في رحيل أحمد عدوية: وداعاً لزمن الأغنية الشعبية والموال الشجي

فقدت الساحة الغنائية المصرية والعربية مؤخرا واحداً من أشهر مُطربيها الشعبيين وأكثرهم تأثيراً في القاعدة الجماهيرية العريضة، هو الفنان أحمد عدوية، بعد صراع طويل مع المرض استمر لعدة سنوات، لكنه لم يفقد جمهوره طوال فترة غيابه، بل ظل حاضراً بقوة في وجدان وضمير مُحبيه. وقد مثلت وفاته صدمة حقيقية لكثير من عُشاقه، خاصة من المُطربين الشباب، الذي اقتدوا به وساروا على دربه الفني ورأوه نموذجاً للكفاح والمُثابرة والإصرار على النجاح والوصول إلى القمة، متجاوزاً كل العثرات والعوائق، إذ لم يكن الطريق أمام المُطرب الشعبي الكبير مفروشاً بالورود كما يعتقد البعض، بل على العكس كان عدوية هو الفنان الأكثر شقاءً بصوته المؤثر وموهبته الطاغية، فلم يُقابله النُقاد الموسيقيون والغنائيون بالترحاب إبان اكتشافه، إنما واجهوه بحملة مسعورة قاسية ووصفوا أغانية وأدائه بالإسفاف والابتذال، في محاولة منهم لتعطيله وإحباطه، لكن إيمانه بموهبته كان أكبر من محاولاتهم اليائسة لاغتياله فنياً وإيقاف صعوده السريع، حيث صار في غضون سنوات قليلة مُطرباً ملء السمع والبصر، لا يباريه صوت، ولا يستطيع فنان آخر ممن هاجموه وتهكموا عليه منافسته في مساحته وساحته التي أخذت في الاتساع يوماً بعد يوم، إلى أن صار نجماً كبيراً يُشار إليه بالبنان.
وبصعود المُطرب الشعبي المُختلف ونجاحه، صعد معه كُتاب أغانيه ومُلحنوها، وبرز من بينهم الريس بيرة، ذلك الشاعر الغنائي الشعبي المغمور الذي أصبح بعد ذلك ناراً على علم، وفُتحت أمامه كل الأبواب وتركزت علية الأضواء لفترة امتدت طويلاً.
بدأ أحمد عدوية مسيرته الفنية في مُنتصف السبعينيات، مؤدياً للون مُغاير ومُختلف عن سائر الأغنيات الشعبية، وارتبط ظهوره بموجات الرفض لسياسة الانفتاح الاقتصادي، التي انتهجها الرئيس السادات، فاعتبره النُقاد والمُثقفون انعكاساً سلبياً لمرحلة مُرتبكة اختلطت فيها السياسة بالثقافة، وعليه جاء ظهور عدوية ونجاحه، إبان تلك المرحلة مُثيراً للجدل، ورآه البعض عنواناً لثقافة عشوائية، ونغمة نشاز في أوركسترا الموسيقى العربية، فقدت الأغنية المصرية على أثرها أصالتها وتراثها التاريخي العريق. وأمام هذا الافتراض وصيحات الرفض التعسفي صارت أغنيات أحمد عدوية، تُمثل من وجهة نظر البعض حالة غنائية شاذة، تنتسب فقط لذوق خاص يتصل بميول شريحة معينة من الجمهور ليس من بينها طبقة المُتعلمين والمُثقفين. ولم يكن المطرب الشاب نفسه آنذاك يكترث بآراء الرافضين لفنه، وظل مُستمراً في عطائه وأدائه، ومع إصراره ازداد انتشاره وبات مُتعهدو الحفلات في مصر وعموم الوطن العربي يطلبونه ويتسابقون إليه.

ومرت الأيام سريعاً وتطور أداء أحمد عدوية، وبدأ ظهوره في الأفلام السينمائية بشكل لافت، مغنيا ومُطربا في محاولة من جانب المُنتجين والمُخرجين للاستفادة من شعبيته، واستقطاب جمهوره العريض بعد أن اتسعت دائرة تأثيره الجماهيري والشعبي، وارتبط نجاح الأفلام بوجوده كبطل ومُغنٍ يلعب دوراً رئيسياً في السياق العام للأحداث الدرامية وحالة التجاوب الجماهيري. وفي هذا الإطار شارك المطرب الشعبي في العديد من الأفلام مع أهم النجوم، محمود عبد العزيز وعادل إمام وحسين فهمي وسمير غانم ويونس شلبي وسعيد صالح وسهير رمزي وإسعاد يونس وهياتم وليلى علوي وغيرهم كُثر، فقد وثق صُناع السينما في أدائه التلقائي الطربي، وبدأت عن طريقه مُغازلة نوعية بذاتها من الجمهور المُحب للموال والأغنية الشعبية الأصيلة، التي كادت أن تندثر لولا أن أعادها عدوية للحياة مرة أخرى.
ويُمكن القول إن وجود أحمد عدوية كمُمثل ومُطرب في مرحلة معينة من عمر السينما المصرية، قد أسهم في زيادة إرادات أفلام بعينها كفيلم «البنات عايزه إيه؟» و»المتسول» وغيرهما من الأفلام التي شارك فيها بصوته الشجي وأغانيه المُتميزة. لقد كان لاعتراف الموسيقار محمد عبد الوهاب بموهبة عدوية ووصفه لصوته بأنه نغمة شعبية أصيلة، تأثير كبير على نجاحه واستمراره في الصعود والتألق.

كذلك تأييد عبد الحليم حافظ له وثناؤه على أدائه وإحساسه الفارقين، دعماً قوياً له إبان اكتشافه وبعد انتشاره، حيث دلل حليم على إعجابه بأحمد عدوية بموافقته على أن يُغني إحدى أغنياته الشهيرة «خسارة خسارة» ولم يكن ذلك معهوداً عنه، لكنه وافق بارتياح لاقتناعه بحلاوة الصوت والتمكن من الأداء القوي المُعبر. وقد شكل المُطرب الشعبي صاحب النبرة الشجية الخاصة اتجاهاً في هذا الخصوص، فظهر جيل آخر تشبه به وحاول تقليده.
وهناك أغنيات شهيرة لأحمد عدوية ارتبط بها الجمهور وتم توظيفها في بعض الأفلام، من بينها أغنية «زحمه يا دنيا زحمه» التي غناها في مطلع الثمانينيات واستخدمها المخرج محمد خان في فيلمه «خرج ولم يعد»، ليؤكد بها التباين بين أجواء القاهرة الخانقة وهدوء الريف المصري وتميز مناخه، وكانت صيحة عدوية المدوية في الفيلم دعوة للخروج من كثافة العاصمة وزحامها والفرار إلى براح الطبيعة وجمالها. كما برزت أغان أخرى للمُطرب الراحل ارتبط بها جمهور الأغنية الشعبية وما زال يرددها كأغنية «بنت السُلطان» و»كله على كله» و»راحوا الحبايب»، وكلها مأخوذة من الفلكلور المصري ولها مذاق خاص يُناسب العامة من مُحبي عدوية ومُريديه. وبعد عودته وانتهاء فترة غيابه في عام 2010 غنى أحمد عدوية مع رامي عياش بحب الناس الرايقة وكانت تلك هي آخر أغانيه.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية