تونس-“القدس العربي”:يستعد الجزائريون لاستحقاقهم الانتخابي الرئاسي ليوم 12 من هذا الشهر ولا حديث في بلد المليون شهيد هذه الأيام إلا عن الخمسة المرشحين للوصول إلى المرادية خلفا للرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح. وكان الأخير رئيسا لمجلس الأمة ونال صلاحيات رئيس الجمهورية تطبيقا لما جاء في الدستور بعد أن أجبر الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة على تقديم استقالته إثر حراك شعبي ضاغط رفض أن يترشح بوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة.
هجمة شرسة
والمرشحون الخمسة للرئاسة في الجزائر والذين تم قبولهم هم عز الدين ميهوبي عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، الآرندي وعلي بن فليس عن طلائع الحريات وعبد العزيز بلعيد عن جبهة المستقبل وعبد القادر بن قرينة عن حركة البناء وعبد المجيد تبون الذي ترشح مستقلا رغم أنه عضو لجنة مركزية لحزب جبهة التحرير الوطني “الآفلان” الذي حكم الجزائر منذ استقلالها سنة 1962. ويرى طيف من الجزائريين أن بلعيد هو أبعد المرشحين عما يسمونها “العصابة” كونه لم ينل منصبا سياسيا في السابق ما عدا انخراطه في التنظيمات الطلابية. وتضم جبهته إطارات كفوءة تسانده وقد حصل في السابق على المرتبة الرابعة عندما نافس بوتفليقة في العهدة الرابعة.
ويحسب عبد القادر بن قرينة على الإسلاميين على أن البعض يعتبره مرشحهم للوصول إلى المرادية، فيما يرى آخرون أن بن فليس هو مرشح الإسلاميين رغم أنه في نظر البعض الابن الضال لحزب جبهة التحرير الوطني الآفلان. وكان رئيس الحكومة الأسبق بن فليس قد سار سابقا مع بعض الأطراف الإسلامية باتجاه الإطاحة بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وهو ما جعل البعض يؤكد أنه الأقرب للإسلاميين من بين المرشحين.
ويشار إلى أن تبون يواجه هجمة شرسة من قبل رجال الأعمال الفاسدين وما تسمى “العصابة” وأذرعها باعتباره أول من أعلن الحرب على رجال الأعمال الفاسدين في أوج قوتهم حين كان رئيسا للوزراء لمدة 8 أشهر فقط. ولاقى حينها تبون تضامنا شعبيا كبيرا من غالبية الجزائريين تناقص لاحقا بسبب قضية تتعلق بنجله ويصر تبون على أنها كيدية هدفها القضاء عليه هو سياسيا.
حراك ليلي
ولعل السؤال الذي يطرح هل سينتهي حراك الشارع الجزائري بعد انتخاب رئيس الجمهورية في الثاني عشر من هذا الشهر، أم أنه سيتواصل مطالبا بإصلاحات شاملة يخشى معها البعض أن تدخل الجزائر في فوضى تعود بالوبال على المنطقة برمتها؟ ولعل ما يزيد من المخاوف هو أن الحراك أصبح ينظم ليلا في المدن الكبرى وبصورة يومية في تصعيد مقصود من قبل بعض الأطراف لخلق الفوضى التي نجت منها الجزائر إلى حد الآن بسبب وعي الشعب الجزائري وقواه الحية التي أعطت المثال في الوعي من خلال محافظتها على سلمية الحراك.
لقد تزامنت هبة الشارع الجزائري لرفض العهدة الخامسة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة مع الاضطرابات الاجتماعية التي شهدتها فرنسا والتي قادتها حركة “السترات الصفراء” ولاحظ العالم بأسره الفرق بين البلدين. ففي حين جنح الفرنسيون إلى العنف فحرقوا وهشموا الممتلكات العامة والخاصة وتصادموا مع رجال الأمن، اختار الجزائريون الحراك السلمي وعبروا عن مطالبهم من خلال الشعارات التي رفعوها مطالبين رئيس جمهوريتهم السابق بالاستقالة والرحيل مع أركان نظامه.
وتسعى أطراف عديدة إلى الدفع في اتجاه تحويل هذا الحراك الجزائري إلى تمرد عنيف على الدولة وعلى القوانين الجاري بها العمل ولكل مصلحته في ذلك، لكنهم اصطدموا وإلى الآن بشعب واع ومدرك لحقيقة ما يحاك ضد وطنه. فقد حاولوا في السابق إثارة النعرات الطائفية والعرقية سواء في غرداية بين السنة والإباضيين أو في منطقة القبائل بإثارة النعرات العرقية الأمازيغية، لكنهم فشلوا فشلا ذريعا وحافظ الجزائريون على وحدتهم ولم ينساقوا وراء دعوات الفتنة.
صمام أمان
ويبدو استقرار الجزائر صمام أمان لكامل المنطقة المغاربية التي تعيش فوضى استثنائية لم تعرفها من قبل تجسدت أكثر في ليبيا التي دخلت في فوضى عارمة استعصى معها الحل منذ سنوات. وتنسق تونس أمنيا في حربها على الإرهاب مع الجزائر وبلغ التعاون بينهما في هذا المجال مرحلة متقدمة وبالتالي فإن جزائر مستقرة وقوية هو أيضا مصلحة تونسية خصوصا وأن البلدين يتقاسمان القلق نفسه بشأن الملف الليبي الذي بات يقض المضاجع.
أما فيما يتعلق بملف الصحراء الغربية والعلاقة مع المغرب، فإن احتضان الجزائر على أرضها للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب “البوليساريو” يجعل منها لاعبا محوريا في هذا الملف ويجعل من غيابها وضعفها عامل اضطرابات. ناهيك عن الدور الكبير الذي يلعبه بلد المليون شهيد في التوازنات في شمال مالي أو منطقة الأزواد التي توجد فيها حركات انفصالية لدى قبائل الطوارق المغاربية وأيضا تنظيمات تكفيرية واختلط فيها الحابل بالنابل.
ولهذه القبائل الأزوادية امدادات في جنوب الجزائر ويبدو أن بلد المليون شهيد مهتم بما يحصل في شمال مالي حفاظا على أمنه واستقراره من جهة ولأن هذه القبائل المغاربية التي تعاني الأمرين من حكومات مالي المتعاقبة هي امتداد قبلي طبيعي لشعوب شمال افريقيا. وبالتالي فإن غياب الجزائر عما يحصل في تلك الربوع قد يعرض كامل المنطقة لمخاطر أمنية خاصة وأن تونس عرفت تسللا في وقت سابق لإرهابيين من مالي رغم أنها لا حدود لها مع هذا البلد لكنها مطلة على الصحراء الكبرى.
وبالتالي فإن انصراف الجزائر إلى شؤونها الداخلية لا يجب أن ينسي ساستها دورهم الإقليمي في هذا الوقت العصيب الذي تمر به المنطقة المغاربية خاصة وأن خبرة الجيش الجزائري في محاربة الإرهاب باتت مرجعا لدول المنطقة. وقد ثبت خلال السنوات القليلة الماضية أن أمن دول المنطقة مترابط بشكل وثيق ولا مفر من استقرار هذه الدول جميعا ليهنأ سكانها وينصرفوا إلى التنمية والمشاريع الوحدوية.