باريس – «القدس العربي» : حدثت بعض الانتقادات الفنية حول أغنية الفنان اليمني أيوب طارش العبسي، كانت الأغنية حول الوحدة اليمنية، ومعظم الانتقادات كانت مؤدبة وموضوعية ويكاد لم يكن هو المعني بالنقد، بل موضوع وكلمات الأغنية، التي تتزامن مع ذكرى الوحدة اليمنية، والتي كانت 22 مايو/أيار 1990، والتي يثور جدل كبير حولها منذ حرب 1994، فالجدل قديم ويتجدد أكثر في شهر مايو من كل عام، المهم أن الناقد قائد غيلان، التقط الفرصة، وكتب منشوراً على صفحته في فيسبوك، ولم يكن دراسة نقدية ولا نقداً فنياً، ولا حتى انطباعياً، فقد هاجم فيه الفنان أيوب طارش بشكل عنيف وخارج حدود الذوق والنقد، وحتى التلقي، وأسقط عليه الكثير من الصفات السيئة والمس بشخصه وتكوينه الفني وذائقته الأدبية، ونسف غيلان نصف قرن من العطاء الفني لهذا الفنان، وهنا اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي من عشرات الآلاف من محبي الفنان والمعجبين بفنه للدفاع عنه بقوة، وطبعاً منهم من شتم غيلان وشكك حتى في شهادته الأكاديمية.
لست مع السب والشتم والتعرض لشخص هذا الناقد أو غيره، ورغم أنه يدرك الأخطاء التي فعلها، إلا أنه يبدو فرحاً بالشهرة والضجيج الإعلامي، الذي لا يزال يستعر، وينتقل من وسائل التواصل إلى كل وسائل الإعلام، هناك مئات الردود الرصينة من نقاد وأدباء وفنانين، فندت مزاعم غيلان وأعادت تذكيرنا بمكانة الفنان أيوب، وتأثير فنه على المدني والقروي البسيط، ودلالات أغانيه الروحية والإنسانية، فهو الذي غنى للسهل والجبل وللمرأة والرجل وللبحر والنخل وللوطن وللمغترب وللحياة والحب. شدني كثيراً تواضع الفنان أيوب طارش ورده البسيط بقوله في تغريدة على تويتر وفايسبوك: كل الانتقادات التي رميتموني بها تقبلتها وبروح رياضية وصدر رحب، لم تخني حنجرتي، بل خانتني كهولتي، لم أعد قادراً على التنفس بشكل طبيعي لتراكمات مرضية توالت عليّ في الفترة الأخيرة.
لا نجد هنا نبرة استعطاف وطلب نصرة، ولم يرد على غيلان بالسب والشتم ولم يعاتب أحداً، أيوب طارش مثله مثل مئات الرواد من الفنانين والفنانات ومبدعي اليمن ومبدعاته، أكلتهم أنياب الحرب والتشرذم، ونحن في زمن اللادولة واللانظام وتحلمنا عصابات تريد أن تستمر الحرب لعشرات السنين، يعاني أيوب كغيره من أبناء هذا الشعب من المرض وقلة الحيلة، ويتمتع بالكرامة فلم يمد يده للغير ولم يصرخ. هذا العمل الأخير ربما كان مجبراً عليه ليعيش، آلاف من الفنانين والفنانات في كل بقاع الكون وعبر مراحل تاريخية متعددة، اضطروا لفعل ما فعله أيوب وأنا شخصياً أنصحه أن يكرر الفعل، إذا كان للعمل مردود مادي وهذا خير من المهانة والفاقة والجوع وغداً سنعتذر لك جميعاً وتعتذر لك الأجيال وتلعن جلاديك وجلادينا، عمل غير جيد لأي فنان لظروف صون كرامته ولظروف الحياة ليس سيئة، وهناك أساتذه كبار في الجامعات يكتبون رسائل بحثية وكُتاب وشعراء، ولا يضعون عليها أسماءهم، بسبب الحاجة وهم يعترفون بالخطأ الفادح، ولكن الأقبح من هذا أن مؤسساتنا والهيئات.. و..و.. مصابة باختلالات قبيحة وتنتظر موت المبدع، ثم تسارع بنعيه والكثير منها يدعم ويكرم القبح ويهمل الفن والجمال والإبداع، إذن أيوب وبتواضعه يكشف كل هذا، وكلمات أحرق فنان نفــــسه، أو مات بالجلطة والحــــزن، يدين هذا الواقع الثقافي والفني المرتبك والمعوج والفاسد.