في ذكرى الانقلاب الفاشل: ظاهرة تستحق الدراسة

حجم الخط
16

وفي الذكرى الثالثة لفشل المحاولة الانقلابية في تركيا، يبقى من الذكرى، ضمن ما بقي منها، هذا السؤال: ما الذي يجعل أستاذا جامعياً عربيا، في واحدة من الجامعات الغربية العريقة، ويعيش في بلد من بلاد الديمقراطيات، ينسى كل هذا ويسهر ليلته محتفياً بانقلاب عسكري هدفه الإطاحة برئيس منتخب، في انتخابات لم يشكك أحد فيها. وهذا الجامعي لا يدرس لطلابه مادة في فنون الطهي، لكنه متخصص في العلوم السياسية؟!
وما الذي يجعل من إعلامية رأت برهان ربها، وامتدت اليها يد البطش العسكري، ثم تهلل للانقلاب في تركيا، وتكتب شامتة في أردوغان وهو يطل إطلالته التاريخية عبر شاشة لهاتف جوال، يدعو شعبه للنزول لمواجهة الانقلابيين، فتتسرع في الكتابة: “يبدو أردوغان وقد فقد كل أدواته ضئيلاً عبر كاميرا هاتف محمول وحاله يدل على الضعف ويعيش حالة من النكران”؟!
وكما يُقال لمن يتعجلون في أمرهم في تساؤل يحمل في طياته استنكاراً: “لو صبر القاتل على المقتول…”؟ فلو صبرت قليلاً لأدركت أهمية الرسالة، ولأيقنت أنه لا يعيش حالة من النكران، فقد أوب معه شعبه. قال إنه سيهبط بعد قليل في المطار، فذهب الشعب إلى هناك، لكن يشاء السميع العليم أن تغلب عليها شقوتها، فتندفع محتفية بذلك، فيسجل التاريخ ما كتبت، ويصبح بعد ثلاث سنوات من كتابته، موضوعاً لسؤال حول دوافعها لكتابته؟ وهي التي حملها العسكر بملابس المنزل إلى مطار القاهرة، تصحبها الإهانة، فلم يمهلوها قليلاً لتغيير ملابسها، هل لأن “القط يحب خناقه”، كما ورد في المثل المصري الشائع؟! أم أنه العرق الدساس، كما ورد في الحديث الشريف؟!
كانت ليليان داوود، تعمل وهي اللبنانية في قناة “أون تي في” المملوكة لرجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، قبل أن يحمله الحكم العسكري على بيعها، بعد أن أدت المهمة في التحريض على الانقلاب، ولأن العسكري المنقلب في طول التاريخ وعرضه كـ “الفريك لا يحب شريك”، فكان لا بد من أن يستولي على القناة، وأن يوقف نمو المذكور، ويضع حلاً لتطلعاته السياسية، وإن منحه بعد ذلك قطعة أرض في منطقة الشيخ زايد، يبني عليها أبراجاً بالمخالفة لقوانين البناء في المنطقة. فقد فتح له ممراً أمناً للبيزنس، مجرد ممر، وليس أكثر من هذا، وليس باباً كما كان الحال في زمن مبارك، وفي عهد الرئيس محمد مرسي، لكنه أيضاً كان من الذين دعوا الجيش للانقلاب عليه!
ساويرس، كأستاذ العلوم السياسية سالف الوصف ليس موضوعنا في هذه الزاوية، إلا من حيث كونه المالك السابق لقناة “أون تي في”، التي أجبر على بيعها لشركة مملوكة للمجلس العسكري، وإن كان المشتري الظاهر هو أحمد أبو هشيمة وقتها، وقد تم تغيير اسمها الآن، على نحو كاشف أنهم لم يكونوا بحاجة للاسم التجاري للقناة، والدليل أنهم قاموا بتغييره!

الأكثر مهنية

ليليان داوود، ليست أحمد موسى، كما أنها ليست لميس الحديدي، إنها تبدو أكثر مهنية، وأكثر رصانة، وبعد الانقلاب كانت تضبط الرسالة الاعلامية من المنبع، فكل ضيوفها من فصيل واحد وبتنويعات مختلفة، هي مع الانقلاب العسكري وهم مثلها، وكانت مهنيتها تغطي على توجهها، لكنها أيضاً لم تكن ريم ماجد، التي أخذتها “من قصيرها”، وقد مهدت للانقلاب العسكري، ووقفت ضد الحكم المنتخب، وهللت لـ 30 يونيو، لكنها عندما رأت “البزات الكاكي”، توقفت عن تقديم برنامجها على “أون تي في” أيضاً، ربما لأنها تعرف أكثر من غيرها، طبيعة الضابط إذا حكم، فهي ابنة لعسكري، كان قاضياً عسكرياً في عهد مبارك واتسمت أحكامه بالقسوة!
إلى الآن لا نعرف سر ما جرى مع ليليان داوود، فقوة من الأمن طرقت بابها، واقتادتها بـ “البيجامة” إلى مطار القاهرة، لترحيلها خارج البلاد، وكان الإعلام الجديد سبباً في معرفة الناس بالعملية منذ وقوعها، تماماً كما تمكن الرئيس التركي بواسطته من أن يرسل رسالة لشعبه بأنه على خط النار، وفي اللحظة التي أعلنت فيها قناة “العربية” وجارتها بالجنب “سكاي نيوز عربية” أن مصدرا أمريكيا أعلن أن الرئيس التركي طلب اللجوء إلى ألمانيا.
كان أهل الحكم في مصر قد احتاطوا (والاحتياط واجب) لاكتشاف الأمر مبكراً، فاستدعوا الإعلام للتغطية على هذه “العملية النوعية” وبحملة تشويه ضد المذيعة، لستر العورات التي تبدت للناظرين، تماماً كما كان الإعلام جزءاً أصيلاً من خطة الانقلاب العسكري في تركيا، فقد انتصر في اللحظات الأولى بأداء قناتي “العربية” و”سكاي نيوز” ووكالة “رويترز” بدرجة أقل، هل ننكر حالة التسليم بهذه الهزيمة مبكراً، وهل ننكر أن مذيع قناة “الجزيرة” نفسها قال الآن وقد نجح الإنقلاب العسكري، قبل هذه الرسالة التي لم تر فيها “ليليان داوود” إلا أنها أظهرت أردوغان ضيئلاً وقد فقد كل أدواته؟! وبعدها قالت مذيعة قناة “العربية”: “للأسف الانقلاب فشل في تركيا”.
جريدة حزبية عريقة، توصف عند التقسيم الأكاديمي بأنها معارضة، نشرت مبكراً وعندما كانت ليليان داوود بـ “البيجامة” و”شبشب الحمام” في مطار القاهرة أن المذيعة اللبنانية مصابة بالإيدز، ولهذا تم ترحيلها بهذه السرعة وبتلك القسوة، وكنت لحظتها أرد عبر صفحتي على الفيسبوك على كل هذه الدعاية، والمصاب بالإيدز يوضع في المستشفى ولا يتم ترحيله؟ لم يمنعني وقوف ليليان مع حكم العسكر، أن أنحاز لحريتها وأدافع عن كرامتها، فلا بد أن نكون ضد الاستبداد أياُ كان مصدره، ومع ضحاياه وإن كانوا من خصومنا.. بعد قليل حذف الموقع الإلكتروني للجريدة الخبر، فلم يصدقه الناس، وكان سبباً في زيادة الهجوم على حكم العسكر، الذي لا يرقب في الناس إلا ولا ذمة، ويستبيح ضحاياه بهذه الشكل المجنون!
ولجأ الحكم العسكري إلى مبررات أخرى مثل أن إقامتها في مصر انتهت؟ ليكون السؤال ولماذا لم تجدد لها الإقامة؟ قالوا لإنها فقدت عملها في “أون تي في” بعد أن اشتراها المالك الجديد، ولماذا يتم الاستغناء عن خدماتها، وقد ناصرت الحكم العسكري وانحازت له، ووقفت ضد الحكم المدني وخرجت ضده ووقتها لم يقل لها أحد كيف وهي اللبنانية أن تدس أنفها في شأن مصري ومن داخل مصر، ولم يطرح أبداً في السجال السياسي الدائر قبل الانقلاب، أن تسحب منها الإقامة، أو أن يتُطلب منها مغادرة البلاد، ولا أعتقد أن إعلام الإخوان قد تعرض لها، وسأكون ممتنا لها، إن أرسلت ما يفيد عكس ذلك، فهذا إعلام لم أكن من ضيوفه، أبداً. والتجربة توشك على الأفول، دعاني الزميل أحمد عطوان، وكان رئيساً لتحرير البرنامج الذي يقدمه نور الدين عبد الحافظ في قناة الإخوان “مصر 25″، وعبثاً حاولت الإعتذار، فلما وافقت، قال لي إنه سيرتب الأمر في القناة، ثم يعاود الاتصال بي، ولم يتصل بي حتى ساعته وتاريخه!
ربما كانت سياسة معتمدة لدى القوم، فقد عرضوا على الدكتور حسن نافعة ترشيحه على قوائم حزب الحرية والعدالة في الانتخابية البرلمانية، فلما وافق لم يرشحوه، وعرضوا على عمرو موسى، منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الخارجية، ووافق ولم يعينوه!

