قسطنطين-كفافيس
هذا طبعا عنوان إحدى القصائد الشهيرة لقسطنطين كفافيس الشاعر اليوناني ابن الإسكندرية، الذي أجمع كل نقاد الدنيا على أنه بعد موته تغير الشعر اليوناني، ودخل مرحلة جديدة من الفن. لا أعرف اليونانية حتى أقول ذلك، لكن من قالوا ذلك في كل الدنيا لابد أنهم صادقون.
لقد أحببت كفافيس في مرحلة قديمة من عمري، وكنت أشعر وأنا اقرأه بأنه ابن الإسكندرية الهيللينية، التي كانت يوما مدينة العالم. أخذتني قصائد قصيرة له وقصائد طويلة، جعلت بعضها مقدمات لفصول قليلة من ثلاثيتي «لا أحد ينام في الإسكندرية» و»طيور العنبر» و»الإسكندرية في غيمة». وكنت أشعر بأنه كتبها لي رغم أنه توفي عام 1933 أي قبل أحداث الجزء الأول من ثلاثية الإسكندرية، الذي يدور في الحرب العالمية الثانية.
يهل عليّ الآن مقطع من قصيدته عن الإسكندرية، وهو بعيد عنها تناديه فيه المدينة فيقول «لن تجد بلدانا ولا بحورا أخرى. ستلاحقك المدينة، وستهيم في الشوارع ذاتها، وما من سفين من أجلك، وما من سبيل». وأقول أين هي المدينة التي تناديني وقد صارت كل المدن خرابا. حتى الموسيقى التي أعشقها، وكانت تحلق بي في سماوات عُلا، لم تعد تحركني من مكاني. معذرة للقراء من الشباب، إذ سأبدو متشائما بينما الزمن أمامكم يجب أن تتعاملوا معه وأن تغيروه إذا استطعتم. لكنني أنظر حولي وأرى ما يُثار من قضايا اجتماعية، كلها تشتت العقل والقلب، وأرى حدة النقاش الذي يصل إلى الشتائم بين كل الأجيال، ونادرا ما أرى رأيا يعارض رأيا بهدوء. القضايا الكبرى التي عشنا نناضل من أجلها كتابة وفعلا، أراها صارت محل شكوك كلها فلا الحرية صارت تهم أحدا، ولا العدالة الاجتماعية، ولا الاستقلال، فقضية مثل فلسطين ظهر لها من يقول بحق إسرائيل، وإن الفلسطينيين هم من خانوا القضية، وباعوا أرضهم. والثورات التي قامت ضد أنظمة الحكم صارت ثورات عميلة وبقيت الأنظمة، أو جاء ما هو أفظع منها. أصبحت أرى شعار «للخلف در» معلقا أمامي في الفضاء، ولا أدعي لنفسي أكثر من المراقبة والكتابة عن الأمل، الذي أراه يخبو، بل يضيع.
مؤكد حالتي الصحية وتقدم العمر يساهمان في هذا اليأس، لكن أين هي الآمال؟ لقد ذكرني الفيسبوك بمقطع شعري من روايتي «الإسكندرية في غيمة» يقول «ذلك الشيخ الذي يهدد النساء بالجحيم، لا يعرف أن قصص الحب، تصنعها النيران»، فخفت أعيد نشره لأن البعض سيعتبره دعوة للتبرج والحرية في الحب، وسوف يضيفون إليها دعوة للجنس، وغير ذلك مما أراه أمامي أكثر من أي زمن. لقد رأيت الدعوة إلى عدم خروج المرأة من بيتها، وعدم التبرج، تعلو في المساجد والقنوات التلفزيونية والمحطات الدينية في الراديو، أكثر من أربعين سنة، لكنها لم تكن تقفز أمامي، بل كان الأمر يستدعي أن أسمعها أو أذهب إليها.
أتذكر كيف حل الوباء بطيبة، بعد أن دخلها أوديب، وكان هو الذي ارتكب الخطيئة إذ قتل أباه وتزوج أمه، وهو لا يدري، وأتساءل كيف كانت خطيئة حقا وقد حكمت عليه بها الآلهة مبكرا.
الآن صارت الميديا تلقي بها أمامي كل صباح، وأهرب منها إلى من يدافعون عن المرأة وحقها في الحياة، فأجدهم يردون على ما لا أريد أن أعرفه فقد حفظته، وهكذا صار الخصوم والأعداء معا يفتحون صفحة لم تنغلق، بينما كل الدول التي تقدمت أغلقتها من زمان.
صرت عبثيا وأنا أرى أمامي الدنيا قد انقلب حالها، بعد أن تقرر في تركيا إعادة متحف «أيا صوفيا» إلى مسجد ودخل الجميع في نقاش حاد، فمن يوافق هو عميل لأردوغان، ومن يرفض هو دولجي وعميل للنظام المصري، ولم أجد إلا الضحك قائلا، إن هذا كله لن يزيد من سرعة الإنترنت في مصر. وحين ألح عليّ أكثر من شخص بأهمية الحديث في الأمر، قلت أنا متعب وحزين والأمر لكم. والحقيقة صرت كذلك، ألوذ الآن بقراءاتي القديمة، وأقرأ بقدر المستطاع، لكن من بين كل ما قرأت تهلّ عليّ أساطير مدهشة وأسأل نفسي، كيف لم تدرك أم أخيل وهي تضع جسده في نهر الخلود ممسكة إياه من قدميه أن الماء لن يصل إليهما، فصار لكل منا نقطة ضعف مثل كعب أخيل.
أعود إلى التاريخ وأقول كم نحن بلهاء، لأن كل الطغاة لم يصدقوا أن لهم نقطة ضعف حتى قتلوا أو ماتوا، وماذا يجدي أن يتذكروا ذلك في الآخرة بعد أن خربوا البلاد. أتذكر كيف حل الوباء بطيبة، بعد أن دخلها أوديب، وكان هو الذي ارتكب الخطيئة إذ قتل أباه وتزوج أمه، وهو لا يدري، وأتساءل كيف كانت خطيئة حقا وقد حكمت عليه بها الآلهة مبكرا. كيف يدفع ثمن القدر؟ أدرك أن الأسطورة بنت المجتمع العبودي تقرر أن المصائر محددة سلفا، ولا هروب منها، ومن ثم ليست صالحة في المجتمعات الحرة، لكن يقفز سؤال لماذا وقد أخطأ أوديب، يدفع شعب طيبة الثمن؟ وأنظر حولي فأرى الشعوب كلها دفعت عبر التاريخ ثمن أخطاء حكامها. الحروب أفنت ملايين الشباب في كل الدنيا، والذي أعلن الحروب كانوا كبار السن من القادة والحكام ولا يزالون. ألوذ بكفافيس وقصيدته في «انتظار البرابرة « حين خرج الحاكم والحاشية والشعب كله في استقبال البرابرة، لكن البرابرة لم يأتوا. أقول ما قلته يوما في ندوة عن كفافيس في مدينة تولوز في فرنسا، منذ أكثر من عشر سنوات حين كان معي ناقدان من أمريكا وأوربا تحدثا باستفاضة عن الشعرعند كفافيس، لكنني حين وقفت أنا عند هذه القصيدة وقلت، حتى البرابرة لا يأتون إلينا، فأي وضع تعيس نعيشه؟ وكيف دوّت القاعة بالتصفيق بين دهشة الناقدين الكبيرين. البرابرة الذين كانوا حلا من الحلول لا يأتون.
وتهل عليّ رواية «صحراء التتار» لدينو بوتزاتي وكيف أن البطل الشاب الذي ذهب يقود قلعة خارج البلاد ليحميها من التتار، قضى عمره كله حتى أحيل إلى التقاعد في الستين من عمره، ولم يأت التتار، وترك القلعة ليقابل شابا آخر قادما ليقوم بمهمته، أن يضيع العمر سدى في انتظار ما لا يأتي.
تأخذني الرواية إلى إحدى قصص دينو بوتزاتي القصيرة وهي «الطابق السابع»، حين دخل مريض المستشفي ذات السمعة الطيــــبة في العلاج، لأنه يعاني من سعال بسيط، فأودعـــوه في الطابق السابع وعرف أن الطوابق السفلى مخصصة للأمراض الأصعــــب درجـــة، وصـــاروا ينقـــلونه كل يوم من طابـــق أعلى إلى طابق أسفل ويزداد مرضه حتى وجد نفسه مع الموتى في الطابق الأول ومات.
هو حكم القدر الذي لا يختلف عن القدر اليوناني في الأساطير الشهيرة، التي أشرت إلى بعضها والتي اختتمها بواحدة منها، هي حكاية «سرير بروكست» قاطع الطريق الذي كان يجبر من يمرّ عليه أن ينام في سريره الوحيد فإذا رآه أطول من السرير قطع من ساقيه وإذا رآه أقصر شد ساقيه من مفصليهما ليكون مناسبا وأنظر حولي فأرى هكذا يتم تفسير كل شيء في الإعلام والميديا، والحقيقة غائبة وهي بسيطة جدا نحن نستحق الحياة بدون ضجيج.
٭ روائي من مصر