في التجربة الفنية للتشكيلية السورية سلوى الصغير: حفريات جمالية تستكشف دواخل النفس والروح

حميد عقبي
حجم الخط
1

يزخر عالمنا بالتناقضات الكبيرة، حيث الحياة والموت، الحب والكراهية، الجمال والقبح، وحده الفيلسوف والفنان من يسعى لفهم هذا الكون ومحاولة تصويره بصدق وهنا قد يلجأ الفنان إلى التجريد بحيث يعطينا فرصة للتأمل والتفكير. التجريد هنا فتح نافذة التحاور مع الغير والسفر الذاتي في الداخل. أعمال الفنانة التشكيلية سلوى الصغير، تنتمي لهذا النوع كونها مغامرات رياضية هندسية وفنية، الصغير المحبة والمتخصصة في علم الفيزياء والرياضيات والمحبة لعلم النفس لم تقف كمتذوقة وناقدة بل تغامر بشجاعة بعدة مشاريع وتجارب تشكيلية تستحق التأمل والدراسة لأننا مع نوافذ تمزج العلم بالفن وتسعى لخوض حفريات جريئة في دواخل النفس ورسم ما لا يظهر وربما ما يصعب أيضا وصفه.

 منظومة تناغمية

أعمال الصغير محاولة لمزج الجمال الرياضي بالجمال الفني البصريّ والموسيقي، رسم المحسوس المادي الملموس يضاف إليه المخفي والغيبي، فالقماشة والريشة والألوان والأشكال والخطوط كلها تدخل في منظومة تناغمية لتعزف سيمفونية لمخاطبة العقل والروح معا، التجريب هنا لا يعني معاندة وتحدي الفهم أو التعجيز في تكوين تفسيرات تذوقية من مختلف مستويات التلقي. تؤمن سلوى الصغير أن الفن ليس فئويا نوعيا ولا متعاليا خاصا وأن بوسع كل إنسان الإحساس بالجمال لكن يجب المشاركة التأملية والوجدانية، فالفنان يرتقي بالمتلقي ولا يقدم ثقافة هشة وفنا للزينة.

بهجة لونية

 لوحات الصغير تتميز ببهجة لونية وكثافة حسية متوازنة مؤمنة بحق السعادة والحياة، كما تميل للطبيعة بكل مفرداتها وتمنحها قداسة خاصة حتى وهي تأخذ شكل لقطة عامة لمنظر طبيعي أو قرية في حضن الطبيعة وقد تقترب في بعض لوحاتها نحو الواقع ولكن برؤية فلسفية تجريدية بدون أن تضع تعجيزات مبالغة أو ثرثرة مبهمة فهي تولد من رحم كينونة الفنانة العلمية والفكرية والتي تتشبث بالأمل والتفاؤل وتقديس الحياة. نتعايش مع متعة فرجوية تفوح بمسك الألوان، هنا كيميائية ذات إيقاعات خاصة جعلت حضور لوحات الصغير في المعارض الفنية السورية مناسبة دسمة لنقاشات تحاول فهم الكون والتشابك معه بفنية وكذلك عقلانية فالعلم لا يناقض الفن ولا يعارضه.

جمع الأضداد

ترى سلوى الصغير أن الأسلوب في التعبير دائما ينتصر ويحدث الافتتان عندما يتأثر اللاشعور ويتحرك وأن التجريد بالنسبة لها تعبير عن الرؤيا الداخلية والخلفية الروحية للطبيعة، مقتنعة أن التجريد والواقعية الشديدة بمثابة قطبين أساسين “جمع الأضداد هو ما يميز الوضع النفسي في التعبير فتتحول المادة إلى تركيب مجرد وأجزم أن العالم الرمزي ما هو سوى تعبير عن عصرنا الذي شاهد الفيزياء النووية، كيف تسخر من المفهوم المطلق للمادة وتبطله”.

اللوحات الهندسية

لا يمكننا أن نمر على تجربة الخطيب من دون أن نتوقف مع تجربتها المتميزة والمستمرة “اللوحات الهندسية” وهي تعرفها ببساطة: “اللوحة الهندسية: هي لوحة سيميائية تسعى إلى ايجاد الشيء الثمين في الأشياء الحسية، حاولت فيها تحرير الفن من عالم الأشياء وثقلها بمساحات وكتل مدروسة فلجأت إلى شكل المربع الذي يرمز للكمال والمثلث الذي يرمز للعقل والدائرة التي ترمز للجمال التام”.

عندما نقف عند بعض النماذج نشعر أن الفنانة لا تصرح بكل ما لديها وتميل إلى ألا تكون لوحاتها فاقعة بالضجيج والتأثير الوقتي القصير وترى أن “بقاء ثمة صدى روح خفية تصمت أكثر مما تتكلم، في محاولة لردم الهوة الكبيرة التي أحدثتها الحضارة في إبعاد الإنسان عن القاعدة الغريزية، كما انها لوحات تعتمد النمذجة العلمية في النمذجة الذهنية، فكما نعمل نماذج في العلم نعمل نماذج في الواقع، في الحقيقة لا توجد طريقة لإزالة المراقب من عملية الإدراك للواقع اللذين تخلفهما المعالجة الحسية وآلية التفكير التي نعلل فيها ما نراه، كما هو الحال في علاقة التفاضل الرياضي بالتكامل الرياضي”.

لوحة بيضة الخلق

لو تأملنا لوحتها بيضة الخلق والتي تأخذ الشكل البيضوي “القطع الناقص” رياضيا أي مسقط للدائرة حسب شرحها لهذه اللوحة فهذا الشكل محكوما بالزمن هي لوحة تشبه العين، البؤبؤ أو مركز العمق من اجتماع وحدة الأقطاب المتضادة، الخير والشر، بالنسبة لمفاتيح البيانو فكانت صوت الحياة في الخلق، وتضيف قائلة: “آليت على نفسي أن تكون مفاتيح البيانو مبعثرة وليست من المركز إلى الخارج لفكرة فيزيائية مهمة هي أن الفوضى تخلق النظام ومن النظام تُخلق الفوضى، الانتروبية الفيزيائية”.

ونحن نتأمل هذه اللوحة يمكننا أن نشعر أيضا أننا عرضة للحلم، نتمرغ فيه فلا حدود تمنعنا أن نمتزج في عالم سلوى الصغير كما سنشعر بقشعريرة روحية وهزة تركض إلى الداخل، تملك اللوحة بمفرداتها أدوات قادرة أن تنحت نفسها في ذاكرتنا مع إحداث لذة خاصة وأسئلة تتدفق عن معاني الروح والحياة والكون.

أعشاش هندسية

من ضمن تجارب الفنانة سلوى الصغير ما تسميه الأعشاش الهندسية ونفذت 20 لوحة تحاكي البعد الثاني والثالث وتسعى إلى تصوير فيلم يوضح البعد الرابع الحركي من تتالي اللوحات وكيفية نشوء الأعشاش الهندسية في الفراغ.

الألوان في أعمالها التجريدية تشبه التجريب والبحث في خزانات الحلم بكل ما تحوي كلمة الحلم من تناقضات وسحر لا يحكمها منطق الواقع لكنها قراءة له والريشة بيدها أداة للعزف الطفولي وكذلك الأنثوي، فهي تميل للجمال وحب الحياة وتغرينا للبهجة ولحظات السعادة، حتى لوحاتها التي تناولت الموت والحرب كانت أشبه بمقاومة القبح ومقارعته بتذكيرنا بجمال وروعة سوريا وما تحتضنه من دهشة وثراء وحضارة لا يمكن أن تمحيها أشباح الشر والكراهية وأن الخير والمحبة من طباع هذه الأرض وهذا الإنسان المتحضر منذ طفولة البشرية في هذه البسيطة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية