشمالي،
هل سأدور كَكَوكب؟»
أو:
«أتعلمون أنّ لزهرة الأمارلّس رائحةَ ثوب راعية
في إحدى قصائد فرجيل الرعويّة؟»
أو:
«أكانت أزهار المذنَّبة غير نُدَفٍ
تساقطتْ من صوف الكبش الذهبيّ وهو يطير نحو كولخيس؟ّ
وهذا ما يحيلني إلى قول شيلي الذي يجزم بأنّ «الشعراء هم الذين يشكّلون العالم من دون أن يلاحظهم أحد».
قرأت في مؤلَّف مرزاق مقطاش «الكتابة قفزة في الظلام»: «إنّ إيليتيس هو الشاعر الأوروبي الوحيد الذي يحدّد أخلاقية الشعر عن طريق البراءة التي ترفض الخضوع لأيّ سلطة، فليس هناك إلَّا ممارسة واحدة للاضطلاع بهذه القوّة التي تسمو فوق (المجادلة) و(الثورة) على حدّ سواء. ذلك لأنها قوّة دائمة ونعني بها (الكلمة) التي تؤخذ في هذا المضمار بمفهومها اليونانيّ القديم (اللوغوس) أي الكلمة الفاعلة». وربَّما هذا ما ينطبق على أشعار أمارجي التي تنطلق من الكلمة كمصدر قوّة. ومثلما يرى إيليتيس «أنّ تزاوج الشباب والشعر يمثِّل في رأيه شرطاً أساسيّاً في سبيل تشكيل وجهٍ حضاريٍّ جديد»، يرى أمارجي أنَّ تزاوج الشِّعر والأزهار يخلق وعياً فكريّاً ورؤية حضاريةً جديدة. كذلك يتقاطع أمارجي وإيليتيس في التصاقهما بالطّبيعة، فمثلما احتفى إيليتيس بالطّيور البحرية والدلافين والأمواج وسفائن الصيد، احتفى أمارجي بالأزهار والأشجار والطّيور، ولكنّ أهمّ صفة تجعلني أراهما متشابهين هي اعتزالهما صخب الحياة إلى رِباط الشعر والصمت والعزلة.
هناك تشابه قوي أيضاً بين تجربة أمارجي وتجربة ترانسترومر، فكلاهما ابتعد كلّياً عن أجواء النخب المثقفة ليكتفي بكونه شاعراً وحسب، في زمن طغت فيه صورة الشاعر الشخصية ولقاءاته الأدبية على صورته الشعرية. ومثلما أحبَّ ترانسترومر الحشرات، وأصبحت تشكّل هويته الشعرية (حتى إنّ اسمه أطلق على خنفساء، Tranströmer tornbagge )، أحبّ أمارجي الأزهار وأصبحت جزءاً فارقاً من هويته الشعرية، ولعلَّنا يوماً ما ننصفه ونطلق اسمه على زهرةٍ ما مثلما يُنصف الغرب شعراءه الحقيقيين.
نلاحظ أيضاً قرب تجربة أمارجي من تجربة الشاعر الفرنسي رينيه شار، فهما يتشاركان المفاهيم الإبداعية نفسها، كالتوحّد والتركيز والنسك.
لا يقدّم أمارجي في تجربته الشعرية شعراً وحسب، بل مشروعاً شعريّاً. إنه يصوغ فلسفته الشعرية ليقول ما يشاء دون أن يتجه مباشر صوب الأفكار، بل يكتفي بالإلماحات التي تقول أكثر ممَّا تقول الأفكار. هكذا هي طريقة أمارجي المختلفة في الكتابة عن الحياة، الألم، الوحدة، العزلة، الطّبيعة، الحُبّ، المكان الأوّل، وكأنّ أشعاره تحاول أن توثّق صلتها بالمتروك والمنسيّ حتى ينسى الواحد منَّا فداحة الواقع.
«فيلولوجيا الأزهار» هي فلسفة أمارجي في جعل الحياة زهرةً عصيَّة على الشرح، ولكنّها تعد بالحياة، وتثبت في الوقت نفسه أنّ الاستمرار لا يكون إلا بتوحُّد الشعري والحسيّ توحّد الجمال والطَّبيعة. يقول:
«هل الفرق بين الشعري والحسيّ إلا كالفرق
بين زهرة ‘لا تنسني’ وزهرة ‘أذن الفأر’ في النظر إلى الشيء نفسه؟»
يُعيد شعُ أمارجي النظر في الشعر كمادّة تستحقّ أن نراها بمنظار الفكر، ولهذا نجد أنّ الأزهار في شعره ليست مادّة شعرية فحسب، بل مادّة فكرية، بحيث يمكن القول إنه صنع للأزهار في الشعر صوتها الخاص، أو إنه أعاد تشكيل خطاب الفلسفة بلغة أخرى، لغة الأزهار. وهذا ما يجعل من شعر أمارجي شعراً غير منتهي الصلاحيَّة، وغير مرتبط بزمان أو مكان معينين، بل منفتحاً على كلّ زمان ومكان بما يحمله ويختزنه من عالميّة الفكرة ولا نهائيّتها.
لقد وُجد الشعر ليخلخل المؤكّد ويغيّر رؤيتنا إلى الأشياء ويعيد ترتيب رحلتنا في الحياة، ولعلّ أقلّ ما تفعله هذه المجموعة الشعرية هو أنَّها تخلخل وتغيِّر وتعيد الترتيب.

أمارجي: «فيلولوجيا الأزهار»
منشورات المتوسط، ميلانو 2019
60 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية