تونس-“القدس العربي”: “لا عرب التاريخ بل عرب المستقبل” و”الملوك يرحلون والوطن يبقى” تلك كانت أبرز الرسائل التي نقلها الفنان اللبناني غسان صليبا الذي أدى دور ملك أشبيلية المعتمد بن عباد، في مسرحية “ملوك الطوائف” في إحدى أجمل أمسيات مهرجان قرطاج الدولي في تونس في دورته الـ 55. فقد أبهر هذا العمل المسرحي الغنائي التاريخي الجمهور التونسي على مدى ثلاث ساعات وفي عرضين متتاليين يومي 15 و16 تموز/يوليو. هذه المسرحية من إخراج وتأليف وتلحين وإنتاج الرحابنة الذين استرجعوا من خلالها ماضي الأندلس الضائع من العرب مثلما ضاعت فلسطين في نكبة 48 ونكسة67.
ولعل المفارقة التاريخية التي رغب المخرج في إبرازها هي مدى التشابه بين أحداث الماضي والحاضر، فملوك الطوائف يرمز بهم لرؤساء وملوك العرب اليوم المشتتون في واقع عربي منكسر. وتأخذنا المسرحية معها إلى فترة تاريخية هامة من تاريخ الأندلس بعد سقوط الخلافة، حيث برز ملوك الطوائف الذين قسموا الدولة إلى 22 دويلة، ملوكها أشقاء في العلن وأعداء في السر، يتسابقون من أجل نيل رضى الملك الإسباني ألفونسو السادس، ويستقوون به على إخوانهم، تماما كما يتسابق اليوم العرب من أجل نيل رضى القوى الكبرى في العالم. و”ملوك الطوائف” هي فترة تاريخية في الأندلس بدأت مع إعلان الوزير أبو الحزم بن جهور عن سقوط الدولة الأموية في الأندلس، مما دفع بكل أمير من أمراء الأندلس إلى بناء دويلة منفصلة، وتأسيس أسرة حاكمة من أهله وذويه.
لقد قدمت مسرحية الرحابنة الملحمية عرضا للأحداث التاريخية في تلك الفترة بأسلوب غنائي جميل يجمع أحيانا بين السخرية وبين التراجيديا. وبعيدا عن عالم السياسة تطالعنا قصة حب استثنائية بين ملك أشبيلية المعتمد بن عباد الذي يؤدي دوره الفنان غسان صليبا وبين اعتماد الرميكية التي أدت دورها الفنانة اللبنانية هبة الطوجي، حيث أبهرا الجمهور بحديث الشجن والحب تارة وبمقاطع غنائية تحكي عن الحب والحياة والعشق تارة أخرى. وتجدر الإشارة إلى أن المسرحية عرضت للمرة الأولى في بيروت عام 2003 ثم في الدوحة عام 2010 وأعيد عرضها في لبنان عام 2016 وفي نسختها الأخيرة لعبت دور البطولة، الفنانة اللبنانية هبة طوجي بدلا من كارول سماحة.
ولائم موسيقية
“ملوك الطوائف” ليست العرض الوحيد الذي أبهر جمهور قرطاج، بل تنوعت الولائم الموسيقية التي تذوقها الحاضرون وحلقوا معها بعيدا مع قمر الصيف إلى ليال ملاح من ليالي ألف ليلة وليلة. ومن بين العروض التي شدت الانتباه عرض الفنانة السورية الصاعدة فايا يونان التي غنت للوطن ولسوريا الممزقة وللوطن العربي الجريح وغنى معها الجمهور “بيناتنا في بحر” و”حكايا القلب” و”يا قاتلي” و”حب الأقوياء” والأغنية التونسية “نرجعلك ديما” التي شاركها فيها في الغناء الفنان ياسر جرادي في لقاء خاص ومنسجم بين الثنائي السوري التونسي.
لقد انطلقت الدورة 55 لمهرجان قرطاج الدولي في 11 تموز/يوليو وتتواصل حتى 20 آب/اغسطس وفي جعبتها العديد من العروض المتنوعة بين الغناء والمسرح والفن. وتم الافتتاح بسهرة أثثها عرض ”بحيرة البجع” من روسيا وهي إحدى روائع الموسيقار الروسي تشايكوفسكي التي ألفها سنة 1887 وقدمت لأول مرة على مسرح البولشوي في موسكو، وقام بتصميم الرقصات ماريوس بيتيبا. بحيرة البجع امتعت عشاق المسرح بلوحاتها الأربع على مدى ساعتين ونصف.
ومن أبرز العروض التي احتضنها المسرح الأثري في قرطاج، حفل الفنان الأردني من أصل فلسطيني أدهم النابلسي. واعتبر نجم “إكس فاكتور” الصاعد خلال الندوة الصحافية التي سبقت العرض أن اختياره ضمن برمجة مهرجان قرطاج الدولي في دورته الحالية يعود إلى محبة الناس له.
واعتبر أدهم النابلسي نفسه فنانا عربيا قبل كل شيء بغض النظر عن هويته الفلسطينية والأردنية. وتعتبر أغنيته “هو الحب” التي أطلقها أواخر سنة 2018 من أنجح أعماله الغنائية، حيث حظيت بمئة وسبعة عشر ألف مليون مشاهدة على موقع “يوتيوب”.
موعد مع الطرب الأصيل
كما شهد ركح قرطاج إضافة إلى السهرات الغنائية الشبابية أيضا، سهرات طربية مع أصوات تونسية وعربية أصيلة مثل الفنان التونسي عدنان الشواشي والفنان السوري نور مهنا. كما سيكون جمهور قرطاج على موعد مع حفل الفنان التونسي لطفي بوشناق الذي يجمع أصالة الفن الغنائي التونسي. فليس كبوشناق من هو قادر على الغناء بصوت عذب والتحدث عن خصوصية العشق التونسي الذي يحمل نكهة الماضي وعراقته، فتفوح معه رائحة الذكريات والزمن الجميل. مع لطفي بوشناق يستعد جمهور قرطاج لأخذ استراحة من عناء الحياة اليومية بكل تفاصيلها فيأتون إلى هذا المعلم الأثري الذي يرمز إلى حضارتهم القرطاجية العريقة باحثين عن الهدوء وعن عطر الياسمين التونسي الذي لا يفوح بكل هذا الزخم إلا من خلال صوت هذا الفنان التونسي الأصيل.
أما عشاق الفن الصوفي فسيكونون على موعد مع سهرة صوفية خاصة مع عرض “الزيارة” لسامي اللجمي. وهو عرض غنائي تونسي صوفي ويشارك في تأثيثه قرابة 100 عنصر على الركح، وهذا العرض من توزيع الموسيقار وعازف على آلة البيانو سامي اللجمي ويشارك فيه عدة عازفين عالميين وتونسيين منهم مرات ساكاردلي وغوكسال باكتاغير والمغني التونسي منير الطرودي. وعرض الزيارة من العروض التي تحظى بإقبال جماهيري كبير لأنه يمس المخزون الصوفي التونسي الذي يمثل جزءا هاما من الموروث الثقافي في بلد الأولياء والمريدين.
وقد أعلنت وزارة الثقافة التونسية تأجيل العروض التي كانت مقررة خلال هذا الأسبوع بعد وفاة الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي إلى أجل لم يحدد بعد. ومن أبرز العروض التي تأجل تقديمها ”ليو روخاس” وعرض كلمات لأسامة فرحات وحفل ريم تلحمي مع فرقة الأنس والجام من فلسطين و ”غوسبال لـ 100 صوت”. إضافة إلى عرض ”سندريلا” للأطفال وعرض صوفي لحضرة “سيدي بن عيسى”. وحفل الاختتام الذي سيكون مع الفنان التونسي صابر الرباعي.