السلك المكشوف

إلى الآن لا نعرف ما هو السلك المكشوف، الذي داست عليه ليليان داوود، دفع بالقوم إلى ترحيلها خارج البلاد، بهذه السرعة وتلك الصورة المهينة، وكان بامكانهم أن يعطوها مهلة قصيرة إن وجدوا ضرورة لذلك، لتغادر البلاد، إن كان من العسكر ينكرون الجميل وينسون الفضل، فداوود بما حدث هي التي عاشت “حالة من النكران” وليس أردوغان، الذي نادى قومه فأوبوا معه!
ومهما يكن فالسؤال الملح هو كيف لواحدة هي من ضحايا انقلاب عسكري في مصر، أن تنحاز لانقلاب عسكري آخر في تركيا؟ وأروغان لم يدس لها على طرف، فليس حكمه من طردها من بلاده بـ “البيجامة” و”شبشب الحمام”.
وبالمناسبة فقد فشلت في العثور على فصحى “شبشب الحمام”، لا أظن أنه “نعل”، وهذا أمر يحتاج إلى اتصال في وقت لاحق بواحد من اثنين من عمداء اللغة العربية في المنطقة الشيخ عبد السلام البسيوني، والأستاذ عارف الحجاوي!
وإلى أن نعثر على فصحاه ولو من باب اللياقة، يظل اسمه “شبشب الحمام” وبه أخذوا “ليليان داوود” إلى مطار القاهرة، ثم يا إلهي تنسى كل هذا وتريد لتركيا حكما عسكرياً أيضا، فكيف يمكن للمرء تفهم هذا؟!
أذكر أنني قبل ثلاثين سنة، قرأت حواراً مع أحد الضباط الأحرار في ثورة يوليو/ تموز 1952، خالد محيي الدين، أجرته معه الصحافية الراحلة نوال عمر، ونشرته جريدة “الأهالي” جاء فيه “عبد الناصر اضطهدني وأحببته.. والسادات سمح لي بتأسيس حزب وكرهته”، فأدهشتني هذه المعادلة، ربما لأني كنت بريئا، وكنت من يومها أعتقد أنه أمر يحتاج إلى فهم أعمق للطبيعة البشرية، ويبدو أن ليليان داوود هي إحدى امتدادات هذه “الحالة”، فلا ترى في اطلالة اردوغان ما يستدعي نظرة مهنية منها، من حيث كونه نتاج التزاوج بين الإعلام الجديد (الهاتف) والإعلام التقليدي (التلفزيون) والمحطة التركية التي نقلته عبر شاشتها، وكيف أن الناقلة له وصاحبة الاقتراح هي إعلامية تركية هي “هاندي فرات”، فدخلت التاريخ، في وقت خروج أمثال ليليان داوود منه، وقد كانت “هاندي” ضد أردوغان وكثيرا ما هاجمت سياساته، لكنها في هذه اللحظة نظرت للأمر من حيث كونه انجازاً مهنياً لها، وانجازاً سياسياً لصالح مسيرة بلدها، التي اكتوت بحكم العسكر، فلم تكن ليليان داوود!
إنها ظاهرة تستحق الدراسة.

صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية